وإلى جانب الزراعة، وربما أهم منها من الناحية الاقتصادية، يوجد في القسم الجنوبي من شبه الجزيرة العربية مورد طبيعي في أغلبه هو نباتات التوابل والطيوب. ومن بين هذه اللبان أو البخور والمر والقصيعة والقرفة واللادن أو المستكة١٩. وقد مر بنا في مناسبة سابقة أن العصر القديم كان عصر استهلاك مكثف للبخور والطيوب بوجه خاص، ومن هنا كان الاهتمام الزائد للكتاب الكلاسيكيين في التعرف على كل المعلومات التي تتصل بهذه النباتات العربية التي حظي بها القسم الجنوبي من شبه الجزيرة، كما اتجهت
_________________
(١) ١٩ على سبيل المثال herodotos: historiae، III، ١٠٧. راجع كذلك، الحديث عن المصادر الكلاسيكية في الباب السادس الخاص بالمصادر الكتابية من هذه الدراسة.
[ ٣٠٤ ]
أنظار الدول الكبرى في العصر القديم إلى الحصول على نصيب منها، سواء في شكل هدايا أو ضرائب أو محاولة احتلال المنطقة العربية المنتجة لها٢٠، وهذه كلها شواهد على القيمة الكبيرة لهذا المورد الاقتصادي.
ولعل في ذكر بعض الحقائق التي أوردها الكاتب الموسوعي الروماني وهو بلينيوس PLINIUS، عن أحد هذه المنتجات وهو اللبان أو البخور، ما يعطينا فكرة عن حجم هذا المورد والأهمية التي ارتبطت به. إن الغابات التي تنمو بها أشجار اللبان في منطقة سبأ تصل مساحتها إلى ٢٠ سخوينوس SCHOENUS طولًا ونصف ذلك عرضًا، فإذا عرفنا أن طول هذا المقياس هو ٥ أميال ظهرت لنا المساحة الهائلة لهذه الغابات، وهي ١٠٠ ميل طولا و٥٠ ميلا عرضا تنتشر على التلال المرتفعة من قمتها إلى سفحها في منطقة تدعى سربية sariba وهي، حسبما يدعي اليونان، كلمة تعني "السر الخفي" وتقع ضمن أرض السبئيين على مسيرة ثمانية أيام من العاصمة شبوه. أما الأسر التي تملك هذه الغابات فتعد نحو ثلاثمائة أسرة ويدعى أفرادها بالمقدسين. كما أن العمل الذي يقوم به هؤلاء الأفراد، وهو شق لحاء الأشجار لاستخراج العصارة الصمغية القوام التي يتكون منها اللبان، يحيط به قدر كبير من القدسية التي تشير إلى مدى الأهمية التي أعطاها أصحاب هذه الغابات لهذا المورد الاقتصادي المهم. ففي الموسم المذكور لا يجوز لهم أن "يفقدوا طهارتهم" بلقاء النساء أو الاشتراك في مواكب الجنازات "ويبدو أن هذا الاشتراك كان يفقد الطهارة في نظرهم لسبب أو لآخر". ويبدو أن عددا من الشعائر الدينية كانت تحيط بهذا الموسم إذ إن بلينيوس يذكر لنا في هذا الصدد أن ارتفاع ثمن هذه السلعة
_________________
(١) ٢٠ عن الهدايا والضرائب herodotos III،٩٧. عن محاولات الاحتلال، راجع الباب العاشر الخاص بالسياسة الخارجية في هذه الدراسة.
[ ٣٠٥ ]
يرجع في أحد أسبابه إلى التكاليف التي تستتبعها الدقة الصارمة في اتباع هذه الشعائر.
ثم يذكر لنا الكاتب أنه في الزمن السابق لوقته "عاش الكاتب في أواسط القرن الثاني الميلادي"، حين كانت فرصة تسويق اللبان أقل منها في وقته، كانت العادة أن يجمع اللبان مرة واحدة في العام، أما في وقته فإن الطلب الكبير على هذه السلعة أدى إلى جمعها مرتين في العام، إحداهما في الربيع، والأخرى حين تصل حرارة الصيف إلى أشدها. أما بعد أن يجمع المحصول من الغابات فإنه يحمل على الجمال إلى العاصمة شبوه SABOTA ويفتح أحد أبواب المدينة لتدخل منه هذه القوافل المحملة باللبان. وقد حرص ملوك سبأ على أن تلتزم هذه القوافل الطريق العام الممتد بين الغابات والعاصمة واعتبروا أن الانحراف عنه يشكل جريمة أساسية يعاقب مرتكبها "وهو أمر يدلنا على حرص هؤلاء الملوك على ألا يكون هناك أي تلاعب في المحصول وهو في طريقه إلى المدينة". فإذا ما دخلت القوافل إلى شبوه أخذ الكهنة عشر المقدار تقدمة إلى إله المدينة، قبل أن يسمحوا لأحمال اللبان أن تعرض في السوق، وينفق هذا العشر في آداب دينية عامة تقام باسم هذا الإله٢١.
_________________
(١) ٢١ plinius: HN، XII، ٥١، ٥٤.
[ ٣٠٦ ]