وأنتقل الآن إلى الحديث عن النوع الثاني من الآثار وهو النحت الذي يتخذ شكل تماثيل، والنحت البارز الذي يتخذ شكل صور أو زخارف بارزة على واجهات أو جدران المباني أو المسلات. ومن أمثلة هذه الآثار في شبه الجزيرة العربية تمثال حجري عثر عليه قرب القلعة الموجودة في جزيرة تاروت التي تكاد تلاصق الشاطئ الغربي للخليج عند القطيف. والتمثال له دلالة حضارية كبيرة بالنسبة لتاريخ هذه المنطقة، فهو يشبه التماثيل السومرية التي وجدت في جنوبي العراق والتي يرجع تاريخها إلى نحو ثلاثة آلاف سنة ق. م. وهذا يدل على اتصال وثيق بين هذا القسم من شبه جزيرة العرب وبين حضارة وادي الرافدين في هذه الفترة المبكرة٧، وهو اتصال له ما يؤيده من البقايا الفخارية المتشابهة التي عثر عليها في المنطقتين كما سنرى بعد قليل، بما يحمله هذا من معانٍ وما قد يلقيه من أضواء على بعض الجوانب الخاصة بأصل الحضارة السومرية أو بتأثيراتها. كذلك عثر في المعبد اللحياني في الخريبة "مدينة العلا القديمة قرب مدائن صالح في القسم الشمالي الغربي من شبه الجزيرة" على تمثال صغير "طوله متر واحد" يبدو نسخة مصغرة من التماثيل المصرية القديمة سواء في وقفته المتصلبة أو في الذراعين الملتصقين بجانبي الجسم أو في اليدين المقبوضتين. ولم تظهر دراسة مفصلة عن هذا التمثال حتى الآن، ولكنه يشير بشكل واضح إلى تسرب التأثير الفني المصري بشكل أو بآخر إلى المنطقة٨.
_________________
(١) ٧ راجع: ملحق اللوحات: لوحتي ٧أ-ب. ٨ راجع: ملحق اللوحات: لوحتي ٨ أ - ب. التأثير المصري في مجال الفن وارد عن طريق الاحتكاك التجاري، وفي هذا المجال فإن بترا "البتراء" PETRA عاصمة الأقباط كانت تتفرع من عندها طريقان تجاريتان إحداهما تؤدي إلى تدمر palmyra وسورية، والأخرى تؤدي إلى غزة راجع: plinius: H.N،١٤٤، كذلك فإن طريقا كانت تؤدي إلى بلوزيون peluseon "الفرما" في مصر ومنها يوجد طريق مختصر إلى هيرويس heroes "السويس" في مصر، راجع: strabo: XVI،٢:٣٠ حيث تستمر الطريق البرية بعدها إلى داخل مصر. كذلك راجع العلاقات الوثيقة بين التجار المعنيين من العلا وبين مصر، وبخاصة نص زيد إيل التاجر المعيني الذي أصبح كاهنا في المعابد المصرية في الوقت ذاته، في آخر هذا الباب وحاشية ٢٦.
[ ١٣٦ ]
أما المثال الثالث الذي أقدمه في هذا الصدد فهو تمثال برونزي عثر عليه ضمن مجموعة من التماثيل في مدينة "تمنع" في قتبان وهي من الأقسام السياسية التي قامت في جنوبي شبه جزيرة العرب وهو تمثال لطفل يمتطي أسدا، والطفل يمسك في يده اليمنى بلجام وفي يده اليسرى بشيء يشبه القفل بينما يرفع الأسد رجله اليمنى وكأنه يهم بالحركة. وفي هذا التمثال نجد أثر الفن اليوناني بارزًا إلى حد كبير سواء في عري الطفل، والعري ظاهرة شائعة في التماثيل اليونانية، أو في ملامح وجهه أو في ليونة الحركة الخارجية "التي تميز الفن اليوناني عن فنون الشرق الأدنى القديم مثل الفن المصري أو الفن الآشوري". ونحن نستطيع أن نستنتج من هذا التمثال، الذي يرجع صنعه إلى القرن الأول ق. م. أو القرن الأول الميلادي، تأثيرا يونانيا على المثال العربي في هذه المنطقة من شبه الجزيرة، جاء نتيجة احتكاك اتخذ صورة أو أخرى بين اليونان وجنوبي شبه الجزيرة، وبخاصة إذا عرفنا أن اليونان كانوا قد بدءوا يزاولون الملاحة في البحر الأحمر منذ العصر المتأغرق "القرون الثلاثة الأولى ق. م" بتشجيع من ملوك البيت الحاكم البطلمي في مصر، ثم استمر نشاطهم البحري بعد ذلك في عصر الإمبراطورية الرومانية "ابتداء من ٢٧ ق. م" بعد أن عمل الأباطرة الرومان منذ بداية قيام الإمبراطورية الرومانية على فرض نفوذهم بطريق أو بأخرى على مدخل البحر الأحمر عند مضيق باب المندب "أقصى الطرف الجنوبي لهذا البحر" كمنطقة تتحكم في الطريق التجارية بين موانئ البحر المتوسط "ثم برا إلى البحر الأحمر ثم اختراقا لهذا البحر حتى جنوبيه" والمحيط
[ ١٣٧ ]
الهندي. وفي خلال هذا النشاط البحري التجاري بما فيه من مبادلات كان المجال مفتوحا لوصول بعض الدمى اليونانية التي قلدها الفنان العربي الجنوبي٩.
وأنهي الحديث عن الآثار المنحوتة في شبه الجزيرة العربية بمثال من النحت البارز يمثله شاهد مقبرة من تيماء "القسم الشمالي الغربي من شبه الجزيرة" "يرجع إلى أواسط الألف الأولى ق. م" وقد نحتت على هذا الشاهد صورة الإله "هلال" إله القمر التمودي وقد ظهر في النحت شخص يقدم قرابين إلى الإله١٠، ونستطيع بشكل بسيط ومباشر أن نستنتج من النحت الموجود على هذا الشاهد حقيقتين: إحداهما أن الثموديين، أو الفرع الشمالي منهم، كانوا يقيمون بشكل مستقر، وليس بشكل عابر لتجارة أو غيرها، في هذه المنطقة. أما الحقيقة الثانية فهي نوع العبادة التي كان يمارسها هؤلاء الثموديون في هذه المنطقة، وما يمكن أن يكون لها من صلة بعبادات الأقوام الذين وجدوا في المناطق المجاورة أو الذين احتكوا بهم في صورة أو في أخرى.
وإذا كان النحت بنوعيه، النحت المستدير "التماثيل" والنحت البارز يقدم لنا الشيء الكثير عن حياة العرب في شبه الجزيرة في العصر السابق للإسلام، فإن المخربشات التي تركها السكان على صخور الجبال، وإن كانت أقل منها
_________________
(١) ٩ راجع ملحق اللوحات: لوحتي ٩ أ - ب، عن النشاط البحري اليوناني في البحر الأحمر والمحيط الهندي "مرورا بشواطئ المنطقة الجنوبية الغربية لشبه الجزيرة العربية" في القرنين الأول ق. م. الأول م. وما حولهما راجع: rostovtzeff: social and economic history of the hellenistic world "sehh" ج٢ "١٩٤١ oxford" صفحات ٩٢٩-٩٣٢ وحواشي ٢٠٣-٢٠٧، كذلك: w.w.tarn: the greeks in bactria and india "١٩٣٨ cambridge"، صفحات ٣٦٦-٣٧٣ وm.cary: geographic background to greek and roman history صفحات ٢٠٤-٢٠٥. ١٠ راجع: لوحة ١٠.
[ ١٣٨ ]
شأنًا من الناحية الفنية، إلا أنها لا تقل عنها في قيمتها كمصدر نستقي منه أحوال المجتمع العربي في ذلك العصر. وهناك في الواقع أمثلة عديدة لهذه المخربشات التي نقشها السكان بشكل غير متقن أو بشكل عفوي وبسيط وسريع في أغلب الأحيان. وسأختار عددًا منها من المنطقة الوسطى في شبه الجزيرة، يعطينا فكرة عن بعض جوانب المجتمع الذي كان يوجد في هذه المنطقة. وأول مجموعة من هذه المخربشات نجد منظرين منها على جبل برمة في القسم الشمالي الشرقي من هذه المنطقة، وهي تضم منظرا لعنزة في حركة قافزة ومنظرا آخر يظهر فيه جمل وما يشبه النعامة. بينما نجد منظرا ثالثا في وادي ماسل يضم عددا من النعام. والمنظر الأول الذي تظهر فيه العنزة يعبر عن حياة الرعي التي سادت هذه المنطقة، بينما يعبر المنظر الثاني الذي يظهر فيه الجمل عن وسيلة المواصلات الأساسية لسكان المنطقة. أما النعامة فيبدو رغم انقراضها الآن بشكل كلي أو يكاد يكون كليا، أنها كانت من الحيوانات أو الطيور الشائعة في عصر ما قبل الإسلام شيوعًا جعلها أو جعل التشبيه بها يظهر بشكل متواتر في أشعار الجاهليين من أمثال امرئ القيس ولبيد بن ربيعة والحارث بن حلزة اليشكري وعنترة بن شداد والنابغة الذبياني وعامر بن الطفيل وعبيد بن الأبرص١١.
والمجموعة الثانية من هذه المخربشات منحوتة على صخور جبل برَّاقة "حوالي ٣٠ كيلومترًا شمالي موقع الدوادمي" وفي أحد مناظرها نجد صورة
_________________
(١) ١١ راجع: اللوحات: ١١ أ "العنزة القافزة"، ١١ب "جمل وما يشبه النعامة"، ١١ج "عدد النعام". عن ذكر النعام في شعر امرئ القيس راجع الأبيات في شيخو- البستاني: المجاني ص٣٥، بيت٥٨، وص٤١، بيت٢٤؛ عند لبيد بن ربيعة، المرجع ذاته، ص١٠٣، بيت٦، وص١١٠، بيت٦٧؛ عند الحارث بن حلزة اليشكري، ذاته: ص١٥٠، قصيدة صيد وفخر، بيت٩؛ عند عنتره بن شداد، ذاته: ص ١٥٥، بيت٢٥؛ عند النابغة الذبياني، ذاته: ص٢٢، بيت١١؛ عند عامر بن الطفيل، ذاته: ص٢٩٠، بيت١٤؛ عند عبيد بن الأبرص، ذاته: ص٣٤١، بيت٢.
[ ١٣٩ ]
لجمل تحيط به من جميع الجهات صورة مكررة أربع مرات هي عبارة عن دائرة وإلى جانبها خط مقوَّس بعض الشيء١٢. إن هذه هي صورة "الوسْم" أو العلامة التي كانت تتخذها كل قبيلة تمييزًا لها عن القبائل الأخرى، وربما كان للشكل الذي يتخذه هذا الوسم سبب أسطوري وربما كان مجرد اتفاق تعبيري بين أفراد القبيلة، ولكنه يبرز للباحث حرص كل قبيلة على الترابط فيما بينها، وعلى ألا تذوب شخصيتها في المحيط الواسع الذي تتجاور فيه القبائل في منطقة أو أخرى من مناطق شبه الجزيرة العربية. ومنه تستطيع أن تدرك مدى تغلغل النزعة الانفصالية التي عبرت عن نفسها في شكل العصبية القبلية والتي سادت المنطقة "وفي الواقع أغلب مناطق شبه الجزيرة العربية" بشكل حاد في الفترة السابقة لظهور الإسلام.
أما المجموعة الثالثة من المخربشات فنجدها على بعض الصخور الموجودة في وادي ماسل "٧٠ كيلومترا جنوبي الدوادمي". وفي أحد مناظرها تظهر صورة متجاورة لعدد من الأشخاص يقومون بحركات إيقاعية تمثل مشهدا راقصا. وقد يشير هذا المشهد إلى جانب من الحياة الترفيهية التي كان يعمد إليها سكان المنطقة من حين إلى حين، ولكن يبدو كذلك وربما كان هذا هو الأرجح إذا قارناه ببعض المظاهر الأخرى ذات الطابع الديني، أنه يعبر عن رقصة تتصل ببعض الشعائر الدينية، ربما كانت جزءا من ابتهالات يقدمها أبناء القبيلة لإلههم حتى ينزل المطر في هذه المنطقة التي ربما مرت بها بعض السنوات المتعاقبة دون مطر١٣.
_________________
(١) ١٢ راجع: لوحة ١٢. ١٣ راجع: لوحة ١٣.
[ ١٤٠ ]