على أن المناخ الملائم للنشاط الإنساني لم يكن هو الظرف الجغرافي الوحيد الذي يسر لسكان المنطقة سبل التحرك الحضاري المبكر، وإنما كانت هناك ظروف أخرى، من بينها: سهولة المواصلات بين أرجاء المنطقة. وسهولة طرق المواصلات معناها تيسير الالتقاء والتعامل بين المجموعات السكانية في أرجاء المنطقة المختلفة، ومن ثم الانتفاع المتبادل بتجارب كل مجموعة، الأمر الذي يؤدي إلى تطوير الإنجازات البشرية على طريق التقدم.
ونحن إذا نظرنا إلى خريطة المنطقة التي أسميناها منطقة نشوء الحضارات، نجد طرق الاتصال بين أقسامها المختلفة ميسرة إلى حد كبير، سواء في ذلك طرق الاتصال البري أو طرق الاتصال عن طريق البحر. فمن إيران في الطرف الشرقي للمنطقة نجد طريقين بريتين توصلان إلى منطقة وادي الرافدين، إحداهما في محاذاة الساحل الجنوبي، والثانية عبر الممرات الموجودة في جبال زاجروس، ومن وادي الرافدين نجد طريقين بريتين توصلان إلى
[ ٢٨ ]
آسيا الصغرى وإلى المنطقة السورية، ومن المنطقة السورية تمتد طريق برية ساحلية إلى مصر. بينما تخترق شبه الجزيرة العربية عدة طرق، إحداها من اليمن إلى سورية عن طريق مكة، وأخرى من اليمن إلى وادي الرافدين عن طريق نجد والمنطقة الشمالية الشرقية لشبه الجزيرة، وثالثة بين اليمن والمنطقة الشرقية وهكذا. وقد ظهرت آثار هذا الاتصال السهل بشكل واضح في العصور التاريخية في هذه المنطقة سواء من حيث التأثيرات الفنية والأدبية والفكرية والدينية بين أنحاء المنطقة أو من حيث النزاعات العسكرية والعلاقات والاحتكاكات السياسية، ولكن ما يهمنا الآن فيما يخص الخطوات الحضارية الأولى لسكان هذه المنطقة، هو أن التجارب والإنجازات الأولى سواء من ناحية استخدام المعادن وأنواع الأحجار التي قد تتوفر في قسم المنطقة دون قسم آخر أو تنظيم المجموعات البشرية الأولى على هيئة مجتمعات قروية أو طرز الأدوات التي كانوا يستخدمونها أو الأساطير التي كانت تمثل محاولة تغلب الإنسان البدائي على أسرار الكون المحيطة به -كل هذه التجارب كان تبادلها، تأثرا وتأثيرا، أمرًا واضحًا في علاقات المجتمعات التي قامت في المنطقة؛ نتيجة لسهولة هذه المواصلات البرية بين أرجائها.
وكما أسلفت، لم تكن هذه المواصلات البرية هي التي تفردت بهذه السهولة، وإنما كانت البحار كذلك عاملًا أسهم إلى حد كبير في هذه السهولة. فالبحر المتوسط، في حقيقة أمره يشكل استمرارًا نحو الغرب لهذه المواصلات السهلة. والبحر المتوسط له ميزات تجعله من أنسب طرق الاتصال المائية التي تشجع الإنسان الأول وتساعده على الحركة والانتقال. وأول هذه الميزات أنه بحر هادئ إلى حد كبير، بل هو في الواقع يكاد يكون بحيرة مغلقة إذا استثنينا المضيق الموجود عند طرفه الغربي والذي أصبح يعرف منذ الفتح العربي باسم مضيق جبل طارق، ومضايق البسفور والدردنيل الواقعة عند طرفه الشرقي، وحتى هذه توصِّل إق بحر مغلق هو البحر الأسود، ومثل هذا الهدوء يعتبر
[ ٢٩ ]
أكبر عون للإنسان الأول في انتقالاته المائية. كذلك فإن عاملا آخر ييسر إلى حد كبير اتصال المجموعات البشرية الأولى، وهو تقارب شواطئه المطلة على القارات الثلاثة: آسيا وإفريقيا وأوروبا لدرجة تكاد تصل إلى التلاصق في بعض الأحيان، فنحن نجد مثلا هذا التقارب الشديد بين الشاطئ الآسيوي والأوروبي عبر مداخل البحر الأسود، ونلحظه مرة أخرى بين الطرف الجنوبي الغربي لشبه جزيرة إيطالية والطرف الشمالي الشرقي لقرطاجة "تونس الحالية" عبر جزيرة صقلية، في المنطقة الوسطى للبحر المتوسط، ثم نشاهده مرة ثالثة في أقصى الغرب بين الطرف الجنوبي لشبه جزيرة إيبرية الأوروبية وبين الطرف الشمالي الغربي للقارة الإفريقية، وليس هذا كل شيء فبين شبه جزيرة آسيا الصغرى وبين الشواطئ الأوروبية في شبه جزيرة البلقان عدد من الجزر الصغيرة والكبيرة يبلغ عدة مئات تكاد تشكل جسرا متصلا بين القسم الآسيوي والقسم الأوروبي من منطقة نشوء الحضارات، وهوجسر كان له أكبر الأثر في تيسير التحركات البشرية في العصور الأولى للنشاط الحضاري الإنساني. هذا إلى وجود عدد من الجزر الكبيرة التي تمتد من شرقي البحر المتوسط إلى غربيه لتشكل ما يمكن أن نعتبره محطات تساعد الملاح الأول على الانتقال في هذا البحر. من بينها، ابتداء من الشرق إلى الغرب، جزيرة قبرص وجزيرة كريت وجزيرة صقلية وجزيرتا قورصقة وسردينية.
[ ٣٠ ]