وقد كان هذا الاهتمام العلمي المتخصص بشئون شبه الجزيرة العربية بداية لاهتمام مكثف من جانب الكلاسيكيين بهذه المنطقة في العصر المتأغرق "وهو العصر الذي امتد عبر ثلاثة قرون بعد الإسكندر حتى قيام الإمبراطورية الرومانية قبل الميلاد بثلاثة عقود" وقد برز هذا الاهتمام المكثف بين هؤلاء الكتاب في ضوء اهتمام اقتصادي كبير من جانب دولتين من الدول المتأغرقة التي قامت على أثر تقسيم إمبراطورية الإسكندر "وهما دولة البطالمة في مصر ودولة السلوقيين في سورية" بالعلاقات التجارية مع شبه الجزيرة والخطوط التجارية الموصلة إليها. وربما كان من الحقائق التي لا تخلو من مغزى أن أبرز ثلاثة من هؤلاء الكتاب كانوا يرتبطون بشكل أو بآخر بالإسكندرية، عاصمة البطالمة وأكبر وأنشط ميناء للتجارة الواردة من شبه الجزيرة إلى شرقي البحر المتوسط والتي كانت، في الوقت ذاته، تشغل المركز الرئيسي للحركة العلمية التي كان يقوم عليها علماء جامعة الإسكندرية ومكتبتها آنذاك.
وقد كان أحد أمناء هذه المكتبة، وهو إراتوسثنيس "إراتسطين عند العرب" eratosthenes الجغرافي "٢٧٥-١٩٤ق. م" أول هؤلاء الكتاب. وتتخذ المعلومات التي يقدمها عن شبه الجزيرة العربية في كتاباته أبعادا جديدة تعكس بشكل علمي جدية الاهتمام الاقتصادي بالمنطقة. فلأول مرة نجد في
[ ٢٠٣ ]
الكتابات الكلاسيكية تقسيما لشبه الجزيرة بشكل دقيق على أكثر من صعيد. فهي تنقسم في المقام الأول إلى بلاد العرب الصحراوية arabia eremon وبلاد العرب الميمونة arabia eudaemon يفصل بينهما خط يبدأ عند هيروي heroe "قرب ميناء السويس الحالية" ويتجه نحو الشرق مارًّا بعدد من الأقوام قبل أن يصل إلى نهايته عند بابل١٥. والكاتب يحدد طول هذا الخط والمسافة بينه وبين السواحل الجنوبية كما يعطينا طول ساحل شبه الجزيرة المطل على البحر الأحمر، كذلك يقسم الكاتب المنطقة من الشمال إلى الجنوب حسب نوع الحياة الاقتصادية التي يمارسها السكان مبتدئا بالفلاحين ثم البدو أو سكان الخيام skenitae ومنتهيا بالزراعة المكثفة التي تتم مرتين في العام في الجنوب حيث توجد أنهار "ربما يقصد الوديان التي كانت تملؤها السيول نتيجة للأمطار في المواسم المطيرة" تغذي السهول والبحيرات بالماء، وينهي الكاتب حديثه بذكر الأقوام الأربعة الرئيسية التي كانت توجد بجنوبي شبه الجزيرة وهم المعينيون minaioi والسبئيون sabaioi والقتبانيون katabaneis والحضارمة chatramotitae محددًا المكان الذي يشغل كل قوم منهم وعواصمها والحياة السياسية التي يمارسونها، كذلك يتحدث بالتخصيص والتفصيل عن مواردهم الاقتصادية ويعطينا للمرة الأولى هيكلا عاما للخطوط التجارية البرية والبحرية التي تصل المنطقة بميناء أيلة "على خليج العقبة" شمالا وجرها على الخليج في الشمال الشرقي١٦.
والكاتب الثاني الذي تطرق لشئون شبه الجزيرة في الفترة التي امتد عبرها العصر المتأغرق هو أجاثار خيديس agatharchides، وهو يوناني سكندري كان على صلة بالبيت المالك البطلمي، والكتاب، الذي ظهر في الثلث الأخير من القرن الثاني ق. م. عرف باسم "الطواف حول البحر الأريتري" والذي يصف
_________________
(١) ١٥ strabo: XVI،٤:٢. ١٦ ذاته XVI،٤:٢،٤.
[ ٢٠٤ ]
فيه الكاتب الساحل الغربي لشبه الجزيرة العربية ضمن وصفه لسواحل البحر، هو نوع من الكتب التي كان يطلق عليها كتب الطواف periploi والتي كانت تظهر من حين لآخر في العصر اليوناني الروماني كدليل للملاحين والتجار، يعرفهم بالمدن التي يمرون بها أو يرسون في موانئها. وظهور هذا الكتاب يدل على مدى النشاط التجاري بين الدول المتأغرقة وبين الجزيرة العربية بالدرجة التي جعلت هذا الظهور أمرا واردا. والجديد الذي يقدمه هذا الكتاب في مجال الاهتمام بشئون شبه الجزيرة هو التفصيل الذي يعمد إليه الكاتب في وصف مناطق الطيوب والتوابل، وبخاصة منطقة سبأ التي يسهب في وصف مواردها وثروتها وحياة البذخ التي كان يمارسها سكانها، أو بالأحرى التي كانت تمارسها الطبقة الأرستقراطية من هؤلاء السكان١٧.
أما الكاتب الثالث الذي يمثل هذه المرحلة فهو أرتميدوروس artemidoros "اشتهر بين ١٠٤ و١٠١ ق. م" الذي أقام بعض الوقت في الإسكندرية وحرر فيها عددا من الكتابات تناول في بعضها شئون شبه الجزيرة العربية بصورة تهدف إلى تعريف الرجل المثقف بشئون المنطقة، وهو ينقل كثيرا عن أجاثار خيدس ويتبع طريقته في تفصيل المعلومات عن أقسام شبه الجزيرة، ولكنه يزيد عليها قدرًا لا بأس به من التفاصيل والمعلومات الجديدة، ففيما
_________________
(١) ١٧ عن الفترة التي يمثلها الكاتب، يرجح أن أجاثار خيدس كان حوالي ١١٦ ق. م. مربيًا لأحد البطالمة، لعله بطلميوس سوتر الثاني "١٤١-٨١ ق. م." راجع: E. H. Warmington:Agatharchides OCD وعلى أي الأحوال فهو سابق لسترابون "٦٣/٦٤ ق. م -٢١م على الأقل" طالما أن سترابون ينقل عنه، الكتاب صدر تحت عنوان peri fas erythras tnalasses راجع: G. Mueller: Geographiei Graeci Minores ج١ صفحات ١٨٦ وما بعدها، عن كتب الطواف في العصر اليوناني الروماني راجع: F.Gisinger: Periplus، RE وصف البذخ في مناطق الطيوب والتوابل في الباب الخامس من كتاب أجاثار خيدس، هذا الوصف وصلنا منقولا في diodoros: III،٤٦-٧ في artemidoros منقولا بدوره في strabo: XVI،٤:١٩.
[ ٢٠٥ ]
يخص الساحل الغربي لشبه الجزيرة "الذي يهم البطالمة في مصر بوجه خاص" يعد أرتميدوروس نحو ١٣ موقعا، كما يتحدث عن ثمانية أقوام عربية كبيرة في المنطقة، ثم هو لا يكتفي بنقل الحديث العام عن الطرق التجارية البرية التي تتبعها القوافل بين سبأ من جهة وكلٍّ من وادي الرافدين وأرض الأنباط من جهة أخرى، وإنما يلقي ضوءًا على طريقة انتقال التجارة على طول هذه الطرق، فيذكر أنها تنتقل من قبيلة إلى القبيلة المجاورة "بهدف ضمان الحماية دون شك" حتى تصل إلى الأماكن المقصودة. كذلك نجد هذا الكاتب يفصل الحديث في فكرة إراتوسثنيس إلى ذكرها بشكل عام وهي طريقة الحكم في منطقة من أهم مناطق شبه الجزيرة وهي سبأ، كما يبدي عددا من الملاحظات عن العلاقات بين عدد من أقوام شبه الجزيرة، وهي الأقوام المجاورة لشواطئ البحر الأحمر، وعن العلاقات بين أحد هذه الأقوام وهم الأنباط، والقوى الخارجية١٨.
_________________
(١) ١٨ منقول في strab: XVI،٤: ١٨-١٩.
[ ٢٠٦ ]