أما عن النقوش التي تعرفنا بالعلاقات الخارجية لشبه جزيرة العرب فسأقدم ثلاثة يمثل كل واحد منها نوعا من هذه العلاقات. والنقش الأول عثر عليه في وادي ماسل بالمنطقة الوسطى من شبه الجزيرة، وهو نقش سبئي يرجع تاريخه إلى ٥١٦م كتب باسم معديكرب يعفر بمناسبة حملته ضد المنذر الثالث ملك الحيرة "وهي إمارة عربية في القسم الشمالي الشرقي لشبه الجزيرة"٢٤.
وذكر هذه الحملة في هذا النص يساعد على توضيح العلاقات الدولية التي
_________________
(١) ٢٤ مقدمة عن آثار المملكة العربية السعودية، ص١٨. هذا ويوجد بالمنطقة نقش آخر يشير إلى نوع من العلاقات "الخارجية" ولكن بين منطقة ومنطقة في داخل شبه الجزيرة العربية "على اعتبار أن شبه الجزيرة لم تكن تشكل دولة واحدة قبل ظهور الإسلام" ويشير هذا النص "المرجع ذاته، الصفحة ذاتها" إلى أن "أبي كرب" أسعد وابنه حسان ملكي سبأ و"ذوريدان" وحضرموت ويمنات خيما بالمنطقة "وادي ماسل الجمح" أثناء حملتهما على قبيلة سعد الموجودة بها. راجع صورة للنقش في ملحق اللوحات: لوحة ٢٢.
[ ١٥١ ]
كانت سائدة في ذلك الوقت. ودون دخول في التفاصيل فقد كان هناك صراع سياسي اقتصادي ديني متعدد الأطراف، ظهر فيه البيزنطيون والفرس والحبش واليمنيون ووجود وفاق أو خلاف بين هؤلاء الأطراف كان أمرًا يخضع لكثير من التغير من ظرف إلى ظرف، ومن هنا فإن احتكاكا أو اتصالا بين ملك اليمن وملك الحيرة "الذي كان تابعا للإمبراطور الفارسي" كان أمرا واردا.
والنقش الثاني واحد من عدد كبير من النقوش تشير إلى العرب أو إلى شبه الجزيرة العربية، عثر عليها بين السجلات الخاصة بملوك الدولة الآشورية والدولة البابلية الحديثة، ويعود أولها إلى عهد الملك الآشوري شلمنصر الثالث "٨٥٨-٨٢٤ ق. م" وآخرها إلى عهد نابونائيد "٥٥٥-٥٣٩ ق. م" آخر ملوك الدولة البابلية الحديثة. والنقش الذي نحن بصدد الحديث عنه يرجع إلى عصر الملك آشور بانيبال "٦٦٨-٦٣٣ ق. م" وفي هذا النقش يتحدث الملك عن حملة قام بها ضد "يواتع ملك العربية" ويذكر أنه قام بهذه الحملة ضده لأن يواتع قد تجاهله ولم يرسل له الجزية المقررة عليه. وبعد أن يصف آشور بانيبال سير الحملة وتفاصيل المعركة يختم نقشه بأن يذكر أنه انتصر على يواتع وسكان العربية الذين ثاروا معه وأنه سحق هؤلاء الثوار وأحرق خيامهم. أما يواتع نفسه فقد فر إلى أرض النبط٢٥. والنقش يلقي ضوءًا على التيارات التي كانت سائدة في شمالي شبه الجزيرة العربية في ذلك الوقت، وهي منطقة أصبحت معبرا بين الدولة الآشورية واتجاه توسعها نحو سورية. ويبدو من النص أن العرب في هذه المنطقة العبورية كانوا قد اعترفوا بنوع من التبعية للملوك الآشوريين، ولكنها لم تكن تبعية لينة العريكة، وإنما كان فيها شد وجذب من حين إلى حين، كما يظهر لنا كذلك أن هذا الملك العربي الذي ربما كان مجرد شيخ لقبيلة قوية أو رئيسا
_________________
(١) ٢٥ راجع النص في anet صفحات ٢٩٧-٢٩٨.
[ ١٥٢ ]
لمجموعة متحالفة من القبائل في المنطقة، كانت له علاقات خارجية من النوع الذي يمكن أن نسميه علاقات حسن جوار مع منطقة الأنباط الموجودة تجاه الغرب.
ثم أشير إلى أقدم نقش عربي وجد في مصر، وهو نقش يرجع إلى العصر البطلمي "٣٠١-٣٠ ق. م" ومدون بالخط العربي الغربي على تابوت التاجر المعيني "زيد إبل". والتابوت محفوظ في المتحف المصري بالقاهرة، وفي هذا النقش يتحدث زيد إبل عن معاملات بينه وبين كهنة المعابد المصرية نراه في ثنائها يقدم إلى هذه المعابر مقادير من المر وقصب الطيب مقابل أقمشة مصرية. ويذكر أنه استخدم سفينة في استيراد هذه المحاصيل العربية، كما يشير إلى دين عليه يستحق الوفاء في شهر حتحور. وفي موضع آخر في النص يشير إلى أنه وفَّى بكل ديونه في شهر كيهك. ويختم زيد إبل حديثه بنوع من الدعاء إلى الآلهة يبدو منه أن يبتهل إليها لكي تضفي حمايتها على تابوته، وهو يجمع في هذا الدعاء بين الإله المصري "أوزير - حابي" "وهو يورده في النص بنطق معرب هو أثر حف" وبين آلهة موطنه الأصلي٢٦.
_________________
(١) ٢٦ F.Hommel: A Mineaean Inscription of the ptolemaic period، proceedings of the society of biblicaiarchaeology XVI "١٩٨٤" صفحات ١٤٥-١٤٩. h.schwarts: dies inschrifte des wuestentempels in redes je jahrbuch fuer klassische philologie cliii ١٨٩٦، ص١٥٧. N. rhodokanakis die sarkophaginschrift von gizan zeitschrift fuer semitik un verwandte gebete II. ١٩٤٢، صفحات ١١٣-١١٤. جواد علي: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ج٢ بيروت ١٩٦٩، صفحات ٢٤-٢٧. عبد المنعم عبد الحليم السيد: الجزيرة العربية ومناطقها وسكانها في النقوش القديمة في مصر بحث قدم في الندوة العالمية الأولى لدراسات الجزيرة العربية، الرياض ١٩٧٧، صفحات ٩-١١، ويمتاز هذا البحث بأن كاتبه يبين هذا النص في ضوء بقية النصوص العربية النوبية والشمالية التي وجدت في مصر من جهة، والنصوص المصرية التي سبقت ذلك من جهة أخرى.
[ ١٥٣ ]
ويستطيع دارس هذا النقش أن يتعرف من خلاله على مجموعة من الحقائق ومن بين هذه الحقائق على سبيل المثال مدى العلاقة الوثيقة التي كانت تربط بين هذا التاجر العربي وبين الكهنة المصريين، وهذه العلاقة الوثيقة يمكن أن نوائم بينها وبين عدد كبير من النقوش التي كتبت بلغة عربية جنوبية أو لغة عربية شمالية، وهي نقوش عثر على أعداد كبيرة منها في الصحراء المصرية الشرقية بين نهر النيل والبحر الأحمر، وتشير إلى نزوح عدد من سكان شبه الجزيرة العربية إلى هذه المنطقة في عهد البطالمة. كذلك بمقدورنا أن نستنتج من هذا النص اندماج هذا التاجر العربي في الحياة المصرية "وهو اندماج يمكن أن يكون واردا في حالة عدد كبير من العرب النازحين إلى مصر في تلك الفترة"، فنحن نرى هذا التاجر يتقدم بدعائه وابتهالاته لا إلى آلهته فحسب، بل كذلك إلى إله مصري. ثم هو لا يذكر هذا الإله المصري باسمه الذي كان شائعا بين اليونان المقيمين في مصر "وفي الواقع بين اليونان في خارج مصر، وقد كانت عبادة هذا الإله شائعة بينهم كذلك" وهو سرابيس، ولكنه يذكره باسمه المصري أوزير-حابي "بعد أن عربه إلى أثرحف" مما يشير إلى أن اندماج هذا التاجر لم يكن مع اليونان وإنما مع المصريين. بل لقد ذهب بعض الباحثين، بناء على هذا الاندماج، إلى أن "زيد إبل" أصبح في الواقع كاهنا في المعابد المصرية، وأن الكهنة المصريين قبلوا انخراطه في سلك رجال الدين المصريين، ورأوا في هذا ما ييسر عليهم الحصول على حاجتهم من البخور والطيوب اللازمة لأداء الشعائر والطقوس الدينية بشكل مباشر دون وساطة السوق التي ترفع وساطتها من ثمن هذه السلع بالضرورة.
وأخيرا فإن النقش يكشف لنا عن حقيقة مهمة هي أن المواصلات في هذه الفترة بين عرب شبه الجزيرة العربية وبين مصر لم تكن قاصرة على الطريق البري، وإنما كانت تتم كذلك عن الطريق البحري عبر البحر الأحمر، وفي الواقع نحن نعرف أن المواصلات البحرية عبر البحر الأحمر كانت قائمة،
[ ١٥٤ ]
فقد وجدت أو أقيمت في مصر موانئ على شاطيء البحر الأحمر من الناحية المصرية مثل ميناء ميوس هرموس وميناء بيرينيكي "رأس بناس حاليا" وميناء القصير، كما أقام اليونان على الساحل الشرقي للبحر الأحمر من ناحية شبه الجزيرة العربية ميناء "ليوكي كومي" أو القرية البيضاء "الوجه حاليا"، ولكن الجديد الذي يقدمه لنا النص هو أن الطرق البحرية بين هذه الموانئ المتقابلة على البحر الأحمر بين مصر وشبه الجزيرة العربية لم تكن حكرًا على البحار اليونان وإنما كان الملاحون العرب يستخدمونها كذلك. ولهذه الحقيقة التي يكشفها النص أهميتها فإن النقوش العربية العديدة التي عثر عليها في صحراء مصر الشرقية كلها تقريبا نقوش مقتضبة؛ ومن ثم لم تتسع للإشارة إلى عدد من الحقائق، من بينها هذه الحقيقة.
[ ١٥٥ ]