وإذا كانت طرق المواصلات السهلة في منطقة نشوء الحضارات قد ساعدت على تيسير الاتصال ومن ثم التعامل والانتفاع المتبادل بتجارب المجموعات البشرية التي تقطنها، فإن ظرفًا جغرافيًّا آخر قد ساعد على تكثيف هذا الاتصال عن طريق حصره إلى حد كبير في المنطقة. هذا الظرف يتعلق بالحدود شبه المانعة لهذه المنطقة بالشكل الذي يوجه اتصال سكان المنطقة إلى داخلها وليس
[ ٣٠ ]
إلى خارجها بشكل يكاد يكون تامًّا في العصور القديمة، إذا استثنينا بعض اتصالات بسيطة ومتباعدة وغير منتظمة.
ونحن نستطيع أن نلمس ذلك إذا تتبعنا حدود المنطقة من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب. فعند الطرف الشرقي للهضبة الإيرانية تمتد الجبال المحاذية للشواطئ الغربية لنهر السند من الجنوب لكي تلتحم في أقصى الشمال بجبال الهملايا، وتشكل بذلك، هي والكثافة السكانية الكبيرة إلى شرقيها في الهند، حاجزًا يتوقف عنده التوجيه الحضاري والتاريخي لهضبة إيران. وعلى طول الحدود الشمالية لهذه الهضبة نجد امتدادات آسيا الوسطى بسهولة ومناطقها المقفرة، فإذا اتجهنا غربا نجد مرتفعات أرمينية ثم جبال يونتوس في شمالي شبه جزيرة آسيا الصغرى، حتى إذا تخطينا مداخل البحر الأسود إلى القارة الأوروبية وجدنا سلاسل جبال الكريات والألب الدينارية التي تحد شبه جزيرة البلقان من الشمال، ثم جبال الألب التي تقع إلى شمالي شبه الجزيرة الإيطالية وإلى جنوبي فرنسا، ثم سلسلة جبال البرانس التي تحد شبه جزيرة إيبرية "إسبانية والبرتغال الحاليين" في أقصى الغرب. فإذا انتقلنا إلى جنوبي البحر المتوسط ونظرنا إلى السهل الساحلي الذي يمتد بطول هذا البحر وجدنا جبال أطلس ثم النطاق الصحراوي الذي تشكله الصحراء الإفريقية الكبرى من غربي القارة حتى تعبر وادي النيل في مصر وتستكمل امتدادها شرقا تحت اسم صحراء العرب التي تنتهي عند سلسلة الجبال المحاذية للساحل الغربي للبحر الأحمر. أما وادي النيل الذي يخترق هذه الصحراء من الشمال إلى الجنوب فنجد أنه حين يصل إلى حدود مصر الجنوبية يعترضه حاجزان رئيسيان سبق أن أسلفت الإشارة إليهما وهما: الجنادل والشلالات التي تعترض مجرى النيل، ومن ثم تعترض الملاحة النهرية فيه، ثم انحسار الوادي على جانبي النهر مما لا يسهل أية اتصالات سكانية وحضارية واسعة النطاق مع المنطقة التي تلي ذلك جنوبا. فإذا عبرنا البحر الأحمر إلى شبه الجزيرة العربية وانحدرنا جنوبا إلى الساحل
[ ٣١ ]
الجنوبي لها، وجدنا المحيط الهندي، تلك المساحة المائية التي لا تليها أرض إلى الجنوب٩ وحقيقة: إن هذا المحيط قد أصبح في فترة متأخرة نسبيًّا طريق مواصلات سهلة تصل بين منطقة نشوء الحضارات وغيرها، ولكن هذا حدث بعد أن كانت المنطقة قد استقرت على شكلها الحضاري بعد فترة التكوين الحضارية الأولى.
في داخل هذه المنطقة بحدودها الجغرافية التي تكاد تعزلها عن المناطق الأخرى المحيطة بها، تركزت التحركات الحضارية الأولى، ومن ثم تطورت وتعمقت التجربة الحضارية بدلًا من أن تتبعثر وتتسطح أو ربما تندثر. وقد ظل هذا الطابع ملازمًا للمنطقة حتى بعد أن تخطت مرحلة الظهور الحضاري إلى المرحلة التاريخية. وهكذا وجدنا التحركات الحضارية، سواء اتخذت شكلا سلميا أو سارت في طريق العنف، تتم داخل المنطقة وفي حدودها. فالهجرات البشرية التي انطلقت من شبه الجزيرة العربية استقرت على الساحل السوري وفي وادي الرافدين، والهجرات الفينيقية استقرت في قرطاجة والمناطق المحيطة بها على الساحل الإفريقي، وامتدت إلى شواطئ شبه جزيرة إيبرية في "أوروبا" والهجرات اليونانية استقرت في جزر البحر المتوسط وعلى كافة شواطئه، والإمبراطوريات المصرية والآشورية والفارسية، وإمبراطورية الإسكندر الأكبر والإمبراطورية الرومانية، كلها تمت داخل حدود المنطقة باستثناءات لا تكاد تذكر "كان هدفها الأساسي تأمين الحدود". والتراث الفكري والعلمي والأدبي والديني دار داخل المنطقة، منها وإليها، طوال العصور القديمة.
وهكذا ينضم هذا الظرف الجغرافي المتصل بحدود المنطقة إلى الظرفين الآخرين المتعلقين بالمناخ وسهولة طرق المواصلات البرية والبحرية ليجعل من
_________________
(١) ٩ راجع ملحق الخرائط، خريطة رقم ١.
[ ٣٢ ]
هذه المنطقة أنسب المناطق لنشوء الحضارات: مناخ معتدل أو شبه معتدل يساعد على النشاط الحضاري في وقت لم يكن الإنسان فيه قد تمكن بعد من تذليل مصاعب البيئة وعقباتها، وطرق اتصال سهلة تمكن المجموعات البشرية في داخل المنطقة من تبادل تجاربها الحضارية؛ ومن ثم تطويرها وتنميتها، وحدود شبه مانعة تؤدي إلى تركيز تلك التجارب وتعميقها بدلًا من بعثرتها وتسطيحها.
[ ٣٣ ]