والبقايا الفخارية هي الأخرى تشكل مصدرًا على جانب كبير من الأهمية
[ ١٤٠ ]
في تصوير حضارة المجتمع الذي كان يوجد في شبه الجزيرة في الفترة السابقة للإسلام. ولعل الفخار يصور هذه الحضارة أكثر من غيره من أنواع الآثار الأخرى. فالفخار في العصور القديمة كان السلعة أو الأداة التي تستخدم أكثر من أي شيء آخر في الحياة اليومية. فمذ كانت تصنع أواني الطعام، والأوعية اللازمة لحفظ أو تخزين بعض أنواع المؤن مثل الزيت والنبيذ، كما كانت تصنع المزهريات وأوعية البخور التي تستخدم في الطقوس الدينية سواء في المعابد أو في أماكن الاجتماعات، ومنه كذلك كانت تصنع بعض الدمى الصغيرة لأغراض دينية أو في الحياة اليومية. وعلى هذا فوجود كميات من الفخار في أحد المواقع يشير إلى أن هذا الموقع كانت توجد فيه حياة مستقرة وأنه لم يكن مجرد معبر أو محط تجاري، وبخاصة إذا وجد في المنطقة بقايا أثرية أخرى تدل على وجود مستوطنات أو قرى أو مناطق سكنية على قدر ظاهر من الاتساع. وسأختار في هذا الصدد مجموعتين من الفخار كُشف عنهما في منطقة ساحل الخليج في القسم الشرقي من شبه الجزيرة، وإحدى هاتين المجموعتين وجدت في موقع الدوسرية "على شاطئ الخليج جنوبي الجبيل" وفي بعض المواقع القريبة منها. وفي هذه المواقع عثر على بقايا فخار ينتمي من حيث طرازه وطريقة حرقه وألوانه وزخرفته إلى المرحلة الحضارية التي عرفت باسم ثقافة "العُبَيْد" "نسبةً إلى موقع العبيد قرب الطرف الجنوبي للعراق" التي عرفتها منطقة وادي الرافدين حوالي ٤٠٠٠-٣٥٠٠ق. م١٤. وهذه المجموعة، بوصفها هذا، تعتبر مؤشرا آخر "إلى جانب ما رأيناه في مجال النحت" إلى الصلة الحضارية الوثيقة، تأثرا أو تأثيرا، مع هذه المرحلة الحضارية المبكرة في وادي الرافدين. وهذا بدوره معناه صلة من نوع ما قد تكون صلة تجارية أو هجرة بشرية مثلا. أما الثانية فقد وجدت في موقع "تاج" "غربي الجبيل نحو الداخل" وفي جزيرة تاروت وهي أوعية فخارية
_________________
(١) ١٤ راجع لوحتي ١٣أ-ب.
[ ١٤١ ]
يونانية الطراز ترجع إلى العصر السلوقي "فترة ما بعد الإسكندر، القرون الثلاثة الأخيرة ق. م" وتشير إلى ما تركته الفترة التي سيطر فيها السلوقيون على هذه المنطقة من تأثير حضاري يوناني١٥.
وأعرض الآن بشكل سريع إلى نوع آخر من الآثار كثيرًا ما ألقى الضوء على عدد من جوانب الحياة في مجتمع "أو مجتمعات" شبه الجزيرة العربية في الفترة السابقة للإسلام، وهو العملة. وسأتعرض هنا لثلاث قطع من العملة على سبيل التوضيح؛ والقطعة الأولى عملة سبئية من الفضة ترجع إلى القرن الثالث أو القرن الثاني ق. م. ونحن نجد على وجه هذه القطعة من العملة رأس الآلهة أثينة اليونانية وقد تدلى من أذنها قرط بينما ظهر على خدها حرف النون بالخط السبئي. أما ظهر العملة فقد ظهرت عليه صورة بومة وصورة هلال وغصن زيتون به ورقتان في وسطهما حبة زيتون، ثم الحرفان الأولان من أثينا "الألف والثاء" مكتوبان بالخط اليوناني.
ونحن نستطيع أن نبدأ استنتاجنا للحقائق التي تقدمها هذه القطعة من العملة من مجرد وجود عملة سبئية في تلك الفترة، إذ معنى ذلك أن العلاقات التجارية للمنطقة مع الخارج كانت قد بلغت مرحلة متطورة من النشاط والكثافة أصبح معها استخدام العملة بدلا من المقايضة أمرا واردا إن لم يكن في الواقع أمرا محتوما. كذلك نجد المواصفات العامة لهذه القطعة من العملة تحاكي مواصفات العملة الأثينية التي كانت قد بلغت ذروتها مع ذروة النشاط التجاري لمدينة أو دولة أثينا ابتداء من فترة التوسع الإمبراطوري لهذه الدويلة في غضون النصف الأول من القرن الخامس ق. م. بحيث أصبحت في القرن التالي "الرابع" ق. م. عملة دولية تحتذى في عدد من مواصفاتها. والطراز الأساسي للعملة الأثينية تظهر فيه صورة الآلهة أثينة على وجه العملة بينما يوجد
_________________
(١) ١٥ راجع لوحتي ١٥أ-ب.
[ ١٤٢ ]
على ظهر العملة رسم البومة "التي تبرز في بعض الأساطير اليونانية المتصلة بهذه الآلهة". والهلال وغصن الزيتون ذو الورقتين وفي وسطهما حبة الزيتون "إشارة إلى اعتبار شجرة الزيتون شجرة مباركة في الفولكلور الأثيني" والحروف الأولى من اسم الآلهة١٦. والمحاكاة السبئية للعملة الأثينية تصل في تفصيلها إلى إظهار القرط متدليا من أذن الآلهة وإلى إبراز أوراق الزيتون فوق الشريط أو العصابة التي يتحلى بها شعرها. ومعنى هذه المحاكاة من جانب السبئيين للعملة الأثينية أن المعاملات بين منطقة اليمن وبين الأثينيين كانت قد خطت شوطا ملموسا عند ظهور هذه العملة السبئية "القرن الثالث أو القرن الثاني ق. م" إما بالطريق البرية من اليمن إلى الموانئ السورية حيث كان النشاط التجاري الأثيني على أكثفه في القسم الشرقي للبحر المتوسط قبل القرن الثالث ق. م. وإما عن طريق البحر الأحمر ابتداء من هذا القرن حيث بدأ التجار اليونان "ومن بينهم الأثينيون" يصلون إلى الموانئ اليمنية.
أما ظهور حرف النون بالخط السبئي على خد الآلهة أثينة فأفترض أنه الحرف الأول من اسم الملك الحاكم في سبأ وقت سك هذه القطعة من العملة. ونحن نجد في الواقع ملكينِ سبئيينِ يبدأ اسم كل منهما بهذا الحرف، أحدهما هو نشاكرب "يهنعم بن ذمر علي ذرح" الذي حكم حوالي عام ٢٥٠ ق. م "أي في أواسط القرن الثالث ق. م" والثاني هو نصرم "يهنعم" الذي حكم في حدود عام ٢٠٠ ق. م. "أي في أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الثاني ق. م." وأود أن أزيد هنا إلى أن ظهور حرف النون السبئية على خد الآلهة الأثينية يشير إلى نوع من التطور النقدي عند السبئيين، فالعملة الأثينية "بعد أن أصبحت عملة دولية في القرن الرابع ق. م. على نحو ما أسلفت" كانت تستخدم أو تسك كما هي في عدد من البلاد دون إضافة أو تغيير في محتوى النقوش الموجودة
_________________
(١) ١٦ راجع لوحتي ١٥ أ - ب في ملحق اللوحات.
[ ١٤٣ ]
على وجهيها، ومن هنا فإن زيادة حرف النون السبئية يشكل تطورا لهذا الوضع، وأفترض في هذا الصدد أن تكون العملة السبئية قد ابتدأت بمحاكاة كاملة للعملة الأثينية في القرن الرابع ق. م. ثم وصلت إلى الرسوخ الذي يعكس ازدهارا اقتصاديا واضحا مكَّن سبأ من أن تزيد في عملتها هذا الملمح الذي يعبر عن تطور محلي١٧.
أما المثال الثاني الذي أعرض له في مجال الحديث عن العملة كمصدر من مصادر تاريخ شبه الجزيرة العربية في العصور السابقة للإسلام فهو قطعة برونزية سبئية كذلك، تظهر على وجهها صورة لرأس رجل وخلفه شكل صغير يبدو كأنه قرص شمس ثم علامة شخصية، أما ظهرها فتظهر عليه صورة رأس رجل "يبدو من ملامحه ومن طريقة تصفيف الشعر أنها للرجل نفسه" وإلى جانبها نقش بالخط السبئي يقرأ: كرب إلى وتر. ونحن نجد في هذه القطعة من العملة تطورا عن العملة السابقة، فالوجه المرسوم لم يعد مجرد تقليد لوجه مرسوم على عملة أجنبية، وإنما أصبح الآن وجها للحاكم ذاته، والنقش الموجود لم يعد محاكاة لخط أجنبي ليس له معنى بالنسبة لسكان أو حتى لتجار المنطقة، وإنما أصبح اسمًا لملك المنطقة متكوبًا بلغة المنطقة وخطها؛ ومن ثم فإن هذه القطعة من العملة لا بد أن يكون تاريخها لاحقا للعملة السابقة. وهذه الحقيقة في حد ذاتها تساعدنا إلى حد ما في التعرف على شخصية الملك الذي تحمل العملة صورته. فنحن نعرف من النقوش التي وصلت إلينا اسم ملكين سبئيين يحملان نفس الاسم: أحدهما كرب إل وتر "بن ذمر علي بين"،
_________________
(١) ١٧ يرد اسما الملكين نشاكرب يهنعم ونصر يهنعم في قائمة فلبي philby للملوك السبئيين التي أوردها جواد علي: ذاته، ج٢، ص٣٥٠. عن العثور على عملة أثينية بكميات وفيرة خارج أثينا "القسم الجنوبي من آسيا الصغرى، وصقلية، وسورية، ومصر" منذ الفترة التالية لأوائل القرن الخامس راجع: C.M Craay and m. hirmer: greek coins، p. ٣٢٤.
[ ١٤٤ ]
وقد حكم في أوائل القرن الرابع ق. م. "حوالي ٣٩٠ ق. م" والآخر كرب إل وتر "يهنعم بن وهب آل يحز" الذي حكم في أواسط القرن الثاني ق. م. "حوالي ١٦٠ ق. م"١٨. وطالما أن قطعة العملة التي نحن بصدد الحديث عنها لا بد،كما رأينا، أن تكون لاحقة في تاريخها لقطعة العملة السابقة التي يرجع تاريخها إلى القرن الثالث أو الثاني ق. م. فيترتب على ذلك أن الملك المقصود هو صاحب الاسم الثاني. وأخيرا فإن قرص الشمس يشير بشكل مرجح إلى عبادة الشمس التي كانت إحدى عبادات ثلاثة منتشرة في المنطقة وهي عبادة الكواكب: الزهرة عشتار والشمس "ذات حمم" والقمر "إلمقه".
ثم أنتقل إلى المثال الثالث، وهو قطعة عملة برونزية من بترا "البتراء" عاصمة الأنباط في القسم الشمالي الغربي من شبه الجزيرة العربية، ونجد على وجه هذه العملة صورة نصفية لأحد الأباطرة الرومان، وهذا يظهر بالاستنتاج من مظهره وملبسه كما يظهر بالتأكيد من النقش اليوناني الذي يحيط بالجزء الأكبر من الصورة وهو: الحاكم المطلق قيصر ترايانوس. أما الوجه الآخر فنجد على محيطه نقشًا كتب باليونانية كذلك وهو: مدينة بترا، بينما تظهر في وسطه صورة إلهة لا بد أنها اللات - مناتو، إلهة هذه المدينة. ونحن نعرف من هذه العملة أنها ترجع إلى وقت حدوده هي ٩٨-١١٧م، وهي فترة حكم الإمبراطور الروماني ترايانوس "تراجان"، ومن ثم فإن إمارة أو مملكة الأنباط التي كان لها كيانها المستقل، قد أصبحت ولاية رومانية إما في خلال حكم هذا الإمبراطور أو قبله. وهنا نجد بالمقارنة مع كتابات الجغرافي اليوناني سترابون، الذي كتب في أواخر القرن الأول ق. م. وأوائل القرن الأول الميلادي، أن إمارة الأنباط كانت قد فقدت استقلالها قبل الفترة التي
_________________
(١) ١٨ راجع: لوحة ١٧. اسم الملكين المذكورين يردان في قائمة فلبي، راجع الحاشية السابقة "١٧".
[ ١٤٥ ]
كتب فيها أو على الأقل في أثنائها، فهو يشير في حديثه إلى تبعية بلاد الأنباط لروما في "الوقت الحالي" مشيرا إلى الوقت الذي كان يكتب فيه. ولكنا نعرف من الكاتب الروماني بلينيوس plinius "الذي عاش وكتب بعد سترابون" أن هذه البلاد كانت لا تزال مستقلة في وقته "٢٤/٢٣-٧٩م".
وفي الواقع فإن إمارة الأنباط لم تصبح ولاية رومانية إلا منذ عام ١٠٥م حين ضمها تراجان إلى الإمبراطورية الرومانية، وبعد ذلك التاريخ أصبحت تعرف باسم "ولاية العربية الصخرية" arabia petraea١٩، وفي هذه الحال يصبح حديث سترابون معناه في الحقيقة أن إمارة الأنباط قبل ١٠٥م كانت داخلة في دائرة النفوذ الروماني ولكن دون أن تتحول بشكل رسمي إلى ولاية رومانية. وما دام النقش والصورة الموجودان على قطعة العملة يؤكدان تبعية المنطقة "رسميا" للإمبراطور الروماني، فيكون تاريخ ضرب هذه العملة يقع بين عام ١٠٥م وعام ١١٧م "وهو آخر عهد تراجان" على وجه التحديد، ونستطيع عندئذٍ أن نقول: إن أية صفقة أو معاملة تتصل بها هذه القطعة من العملة تقع ضمن هذه الاثني عشر عامًا الممتدة بين ١٠٥م و١١٧م.
كذلك نستطيع أن نستنتج من هذه العملة شيئا آخر، فاللغة التي كتب بها النقشان الموجودان على وجهيها هي اللغة اليونانية، ومع ذلك فاللغة الرسمية للإمبراطورية الرومانية هي اللغة اللاتينية. وإذن فلا بد من سبب لهذا التناقض
_________________
(١) ١٩ راجع: لوحة ١٨. عن حديث سترابون عن بلاد النبط راجع: strabo: XVI. ٤:٢١؛ عن وضعها في وقت بلينيوس، راجع: plinius: H.n VI،١٤٤، وفي الواقع نحن نستطيع أن نقول: إن دخول بلاد النبط في دائرة نفوذ الإمبراطورية الرومانية يبدأ منذ أن أرسل أغسطس حملة إلى اليمن التي استعان فيها بالوزير النبطي سللايوس ثم وجدت روما من حقها أن تحكم على هذا الوزير بالإعدام حين تردد أنه خدع القائد الروماني في هذه الحملة، راجع عن إعدام سللايوس: strabo: XVI،٤:٢٤. عن ضم إمارة أو مملكة الأنباط إلى روما في ١٠٥م لتصبح ولاية رومانية بصورة رسمية، راجع: m.CARY، a history of rome ط٢ "١٩٦٠، london" ص٦٤٥.
[ ١٤٦ ]
الظاهر. ونحن في الواقع لسنا بحاجة إلى أن نذهب بعيدا في البحث عن هذا السبب فالثقافة اليونانية هي التي كانت تسيطر على هذه المنطقة طوال العصر المتأغرق "الهللنستي" الذي بدأ مع خلفاء الإسكندر في بداية القرن الثالث ق. م، وفي هذا العصر كانت اللغة اليونانية هي لغة المعاملات بشكل أساسي سواء في الثقافة أو الإدارة أو التجارة. وقد استمرت هذه اللغة لغةً للمعاملات حتى بعد أن دخلت المنطقة في دائرة السيطرة الرومانية. ولما كان الرومان واقعيين وعمليين في سياستهم فقد أبقوا على هذه اللغة بشكل رسمي في الولايات الرومانية، وهكذا سكت هذه العملة وقد ظهرت النقوش التي عليها باليونانية وليست باللاتينية.
[ ١٤٧ ]