هذه المنطقة التي اصطلحنا على تسميتها منطقة نشوء الحضارات، مرة أخرى في حدود ما تم اكتشافه حتى الآن من الحضارات القديمة، كانت، كما رأينا، منطقة الحضارات القديمة المؤثرة التي أسهمت في التطور الحضاري المستمر، ونحن نستطيع أن ندرك هذا بشكل واضح إذا ألقينا نظرة مقارنة
[ ٢٣ ]
سريعة على بقية المناطق الموجودة في العالم القديم. ففي المنطقة الواقعة إلى شمالي هذه المنطقة، نجد بقية القارة الأوروبية والجزر البريطانية، وهي منطقة لم تدخل على مسرح التاريخ الحضاري إلا بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية ابتداء من القرن الخامس الميلادي. وحتى بعد ذلك فقد ظلت حتى عصر النهضة في أوائل القرن السادس عشر الميلادي في شبه انغلاق مظلم على نفسها، بينما ظلت الجزر البريطانية في انعزالها الحضاري حتى أوائل العصر الحديث. والسبب في ذلك هو سلسلة الحواجز الجبلية التي تمتد إلى جنوبي هذه المنطقة وتكاد تفصل بينها وبين حوض البحر المتوسط في حاجز يكاد يكون مستمرًا من غربي أوروبا إلى شرقيها والتي تشكل سياجًا طبيعيًّا مانعًا أو شبه مانع، إذا استثنينا بعض الفجوات أو الممرات التي لا تسمح بأكثر من تسرب حضاري ضئيل وبطيء، ومن ثم غير مؤثر في الأحوال العادية. وإذا كان الرومان قد انطلقوا من خلاله في أواخر العصور القديمة إلى غاله "فرنسا الحالية" وإلى بريطانية، فإن انطلاقهم كان في حالة "غاله" لا يشكل إلا حركة تأمين لحدود الإمبراطورية الرومانية ضد القبائل الكلتية المتبربرة الموجودة في هذه المنطقة، ولا يشكل في حالة بريطانية أكثر من فضول استعماري -وفي كلتا الحالين لم يترك أكثر من بعض الآثار اللغوية في المنطقتين. وباستثناء ذلك فقد بقيت المنطقة الأوروبية الواقعة إلى شمالي منطقة نشوء الحضارات طوال العصر القديم مغلقة على نفسها، ومن ثم منعدمة التأثير من الناحية الحضارية.
والشيء ذاته نجده في المنطقة الواقعة إلى جنوبي منطقة نشوء الحضارات والتي يسكنها العنصر الأسود أو الزنجي إلى الجنوب من الصحراء الكبرى التي تمتد عبر القارة الإفريقية من غربها إلى شرقيها. إذ لم تكن هناك طريق لاتصال هذا العنصر بمنطقة نشوء الحضارات إلا نهر النيل والوادي الضيق الذي يحدُّه من الشرق والغرب. ولكن هذه الطريق لم تكن تساعد على أكثر من التسرب البسيط المتقطع لسببين: أولهما أن النيل، كوسيلة للمواصلات، تعترضه
[ ٢٤ ]
من شمالي السودان وحتى الطرف الجنوبي لمصر مجموعة من الجنادل والشلالات التي تقف حاجزًا في سبيل الملاحة النهرية، والثاني هو انحسار الوادي في أقصى جنوب مصر بحيث تكاد الصحراء تلتصق بمجرى النهر مما يحول دون أي نزوح أو اتصال بشري وحضاري على نطاق واسع. وهكذا فإن هذا الجنوب الزنجي، إذا كانت له منجزات حضارية قديمة، فإنها بقيت مغلقة في أرجائه دون أن تجد سبيلها للانتشار وللتأثير في استمرار التطور الحضاري٦.
ونأتي أخيرًا إلى المنطقة المترامية الواقعة إلى الشرق من منطقة نشوء الحضارات والتي يقطن أغلبها الجنس الأصفر أو العنصر المغولي. إن هذه المنطقة لم تظهر فيها الحضارة إلا في وقت متأخر كانت فيه حضارات الشرق الأدنى "وهو جزء من منطقة نشوء الحضارات" قد وصلت إلى درجة كبيرة من التقدم، ففي الصين مثلا، التي كان يعتقد خطأ أنها ذات حضارة بالغة في القدم، نجد أن أول قطعة معدنية تشير إلى استخدام الصينيين للمعادن ترجع إلى القرن الثاني عشر "١٢٠٠" ق. م. أي بعد استخدام المعادن في مصر بنحو ثلاثة آلاف سنة على الأقل، وبعد استخدامها في غربي آسيا بأكثر من ذلك. أما عن الكتابة، فإن أقدم وثيقة مكتوبة باللغة الصينية عثر عليها حتى الآن ترجع إلى القرن الحادي عشر ق. م. أو إلى القرن الذي يسبقه على أكثر تقدير، أي بعد ١٠٠٠ سنة من ظهور الكتابة في منطقة الشرق الأدنى. وفوق هذا فإن قبائل الجنس الأصفر، التي حملتها هجراتها في اتجاهات متعددة بسبب الجفاف والقحط الذي كان دائم الزحف على امتدادات وسط آسيا، حين وصلت عن طريق هذه الهجرات إلى منطقة نشوء الحضارات، كانت الإنجازات الحضارية قد وصلت في هذه المنطقة إلى ذروة نضجها٧.
_________________
(١) ٦ j.b.breasted: ancient times، ahistory of the early world ص١٣٣. ط ٢ "١٩٤٤ boston". ٧ المؤلف ذاته: المرجع ذاته: صفحات ١٣٢ - ١٣٣.
[ ٢٥ ]