٣- شبه جزيرة العرب ضمن منطقة نشوء الحضارات:
أ- حول الدور الحضاري لشبه جزيرة العرب:
وفي وسط منطقة نشوء الحضارات التي رأينا أنها تمتد من حدود الإمبراطورية الفارسية عند مشارف الهند شرقًا إلى حدود الإمبراطورية الرومانية عند شواطئ المحيط الأطلسي غربا، تقع شبه الجزيرة العربية في النصف الجنوبي من القسم الأوسط. وقد بدأ أقدم دور حضاري كبير في منطقة نشوء الحضارات فعلا في القسم الأوسط من المنطقة، ولكنه ابتدأ في النصف الشمالي منها، في مصر ووادي الرافدين وسورية، حيث أخذ هذا الدور يظهر بشكل واضح، بعد فترة تمهيدية طويلة، ابتداء من الألف الرابعة ق. م. أما النصف الجنوبي الذي تشغله شبه جزيرة العرب فقد تأخر دوره الحضاري عن ذلك كثيرا. وفي الواقع فإن أقدم أقسام شبه الجزيرة من حيث الظهور الحضاري الملموس في العصور التاريخية القديمة، وهو القسم الجنوبي الغربي، لا نعرف عنه في مجال الإنجاز الحضاري إلا في فترة تعود إلى القرن الثامن ق. م. أو إلى القرن السابق له على أكبر تقدير١٠. وحقيقة إن المخلفات الأثرية في هذه
_________________
(١) ١٠ عثر في القسم الشمالي من شبه الجزيرة العربية "منطقة الأحساء والقطيف حاليا" على مخلفات حضارية في شكل بقايا فخارية ترجع إلى حضارة عصر العبيد "٤٠٠٠-٣٥٠٠ ق. م". وتشير هذه إلى اتصالات حضارية مع وادي الرافدين حيث اكتشفت بقايا هذه الفترة الحضارية "راجع الباب الرابع الخاص بالآثار والنقوش في هذه الدراسة، وراجع ملحق الخرائط، خريطة رقم ٥" ولكن هذه المخلفات الفخارية، حتى إن دلت على خطوات حضارية ذاتية مبكرة "وليست مجرد تأثر بحضارة وادي الرافدين في عصر العبيد، وهو أمر مرجح حتى الآن" فهو على أي الأحوال لم تستمر لتشكل كيانا حضاريا واضحا، ولم تمثل دورا حضاريا مؤثرا في العصور القديمة.
[ ٣٣ ]
المنطقة تشير إلى تقدم فن المعمار وإلى تنظيم واضح في مجال الأمور الداخلية للبلاد وإلى معرفة بالكتابة والخط المتطور كما تشير إلى نشاط خارجي تجاري وعسكري وسياسي، وكلها أمور تركت بعض التأثيرات الحضارية في الأماكن التي اتصلت بها هذه المنطقة أو امتد إليها نفوذها، إلا أن الأثر الحضاري الكبير، وهو ما يمكن أن نسميه بالدور الحضاري، لم يظهر سواء في القسم الجنوبي الغربي من شبه جزيرة العرب أو في بقية أنحاء شبه الجزيرة إلا بعد ذلك بما يقرب من خمسة عشر قرنا.
لقد بدأ هذا الدور الحضاري المؤثر لشبه جزيرة العرب في القرن السابع الميلادي على أثر ظهور الدعوة الإسلامية وانطلاق الفتوح العربية من شبه الجزيرة وعبر عن نفسه في ثلاثة تيارات متواكبة، تركت أثرها واضحًا على المسار التاريخي والحضاري آنذاك، ولا زال هذا الأثر مستمرا حتى الآن. وتمثل أحد هذه التيارات في نشر الدين الإسلامي وانتشاره بين مجموعات بشرية تمثل كل العناصر تقريبا وتنتشر في مناطق تمتد من المحيط الأطلسي غربا إلى جزر أندونيسية شرقا، وهو دين لا يقتصر على الجانب الروحي وإنما يشمل إلى جانبه طرقًا للتعامل تشكل أسلوبًا للحياة يمارسه في الوقت الحاضر أكثر من ٤٥٠ مليون شخص. والتيار الثاني كان حركة التعريب التي انتهت بأن أصبحت اللغة العربية هي لغة الحياة اليومية والرسمية في المناطق التي تمتد عبرها مناطق تضم ما يقرب من مائة مليون شخص. أما التيار الثالث فهو الحركة العلمية والثقافية النشطة التي قام بها العرب أو شجعوا عليها وهيئوا لها الأجواء
[ ٣٤ ]
المناسبة١١. لقد استوعبت هذه الحركة الحضارات القديمة التي كانت موجودة بالمنطقة المحيطة بشبه الجزيرة في مصر وسورية ووادي الرافدين وبلاد فارس، كما استوعبت الملامح الرئيسية للحضارة اليونانية الرومانية وطورتها في فترة الركود العلمي والثقافي التي عرفتها أوروبا في العصور الوسطى، وأسهمت بذلك في إيقاظ أوروبا في عصر النهضة أو عصر الإحياء الذي أسلمها إلى عصر الحضارة الحديثة، وبذلك تفادت المسيرة العلمية والثقافية خطر الانقطاع الذي كان يمكن أن يحدث، ومن ثم يؤثر على الاستمرار الحضاري، إذا أدخلنا في اعتبارنا أن عصر الظلام والركود الأوروبي في العصور الوسطى أعقبه مباشرة عصر ظلام وركود شرقي استمر عدة قرون على عهد الحكم العثماني.
_________________
(١) ١١ عن التراث العربي في جوانبه المتعددة راجع: "١٩٦٣ oxford" the legacy of islam وهو مجموعة دراسات أشرف على تحريرها توماس آرنولد thomas arnold وألفرد جيوم alfred guillaume.
[ ٣٥ ]