٢- الكتابات العربية في العصر الإسلامي:
أ- صعوبات أمام الاعتماد على هذه الكتابات:
وأنتقل الآن إلى الحديث عن الكتابات العربية التي ظهرت في العصر الإسلامي والتي تناولت، فيما تناولته، ذكر أحوال شبه الجزيرة العربية ومجتمعاتها قبل ظهور الإسلام. وهنا تعترض الباحث عدة صعوبات، وأول هذه الصعوبات هي عدم معاصرة أصحاب هذه الكتابات لما كانوا يكتبون عنه، وعدم المعاصرة هذا يمتد، فيما يخص الحديث عن بعض أخبار العرب وأحوالهم، عبر سبعة عشر قرنًا، فالعرب بدءوا يظهرون على مسرح التاريخ كمجموعة بشرية لها هويتها الجماعية ونظمها وعلاقاتها الخارجية منذ القرن العاشر ق. م. على أقل تقدير. فعلاقات مملكة سبأ بسليمان ملك اليهودية ترجع، كما ترويها التوراة وكما حققها المؤرخون إلى القرن العاشر ق. م. والنصوص الآشورية التي تسجل علاقات الملوك الآشوريين بالعرب يرجع أولها إلى العام السادس من عهد شلمنصر الثالث "٨٥٨-٨٢٤ ق. م" أي إلى أواسط القرن التاسع ق. م. ويبدأ الحديث المفصل عن العرب وشبه جزيرة العرب عند أول الكتاب الكلاسيكيين "اليونان والرومان" في أواسط القرن الخامس ق. م. هذا بينما يبدأ أول تدوين لأخبار العرب السابقين للإسلام على عهد معاوية بن أبي سفيان في أواسط القرن الأول الهجري أي: في أواخر القرن السابع الميلادي٣٤. ومثل هذه المسافة الزمنية الطويلة بين وقوع الأحداث وتدوينها أمر يضعف بالضرورة من قيمة هذه الكتابات، وبخاصة
_________________
(١) ٣٤ راجع عن ظهور العرب في المصادر الآشورية، الباب الرابع من هذه الدراسة، عن ظهورهم في التوراة الباب الخامس، عن بداية ظهورهم في المصادر الكلاسيكية القسم الأول من هذا الباب. أول تدوين في العصر الإسلامي عن أخبار الجزيرة في عصر ما قبل الإسلام هو عند عبيد بن شرية، فقد ذكر ابن النديم، الفهرست، ص ٨٩: أن معاوية أمر عبيد بن شرية أن يدون أخبار العرب والعجم. وقد توفي معاوية في ٦٠هـ.
[ ٢٢٩ ]
إذا أضفنا إلى ذلك أن كتاب العرب في العصر الإسلامي لم يقتصروا على التأريخ للعرب منذ ظهورهم على مسرح الأحداث التاريخية كقوم لهم هويتهم الخاصة في القرن العاشر ق. م. بل تخطوا ذلك إيغالًا في الماضي ليتحدثوا عن العرب منذ عهد سام بن نوح الذي ذكروا أن العرب ينتسبون إليه، أي: إنهم دفعوا بالحديث في أغوار الماضي إلى عهود أقل ما توصف به أن من يتناولها لا يعرف في الحقيقة شيئا عنها. وهذه المحاولة من جانب كتاب العصر الإسلامي لا تنحصر في كاتب أو كاتبين، بل نجدها عندهم جميعًا، ابتداء من عبيد بن شرية في أواسط القرن الأول الهجري "أواخر القرن السابع الميلادي" إلى ابن خلدون الذي توفي في أوائل القرن التاسع الهجري "أوائل القرن الخامس عشر الميلادي".
وفي الواقع فإن هذا الكاتب الأخير، الذي اشتهر بمذهبه النقدي، يبدي شيئًا من التردد في قبول هذا الاتجاه عند المؤرخين الإسلاميين، وبخاصة فيما يتعلق بتتبع أنساب العرب من جيل إلى الجيل الذي يسبقه، توصلًا في النهاية إلى بدايات ضاربة في أعماق الماضي، لتشككه في إمكان التوصل في معرفة الأنساب القديمة، كما يبدي تشككه كذلك في صحة الأخبار المتعلقة بالعصور العربية الأولى كما رواها من سبقه من الكتاب. ولكنه رغم ذلك يلخص كل ما ورد من هذه الأخبار القديمة ويحاول أن يرجح بعضها على بعض، كما يقدم لنا تنسيبًا مفصَّلًا للعرب يرتفع بأحد شقيهم إلى قحطان ويرتفع بالآخر إلى عدنان٣٥. وهكذا لا يستطيع ابن خلدون، رغم مذهبه النقدي، أن يتخلص من وطأة الاتجاه الذي تصدى له فتنغمر ملاحظاته، حسب تعبير باحث معاصر "وسط سيل الأخبار المتضاربة، ويظهر تأريخه
_________________
(١) ٣٥ ابن خلدون: العبر وديوان المبتدأ والخبر، القاهرة، ١٩٦٥، ج٢، عن تشككه في الأنساب صفحات ٣-٤، عن تشككه في الروايات القديمة ص٨، عن أنساب العرب عنده رغم ذلك ص٤٩، وص٣٠٤.
[ ٢٣٠ ]
لهذه الأجيال من العرب وكأنه تاريخ تقليدي لا يختلف كثيرا عن تواريخ سابقيه"٣٦.
والملاحظة العامة الثانية على الكتابات العربية التي ظهرت في العصر الإسلامي فيما يتعلق بتاريخ شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام، تخص مسألة المصادر التي اعتمدوا عليها، أو كان من المفترض أن يعتمدوا عليها طالما أنهم لم يعاصروا الفترة التي يكتبون عنها. وأذكر هذا وفي ذهني ما عمد إليه بعض الكتاب الكلاسيكيين الذين كتبوا عن أحوال شبه الجزيرة في أوقات سابقة لزمنهم فحرصوا على أن يذكروا مصادرهم من الكتاب السابقين الذين كانوا معاصرين لما كتبوا عنه، كما هو الحال عند سترابون الجغرافي اليوناني الذي حرص حرصا كاملا على أن يذكر لنا كلما تطرق إلى فترة سابقة لعصره أن يرد ما ذكره إلى إراتوستنيس أو أريستوبولوس أو أرتميدوروس أو غيرهم ممن عاصروا ما كتبوا عنه بل عاينوه على الطبيعة في أغلب الأحوال إن لم يكن في كل الأحوال٣٧. أما فيما يخص مسألة المصادر عند كتاب العصر الإسلامي فهم إما لا يذكرونها على الإطلاق وهو الأمر السائد في كتاباتهم، أو أنهم يذكرون بعض المصادر الفارسية أو البيزنطية، ولكن في مجال الحديث عن ملوك الفرس والبيزنطيين وليس عن أحوال شبه الجزيرة، كما فعل حمزة الأصفهاني الذي دون تأريخه في أواسط القرن الرابع الهجري "العاشر الميلادي"، أو أن يتخذوا مصدرا لهم الأخباريين الأول مثل عبيد بن شرية أو ابن الكلبي من كتاب صدر الإسلام وهؤلاء لم يعاصروا ما كتبوا عنه٣٨.
_________________
(١) ٣٦ سعد زغلول عبد الحميد: في تاريخ العرب قبل الإسلام، بيروت، ١٩٧٥، ص٥٩. ٣٧ راجع القسم الأول من هذا الباب. ٣٨ كان حمزة الأصفهاني إيرانيًّا ومن ثم على دراية باللغة الفارسية، كما كان يلجأ إلى من يترجم له الكتب البيزنطية "المكتوبة باللغة اليونانية الوسطى". عن حرصه على الرجوع إلى هذه المراجع "وإن كان فيما يخص تاريخ الفرس والبيزنطيين" راجع، سعد زغلول عبد الحميد: المرجع ذاته، صفحات ٤٧-٤٨. رجوع المؤرخين الإسلاميين إلى الأخباريين الأول كمصدر، نجده، على سبيل المثال، عند الطبري: تاريخ الرسل والملوك، القاهرة، ١٩٦٠، وعند المسعودي: مروج الذهب ومعادن الجوهر، القاهرة، ١٩٨٥.
[ ٢٣١ ]
وفي هذا الصدد يجب أن نتوقف عند اثنين من أصحاب الكتابات العربية ذكروا لنا شيئا عن مصادر كتاباتهم، وأول هذين هو وهب بن منبه "توفي في ١١٠هـ-٧٢٨م" وهو يهودي الأصل ومن ثم فربما كان على علم بالمصادر العبرانية المعاصرة لأحوال وأحداث شبه الجزيرة في الفترة السابقة للإسلام، وهو أمر يجعلنا نتوقف قليلا عند هذه الحقيقة، ولكنا لا نلبث أن نتردد في قبول ما يذكره لنا من أخبار العرب القدامى حين نجده يقول: "قرأت ثلاثة وتسعين كتابا مما أنزل الله على الأنبياء"٣٩. وهو تقرير غير صادق بالضرورة ومن ثم يصح الاعتماد على الأخبار المبنية عليه أمرا غير وارد. أما الكاتب الثاني فهو الهمداني "توفي بعد ٣٤٠هـ-٩٥١م" صاحب كتاب الإكليل، الذي يبدو من بعض ما ورد في كتابه أنه كان على معرفته بالخط المسند ومن ثم كان بمقدوره، افتراضا أن يقرأ النقوش الموجودة على الآثار القائمة باليمن على عصره، وهو يورد فعلا بعض هذه النقوش في لغة عربية فصيحة مسجوعة. ولنا بشكل مبدئي، أن نأخذ ما يورده على أنه الترجمة العربية الفصيحة للنص المكتوب باللغة أو اللهجة الحميرية أو المعينية الجنوبية، ولكن اعتمادنا على مصادره يبدأ في الاهتزاز عندما يذكر لنا عن أحد القصور، وهو قصر شحرار، "وفي بعض مساندها هذان البيتان بحرف المسند:
شحرار قصر العلا المنيف أسه تبع ينوف
يسكنه القيل ذي معاهر تخر قدامه الأنوف٤٠
_________________
(١) ٣٩ وهب بن منبه: كتاب التيجان في ملوك حمير، حيدرآباد الدكن، ١٣٤٧هـ، ص٢. ٤٠ الهمداني، كتاب الإكليل، ج٨، ط برنستن ١٩٤٠. النقش الذي يورده في لغة عربية مسجوعة ص٤٢. النقش الذي يورده شعرًا في ص ٥٣.
[ ٢٣٢ ]
وسبب ترددنا في الثقة بمصادره هو أن أعدادًا كبيرة من النصوص العربية الجنوبية تزيد على أربعة آلاف نص قسم قد تم العثور عليها وقراءتها حتى الآن، ولكن ليس بينها نص واحد مكتوب باللغة العربية الفصيحة وليس بينها نص واحد مكتوب بالشعر. وحقيقة إن اللغة العربية الشمالية ربما كانت معروفة في الجنوب في الفترة الجاهلية القريبة من ظهور الإسلام كلغة عامة في المعاملات التجارية والمباريات الشعرية التي يشترك فيها أشخاص من مختلف أنحاء شبه الجزيرة إلى أشخاص اللغات أو اللهجات المحلية٤١، ولكن ليس هناك ما يدعو إلى استخدام هذه اللغة العامة في كتابة نقش رسمى محلي مثل النص الذي نتحدث عنه. ويبقى أمامنا في هذا الصدد الافتراضات: فإما ألا يكون الهمداني على معرفة بالخط المسند وأنه كان يعرف هذه النقوش مما يسمعه عنها فحسب، أو أنه كان يعرف الخط المسند ثم يتصرف في ترجمته تصرفا يجعله يصوغ هذه الترجمة نثرا مسجوعا أو شعرا في بعض الأحيان، بما يستتبعه هذا بالضرورة من الابتعاد، بنسب متفاوتة، عن المضمون الأساسي للنص، ومن ثم يضعف من قيمته كمصدر تاريخي.
وفي الواقع فإن القارئ لأخبار العرب الجاهليين في كتابات العصر الإسلامي، وبخاصة الأخبار التي تروي أحداثًا أو مواقفَ تسبق ظهور الإسلام بفترة طويلة، لا بد أن يسترعي انتباهه أسلوب القصص الشعبي الذي يسود هذه الكتابات، وهو أسلوب يصل إلى نغمة الحديث الأسطوري كلما أوغل هؤلاء الكتاب في الحديث عن الماضي حتى وصلوا إلى آدم -﵇- أبي الإنسانية. وهذا الأسلوب القصصي يعترف به ضمنًا عبيد بن شرية، أول الأخباريين العرب، في روايته عن أخباره التي كان يسامر بها معاوية بن أبي سفيان كل ليلة، إذ يبدو أن الصفة الأساسية لهذه الأخبار هي أن تكون
_________________
(١) ٤١ راجع الباب السابع الخاص بالشعر الجاهلي "كمصدر لتاريخ شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام" في هذه الدراسة.
[ ٢٣٣ ]
"عجيبة" كما نجد الخليفة يطلب إلى سميره أن يدعمها بأشعار، فيجيبه عبيد إلى طلبه بأشعار يضعها على لسان عاد أو ثمود أوغيرهما من القبائل العربية البائدة بلسان عربي فصيح، وهو أمر لا يمكننا أن نقبله أو نعتمد عليه، فقوم عاد لم تصلنا أية آثار أدبية عنهم شعرا ونثرا، وثمود وصلتنا نقوش كثيرة بلهجتهم، أو بالأحرى بلهجاتهم المختلفة، وكلها لهجات غير اللغة العربية الفصيحة٤٢.
ويبدو أن هذا الأسلوب الذي يميل إلى صفة القصص الشعبي في رواية أخبار العرب في العصر السابق للإسلام "وفي الواقع أخبار غير العرب كذلك" قد بدأ يشعر به كتاب الفترة المتأخرة "زمنيًّا" في العصر الإسلامي "رغم أنهم لم يتجنبوه". فالطبري مثلا يبدي هذا الشعور "فما يكن في كتابي هذا من خير ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه، أو لا يستسيغه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجها في الصحة، ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قِبَلنا، وإنما أتى من قبل بعض ناقليه إلينا،
_________________
(١) ٤٢ عن طبيعة السمر التي اتخذتها هذه الأخبار راجع عبيد بن شرية: أخبار اليمن وأشعارها وأنسابها "ملحق لكتاب التيجان في ملوك حمير لوهب بن منبه" ص٣١٢: "فإذا كان معاوية في وقت السمر فهو عبيد بن شرية سميره في خاصته من أهل بيته، وكان يقص عليه ليله ويذهب عنه همومه، وأنساه كل سمير كان قبله، ولم يخطر على قلبه شيء إلا وجد عنده شيئا وفرحا ومرحا" كذلك ص ٣١٥ حيث نجد معاوية يقول له: "عزمت عليك إلا حدثتني عما أسألك عنه". قارن المسعودي: ذاته، ج٣، ص٤٠، حيث يذكر أن عبيد بن شرية كان يُسمع معاوية كل ليلة شيئًا من أخبار العرب وأيامها وأخبار العجم وملوكها وسياستها لرعيتها. عن صفة الغرابة أو العجب التي كان تجذب الخليفة إلى هذه الأخبار وعن طلبه تدعيمها بالشعر، راجع عبيد بن شرية: ذاته، ص٢ و٣، حيث يقول معاوية لعبيد: وأبيك، لقد أتيت وذكرت عجبًا من حديثك عن عاد، وقد علمت أن الشعر ديوان العرب والدليل على أحاديثها وأفعالها، والحكم بينهم في الجاهلية، وقد سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "إن من الشعر لحكمًا".
[ ٢٣٤ ]
وأنا إنما أدينا ذلك على نحو ما أُدِّي إلينا"٤٣. أما ابن خلدون فيعلن صراحة عن هذه الكتابات أن أصحابها "نحوا فيها منحى القصَّاص، وجروا على أساليبهم، ولم يلتزموا فيها الصحة ولا ضمنوا لنا الوثوق بها، فلا ينبغي التعوُّل عليها، وتترك وشأنها"٤٤.
وتأسيسًا على ذلك أصل إلى رأي مؤداه: أن الكتابات العربية التي ظهرت في العصر الإسلامي بقدر ما تعتبر المصدر الأول والأساسي فيما يتعلق بالعصر الإسلامي ذاته، وهو الذي يمثل الفترة المعاصرة التي عايشها أصحاب هذه الكتابات، بقدر ما تفقد، في عمومها القيمة التاريخية اللازمة للاعتماد عليها كمصدر من مصادر التعرف على أحوال شبه الجزيرة في العصور السابقة للإسلام؛ وذلك لسببين: الأول هو معالجة الكتابة عن هذه الفترة بأسلوب الأساطير أو بأسلوب القصص الشعبي الذي لا يدخل في نطاق الكتابة العلمية.
_________________
(١) ٤٣ الطبري: كتاب الرسل والملوك "دار المعارف، القاهرة، ١٩٦٠"، ج١، ص٨. ٤٤ ابن خلدون: المرجع ذاته، ج٢، ص٨.
[ ٢٣٥ ]