الباب الثامن: الوضع الاقتصادي
الوضع الاقتصادي في شبه جزيرة العرب في العصور السابقة لظهور الإسلام تبرز فيه ظاهرة واضحة هي تنوع الموارد. وهذه الظاهرة جاءت نتيجة لعاملين: الأول هو تنوع طبيعة الأرض والمناخ التي انعكست في تدرج تظهر فيه المناطق الصحراوية التي لا تصلح إلا للرعي المتنقل حيث تصل الطبيعة إلى أقساها سواء في قلة الخصوبة أو في ندرة المطر ويصبح بقاء أهل البادية في منطقة معينة لموسم معين رهن بظهور بعض العشب من حين لآخر، وتظهر فيه مناطق أخرى أقل قسوة في طبيعتها من هذه، فيكثر العشب لفترات طويلة نسبيا ومن ثم يقترب أهل البادية من الرعاة إلى صفة الإقامة الثابتة في المناطق التي توجد فيها مراعيهم، مثل المناطق التي توجد على حافة الهلال الخصيب مجاورة لوادي الرافدين من جهة وللمنطقة السورية من جهة أخرى. كذلك تظهر في هذا التدرج الطبيعي بعض الواحات أو مجموعات الواحات التي يوجد فيها عدد من العيون أو الينابيع التي تُمَكِّن من قدر لا بأس به من الزراعة، مثل بعض الواحات الموجودة في نجد أو الحجاز أو القسم الشمالي الغربي لشبه الجزيرة، كما تظهر أخيرا المناطق التي تحظى بتربة خصبة وتغزر فيها الأمطار الموسمية مثل القسم الجنوبي الغربي لشبه الجزيرة حيث تجود
[ ٢٨٩ ]
الزراعة في أكثر من موسم وتوجد الغابات الطبيعية أو المزروعة من أشجار الطيوب والبخور في منطقة اليمن. ثم كان هناك، إلى جانب هذا التدرج النباتي، بعض المعادن التي وجدت في مناطق متفرقة في أرض شبه الجزيرة.
أما العامل الثاني الذي أضاف إلى هذا التنوع في الموارد فهو الموقع الجغرافي الذي تحتله شبه جزيرة العرب برًّا وبحرًا بين مناطق الشرقين الأوسط والأقصى في الشرق من جهة، وبين المناطق المطلة على البحر المتوسط في الغرب من جهة أخرى. وهكذا كانت المعبر الطبيعي، وفي بعض الأحيان المنطلق الطبيعي، لقوافل التجارة البرية والبحرية بين المنطقتين. وقد زاد من قيمة المورد التجاري الناتج عن هذا الوضع البري والبحري الوسيط، عنصر تاريخي يتصل ببعض الأوضاع التي كانت سائدة في العصر القديم. ففي ذلك العصر كانت الطيوب والبخور تشكل سلعة أساسية لا غنى عنها في الحياة اليومية سواء في التزيين أو في الطقوس والشعائر الدينية في المنزل والمعبد والصفقات التجارية والاجتماعية السياسية والمباريات الرياضية واحتفالات الزواج والمراسم الجنائزية، وفي الواقع كل ما يقدم عليه الأفراد أو المجتمع من ممارسات. وقد كانت شبه جزيرة العرب إما منتجة لهذه الطيوب وإما وسيطًا تجاريًّا يستوردها، هي وغيرها من السلع، من جهة ليصدرها إلى الجهة الأخرى.
[ ٢٩٠ ]