كان القرآن الكريم، إذن، هو المصدر الديني الأول لتاريخ العرب قبل الإسلام؛ لأنه لا يرقى إليه الشك، ولأنه، كما أسلفت الإشارة في بداية هذا الحديث، معاصر لمجتمع شبه الجزيرة العربية في نهاية العصر الجاهلي، ثم لأنه لم يتعرض لأي تحريف أو تبديل. وإذا كان القرآن الكريم هو المصدر الديني الأول، فإن المصدر الديني الإسلامي الذي يليه هو الحديث، وهو الأقوال المروية عن الرسول -ﷺ- وأهمية الحديث كمصدر تاريخي للمجتمع العربي قبل الإسلام تنسحب بالضرورة إلى المرحلة الأخيرة من المراحل التي مر بها هذا المجتمع، وهي المرحلة التي عاصرت ظهور الدعوة الإسلامية، ومن ثم يصبح الحديث مطابقا لها من الناحية الزمنية. كذلك فإن الحديث رغم اهتمامه بالأحكام الدينية وقوانين المجتمع الإسلامي في المقام الأول إلا أنه
[ ١٧٩ ]
تضمن، إلى جانب هذه الأحكام والقوانين، قدرًا من أخبار الجاهليين. كذلك فنحن نستطيع أن نستنتج بشكل مباشر أو غير مباشر بعض ممارسات المجتمع الجاهلي من خلال التعاليم التي تتضمنها هذه الأحاديث النبوية.
وعلى سبيل المثال فقد جاء في أحد الأحاديث: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا"، قيل: يا رسول الله، أنصره مظلومًا فكيف أنصره ظالمًا؟ قال: "بأن تنهاه عن ظلمه" والحديث في محاولة لتغيير مفاهيم المجتمع الجاهلي، يشير إشارة مباشرة إلى العصبية العشائرية أو القبلية التي كانت تحكم هذا المجتمع والتي نراها في كثير مما وصلنا من أشعار الجاهليين. وعلى سبيل مثال آخر فقد جاء في أحد الأحاديث: "إخوانكم خولكم، فأطعموهم مما طعمتم وألبسوهم مما لبستم" وفي الحديث حض صريح لحسن معاملة الخدم، الذين كانوا في أغلب الأحوال عبيدا. ونحن نستطيع أن نستنتج منه سوء معاملة هذه الطبقة ومن ثم نعرف شيئا عن العلاقات الطبقية في المجتمع الجاهلي القريب من الإسلام، وهي علاقات يذكرها القرآن الكريم، فيما يخص طبقة العبيد، في أكثر من آية ويشير إلى ما كانت تتسم به من قسوة وتسلط٢٤.
على أن هناك عدة اعتبارت ينبغي أن ندخلها في حسابنا ونحن نعتمد على الحديث كمصدر لتاريخ المجتمع العربي في الفترة السابقة للإسلام، وأول هذه الاعتبارات يتعلق بطريقة انتقاله إلينا، فالحديث ظل ينتقل بالرواية الشفوية على امتداد قرنين كاملين حتى جمع ودون على عهد عمر بن عبد العزيز في أواخر القرن الثاني الهجري، وهو أمر قد يؤدي إلى شيء من الزيادة أو
_________________
(١) ٢٤ عن شعر الجاهلية في مجال العصبية القبلية والعشائرية، على سبيل المثال، دريد بن الصمة "توفي حوالي ٦٣٠م": وما أنا إلا من غزية إن غوت غويت وأن ترشد غزية أرشد كذلك عمرو بن كلثوم "القرن السادس م" في المعلقة: ونشرب إن وردنا الماء صفوًا ويشرب غيرنا كدرًا وطينَا عن سوء معاملة العبيد في العصر الجاهلي كما يصورها القرآن الكريم، البقرة: ١٧٧، النساء: ٣٦، التوبة: ٦٠.
[ ١٨٠ ]
النقصان في هذه الأحاديث أو إلى التغيير في بعض ألفاظها مما قد يستتبع تغييرًا في المعنى المحدد المقصود منها، وهذا على عكس ما حدث في حالة القرآن الكريم الذي كانت آياته وسوره، كما رأينا في مناسبة سابقة، تسجل عند نزولها مما لا يدفع مجالا لأي تغيير فيها، وحتى إذا كان رواة الحديث ثقاتٍ فإن هذا وحده لا يكفي، فالحديث ليس رواية فحسب ولكنه، حسبما يؤكد المتخصصون فيه، "رواية ودراية"، أي أن الذي يروي الحديث لا يكفي أن يكون صادقا وحريصا في روايته فحسب، بل ينبغي كذلك أن يكون على علم بالأحاديث المروية سواء فيما يخص معناها أو ألفاظها أو الملابسات التي قيلت فيها والغرض المقصود منها يوم قولها، فالحديث قد يكون صحيحا وثابتا وقاله الرسول -ﷺ- فعلا، ولكنه منسوخ، أي أبطل العمل به في عهد الرسول نفسه٢٥. وحتى لو افترضنا أن بعض الأحاديث قد دونت فعلا قبل عهد عمر بن عبد العزيز، وهو أمر وارد إذا أدخلنا في اعتبارنا أن المجتمع الإسلامي الأول كان على معرفة بالكتابة وأدواتها، مهما ضاق نطاق هذه المعرفة، فإن هذا لا يغير من الأمر شيئا فيما يخص الدراية بالأحاديث عامة وفيما يتعلق بالأحاديث المنسوخة بوجه خاص. كذلك يجب أن ندخل في اعتبارنا أن الفترة التي سبقت جمع الحديث وتدوينه، وهي التي تمتد عبر القرنين الأول والثاني للهجرة، كانت فترة مشحونة بالتيارات والنزاعات السياسية التي قد تتداخل أحيانا مع اعتبارات دينية، ومن ثم يصبح نحل بعض الأحاديث من قبل فئة أو أخرى أمرا واردا في سبيل تبرير موقف أو دحض موقف مضاد٢٦.
وقد كان هذا دون شك هو الذي أدى إلى شيء من الاختلاف بدرجات
_________________
(١) ٢٥ قواعد التحديث لجمال الدين القاسمي "دمشق ١٣٥٣هـ" صفحات ٥١-٥٣؛ مصطلح الحديث لعبد الغني محمود "مصر، ط٢، ١٣٣١هـ -١٩١٣م" صفحات ٢-٥، مقتبس في، عمر فروخ: تاريخ الجاهلية، بيروت ١٩٦٤، ص٩ وحاشية ١. ٢٦ السيد عبد العزيز سالم: تاريخ العرب في العصر الجاهلي، بيروت، ١٩٧٠، ص٢٠.
[ ١٨١ ]
متفاوتة سواء في عدد الأحاديث أو ألفاظها في عدد من مجموعات الحديث التي نذكر من بينها: الموطأ للإمام مالك "توفي ١٧٩هـ" وجامع الصحيح للبخاري "ت٢٥٧هـ" وصحيح مسلم "ت٢٦٢هـ" وسنن أبي داود "ت٢٧٥هـ" وسنن الترمذي "ت٢٧٩هـ" ومسند الإمام أحمد بن حنبل "ت قبل ٣٠٣هـ". هذا التفاوت يدفع الباحث في الواقع إلى قدر كبير من الحرص وهو بصدد الاعتماد على الحديث كمصدر تاريخي لمجتمع شبه الجزيرة قبل الإسلام ومن هنا فلعل خير سبيل نعتمده في هذا المجال هو ما ذهب إليه مفكر عربي معاصر من أننا نستطيع الاعتماد على الحديث "إذا كان موافقا لما ورد في القرآن الكريم"٢٧.
_________________
(١) ٢٧ عمر فروخ: ذاته، ص ١٦.
[ ١٨٢ ]