تلك هي حال الذميين أما العناصر الإسلامية الجديدة التي دخلت الجزيرة فاتحة أو مهاجرة، أو منفية، أو لاجئة، فكانت خليطًا ضخمًا من جنسيات عدة منها ما ينسب إلى أصول بلدية كالشامي والسوسعي والباغاني، ومنها ما ينسب إلى اصول قبلية كالكلبي والقيسي والكتامي واللواتي، ومنها ما ينسب إلى الحرفة كالوثائقي والغضائري والخراز. وكانت بلرم تعكس صورة هائلة من هذا الخليط المتموج المتحرك، منذ أول عهدها بالفتح العربي. وقبل ابن حوقل بمائة عام تقريبًا وصفها الراهب ثيودوسيوس بقوله: " حافلة بالناس من أهلها والغرباء حتى كأنه قد اجتمع فيها كل المسلمين من شرق إلى غرب ومن شمال إلى جنوب، وبين أهلها من صقليين وإغريق ولمباردين ويهود ترى العرب والبربر والفرس والتتار والزنوج، بعضهم يرتدي العباءة والعمامة، وبعضهم يلبس الجلود وفيهم أنصاف عراة وثمة وجوه مستطيلة أو مربعة أو مستديرة من كل سحنة وهيئة، ولحى من كل لون طويلة أو قصيرة " (١) .
وقد أضاف ابن حوقل إلى هؤلاء ذكر الصقالية وكان لهم في بلرم حارة مستقلة، اما اليهود فكانوا مستقلين أيضًا بحارتهم، وربما كان المركز التجاري
_________________
(١) Amari: S. D. M. vol.٢.p.٤٩
[ ٦٤ ]
للجزيرة يهيئ لهم مقامًا نافعًا. ونسمع عن صلات كانت لهم بيهود المشرق وخاصة في فلسطين. وهناك رسالة بعث بها يوشع روش يشيبا إلى المجامع القاطنة في المدن الصقلية يطلب فيها مساعدات مالية من يهود صقلية، وقرئت الرسالة في معابد الجزيرة ووعد المصلون بالدفع، ولكن قبل إن يتمكنوا من جمع شيء وقع اليهود تحت طلبات جديدة بهظتهم بها الحكومة وأعجزتهم عن الاكتتاب في سبيل إخوانهم، واضطر بعضهم إلى الهرب من صقلية، وأبى شيوخ الجماعة (ولعلهم شيوخ بلرم) أن يردوا على رسالة يوشع دون أن يرفقوا إجابتهم بشيء من المال. وربما كانت هذه الرسالة في زمان الخليفة الحاكم (١) . وظل اليهود بصقلية في العصر النورماني ولما زار بنيامين التطيلي صقلية (١١٦٩م) في أيام غليالم الثاني وجد في مسينة مائتي يهودي وفي بلرم ألفا وخمسمائة (٢) . وربما كان لبعض هؤلاء اليهود نشاط علمي إلى جانب نشاطهم المالي.
وتدل أسماء الأعلام والأماكن الصقلية على الأجناس والقبائل التي كانت تملأ الجزيرة، وهي تثبت أن صقلية اكتظت بأناس من جميع الشعوب الساكنة في الإمبراطورية الإسلامية ومن هؤلاء عرب عدنانيون وقحطانيون، ومن القحطانيين وهم الأكثرية الغالبة من الجنس العربي همدانيون وكلبيون، وجاء الفتح إلى صقلية بالخراسانيين وغيرهم من الفرس، ودخلوها من إفريقية في القرن الثامن، وربما كان ركمويه زعيم السفهاء في إحدى الفتن فارسي الأصل، كما أن بني الطبري من أعيان بلرم تشير نسبتهم إلى طبرستان، وتدل عين السندي وبلهرا على مهاجرين من أصل هندي، وهذه السماء والمنازل تعين النواحي التي نزلها المسلمون وخاصة بلرم والشاطئ الممتد منها إلى طرابنش.
ودخل الجزيرة جماعات كثيرة من البربر سكنوا النواحي الشمالية من ولاية
_________________
(١) Mann: the Jews in Egypt and palestine under the fatimids، vol.i.pp. .٧٣ - ٧
(٢) The travels of rabbi Benjamin of Tudela in early travels in Palestine، ed. Wright، p.١٢٤
[ ٦٥ ]
مازر، وكانت جرجنت عاصمة للجماعات البربرية، وأسماء الأماكن الواقعة بين مازر ولقاطة تدل على القبائل البربرية فهناك اندراني، وقرقود ومزيزينو وحجر الزناتي ومليلي وكلها أسماء أماكن تشير إلى القبائل البربرية، إنداره ومزيزة وزناته، ومليلة، وفي أيام الفاطميين امتازت كتامة ودخلت مع خليل ابن إسحاق إلى صقلية، وغير هذه القبائل قبائل بربرية أخرى كثيرة.
وكانت هذه العناصر تتحرك بالفتن فيما بينها حتى انصبغت الثورات أيام الأغالبة بمظهرين: ثورات بين شيوخ المدينة وبين الأغالبة والدافع إليها التنافس على انتخاب الوالي، وثورات بين العرب والبربر، ويمكن أن يقال إن البربر الذين منحوا الإقطاعات أجورًا لهم هم الذين اشتهروا بخلع الطاعة لأنهم لم يكونوا يطيقون الإخلاد إلى حياة الزراعة وإنما كانوا يفضلون أخذ الفيء أجورًا لهم (١) أما العرب فبرزوا أيام الكلبيين وخاصة اليمينية منهم، ولكنا لا نسمع لهم بعصبية ظاهرة إلا أيام ابن قرهب، ولا نجد لحسن الحظ خلافًا بينهم على أصول القيسية واليمينية لأن القيسية فيما يظهر كانوا قليلي العدد. وحينًا كان العرب والبربر يتحدون تحت اسم الأفريقيين ويواجهون الصقليين، ولما دخلت كتامة أرض الجزيرة. وأصبحت مستند الوالي خفت صوت الصقليين لضعفهم النسبي إزاء العناصر الأخرى. ثم كانت فتنة صقلية الأخيرة عودة لسيادة العناصر الصقلية بعد قتل العبيد ونفي البربر.
ولما وقعت الهدنة بين الخليفة المعز والإمبراطور البيزنطي كتب المعز إلى والي صقلية؟ الأمير أحمد؟ يعرفه بالصلح ويأمره ببناء أسوار المدينة وتحصينها ويعلمه أن البناء اليوم خير من غد، وأن يبني في كل إقليم من أقاليم الجزيرة مدينة حصينة وجامعًا ومنبرًا، وأن يأذن أهل كل إقليم بسكنى مدينتهم، ولا يتركوا متفرقين في القرى، فسارع الأمير أحمد إلى ذلك وشرع في بناء سور المدينة وبعث إلى جميع الجزيرة مشايخ ليقفوا على العمارة (٢) . وينفرد
_________________
(١) انظر تاريخ اماري (S. D. M.) المجلد الثاني من ٤٩ - ٥٥ والتعليقات في ٥٣ - ٥٥.
(٢) النويري المكتبة:٤٤١.
[ ٦٦ ]
النويري بهذا الخبر الطريف وحديثه عن سور بلرم يوافق قول ابن حوقل بأن سور بلرم من حجارة مانع شامخ، ويتفق مع الإصلاحات التي ينسبها الرحالة للأمير أحمد في أبواب المدينة (١) . أما البقية الخبر فلا نستطيع أن نفهمه إلا بنوع من التأويل. ويرى الأستاذ أماري أن " أهل كل إقليم " ليس من الضروري أن تعنى كل السكان مسيحيين كانوا أو مسلمين، أحرارًا أو ذميين أو عبيدًا، نبلاء أو وضعاء، بل ليس من الضروري أن تعنى كل المسلمين ويستنتج أن الإقليم في الاصطلاح يعنى منطقة عسكرية، وأن أهل الإقليم ندل على الجند وحدهم. ويفترض أماري أن الوالي كان يقسم على الجنود؟ وخاصة في ولاية دمنش؟ إقطاعات بدلا من النقد فأصبح الجند مشتتين في القرى يفلحون أرضهم، وانتشر على آثارهم جامعو الضرائب، وكان هذا سببًا في الفوضى وفي وقوع الحيف على الذميين (٢) وكان من ذلك صدور الأمر من المعز إلى الأمير أحمد.
أما الجامع والمنبر فقد كانا تأييدًا للخليفة في كل مدينة بالجزيرة وتثبيتا للدعاء له. وأضاف المعز إلى هذه السياسة من تألف الصقليين ما أنفقه على أهلها سنة ٣٥١ هـ في إعذار بعض الأمراء من بنيه وقد حمل في هذه المناسبة إلى صقلية سوى الخلع والثياب خمسون حملا من الدنانير، كل حمل عشرة آلاف دينار. وختن من أهل صقلية وحدها خمسة عشر ألف صبي (٣) ولم يعف أولاد المليين والذميين من الختان. وهذا الرقم لا يستطيع أن يدل على نسبة معينة في سكان الجزيرة، ويقدر ابن حوقل عدد سكان بلرم بثلثمائة ألف نفس. ولا شك أن خليل بن إسحاق أهلك بأعماله الحربية ثلث سكان ولاية مازر الإسلامية. ولعل عدد سكانها سنة ٩٣٨ م مع بلرم كان مليوني نسمة، المسلمون منهم أقل من النصف (٤) . وأكثر السكان الصقليين القدماء
_________________
(١) ابن حوقل ١/ ١٢٢ والمكتبة ص٤، ٧، ٨.
(٢) انظر توضيح هذه النقطة في تاريخ اماري المجلد الثاني ص ٣١٤ - ٣١٧.
(٣) المقريزي،اتعاظ الحنفا:١٣٦ نشر الدكتور الشيال.
(٤) Amari: S. D. M. vol. ٢،pp. ٢٥١ - ٦٢.
[ ٦٧ ]