ولم تحب صقلية ولاة من قبل الخليفة الشيعي كما أحبت بني أبي الحسين. ففي سنة ٣٣٦ هـ تولى أمرها الحسن بن علي بن ابي الحسين من أسرة الكلبيين وكانت هذه الأسرة من أخلص أعوان العبيديين، ولأفرادها مواقف جليلة في خدمة الدولة الفاطمية أثناء ثورة أبي يزيد، وتقديرًا لخدمات الحسن كافأه الخليفة المنصور بولاية صقلية، وتلقته بلرم كما كانت تتلقى من قبله من الولاة، إذ كانت أطماع الرؤساء المحليين لا تزل مصدرًا للقلق في المدينة. وكان آل الطبري هم زعماء المقاومة فيها. ولم يكن مع الحسن حينما نزل صقلية جيش يعتمد عليه في مقاومة المشاغبين، ولكنه استطاع بدهاء فذ أن يفسد خططهم. ووجد في بلرم جماعة قد سئموا كثرة التقلب ورغبوا في السلامة فانضموا إلى الوالي الجديد وانحاز إليه أصحاب الدواوين وكل من يريد العافية (٢) . ومال
_________________
(١) انظر تفصيل الأخبار عن خليل بن إسحاق عند ابن عذاري في المكتبة: ٣٦٨ والحلة السيراء، المكتبة: ٣٣٠ وانفرد النويري بالقول إن أهل صقلية أطاعوا خليل بن إسحاق فأكرمهم وعزل عنهم عمال سالم ثم سكت عما ورد في المصادر الأخرى.
(٢) ابن الأثير ٨ /١٥٦ والمكتبة: ٢٥٨.
[ ٤٤ ]
إليه كل منحرف عن بني الطبري. ورأى أهل المدينة بشائر عدله حين قتل غلامًا له اتهم بالتعدي على أهل البلد (١) فتأكدوا أن هذا الوالي يختلف عمن سبقوه، واستبشروا به. ولما ثبتت قدمه في المدينة قبض على أهل الفتنة وصادر أموالهم (٢) .
وظل الحسن في صقلية خمس سنين. ولما توفي حزن عليه أهل صقلية حزنًا عظيمًا لما كان قد أجرى الله على يديه من العدل وظهور الخير (٣) .
وتعاقب على صقلية من الكلبيين عشرة ولاة في مدة خمس وتسعين سنة شهدت في أثنائها تقدمًا في الحياة العمرانية وفي العلوم والأداب، كما شهدت جهادهم المستمر في جنوب إيطاليا وفي مقاومة أطماع الروم في الجزيرة. وأخلدت صقلية إلى الهدوء وجنت من ذلك خير الثمار. وكان من أسباب هذا الهدوء انشغال الجند في اكثر الأوقات بالحروب في جنوبي إيطاليا، وإخلاص الكلبيين في الدفاع عن صقلية، واعتبار أنفسهم مستقلين استقلالا داخليًا في شؤون الجزيرة. وقد استطاعوا منذ البدء أن يرضوا الطامعين المحليين ففي سنة ٣٤٧ سار احمد بن الحسن الكلبي ثاني ولاة الجزيرة من أسرة بني أبي الحسين ومعه ثلاثون رجلا من وجوه الجزيرة إلى المعز بأفريقية فبايعوه وخلع عليهم المعز (٤) وفي نسخة كمبردج العربية من تاريخ صقلية أن الذي ذهب بهم إلى إفريقية هو الحسن الوالي الأول (سنة ٣٤٦٩ ٩٦١م) وينص هناك صراحة على أنه أدخلهم في مذهب أمير المؤمنين وكثر مقتناهم وأفضلهم (٥) .
ومعنى ذلك أن العناصر القلقة التي كانت تطلب لنفسها الزعامة قد أرضيت بالمال والتقرب من الخليفة، وأن الوجوه دخلوا في المذهب الشيعي ولا
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) المصدر نفسه والمكتبة: ٥٩.
(٣) centenario المجلد الثاني: ٤٧٧ عن أعمال الأعلام. والأخبار عن وفاة الحسن فيها شيء من الاضطراب فأكثر المصادر أنه هاجر من صقلية وعند ابن خلدون أنه توفي من شدة فرحه عند ما جاءته الأخبار بانتصار المسلمين على الروم.
(٤) أبو الفداء، حوادث سنة ٣٣٦، ٢/٩٦ والمكتبة: ٤٠٨.
(٥) تاريخ جزيرة صقلية لمؤلف مجهول، نسخة كمبردج العربية، في المكتبة الصقلية:١٧٥.
[ ٤٥ ]
ندري بعد هذا الخير كيف كان حال التشيع في الطبقات الأخرى. وابن حوقل وهو داعية من دعاة الفاطميين ينحى بالذم الشديد على الصقليين لكثرة ثورتهم على السلطان، فهل يفهم من هذا أن طبقات الشعب كانت تكره الخلافة الفاطمية؟.
واستدعى المعز الأمير أحمد ففارق صقلية بجميع أهله وماله وأولاده وأخوته فركبوا في ثلاثين مركبًا ولم يبق منهم بصقلية أحد (١)، وولى الجزيرة يعيش المولى ففشل في تهدئة فتنة ثارت بين كتامة والقبائل (٢) . وتطاول أهل الشر من كل ناحية ونهبوا وأفسدوا على أهل المراعي، واستطالوا على أهل القلاع الآمنة (٣) .
فأعيد الأمر إلى واحد من الكلبيين وتولى أبو القاسم الحكم سنة ٣٥٩هـ؟. وأبو القاسم هو الملقب بالشهيد لأنه استشهد في غزاته الخامسة بجنوب إيطاليا سنة ٣٧٢ هـ. وكان حسن السيرة فاضلا محبا للعلماء والصالحين (٤) .
ولعل الجزيرة لم تشهد عهدًا كعهد الأمير أبي الفتح يوسف الملقب بثقة الدولة (٣٧٩ - ٣٨٨) فقد عهد أليه أبوه بولاية صقلية وأتاه سجل من العزيز من مصر بذلك، فضبط الجزيرة وأحسن إلى الرعايا (٥) وأسى بجلائله وفضائله كل من كان قبله نم بني أبي الحسين (٦) . وكانت أيام الناس بصقلية الناس بصقلية في مدته على أفضل ما يشتهون. وقد ضبط البلد ضبطًا عظيمًا وأداخ الروم واستقامت له الأمور، وظهر من كرمه وجوده على سائر الناس ما لا يحيط به وصف (٧) . وكان بلاطه في بلرم مقصد العلماء والأدباء وظل قائمًا بالأمر خير قيام حتى أصابه فالج عطل نصفه الأيسر فتنازل لابنه جعفر.
_________________
(١) النويري في المكتبة:٤٤١.
(٢) ابن خلدون ٤/ ٢٠٩ والمكتبة: ٤٨٢.
(٣) ابن الأثير ٨/ ٢٠١ والمكتبة: ٢٦٧.
(٤) centenario ٢/ ٤٧٧.
(٥) النويري، المكتبة: ٤٤٢.
(٦) ابن خلدون ٤/ ٢١٠ والمكتبة: ٤٨٣.
(٧) centenario ٢/ ٤٧٩ - ٤٨٠.
[ ٤٦ ]
وأول وهن حدث في حكم الكلبيين اختلاف أفراد منهم فيما بينهم على الإمارة فقد ثار على جعفر الملقب بتاج الدولة أخوة على، واستفاد من الخلاف العنصري في الجزيرة فاستمال إليه البربر والعبيد، وقام بين الأخوين قتال مرير راح فيه كثير من مشايعي علي، وأسر علي نفسه فقتله أخوه ونفي من بالجزيرة من البربر بأسرهم، فلم يبق منهم أحد وأمر بقتل العبيد فقتلوا عن آخرهم.
وكان انتصار جعفر فاتحة خذلان جديد فإنه حين قضي على البربر والعبيد لتخذ جنده من أهل صقلية، فطعموا فيه وزادهم تماديًا تغاضيه عن كتابه حسن بن الباغاني الذي صادر الناس وعاملهم بسوء واستحدث بدعًا في جباية الضرائب (١) وتنكرت قلوبهم له حين استخف بأهل صقلية وشيوخ بلادها واستطال عليهم (٢) فخرجوا عليه وحاصروه وعندئذ خرج إليهم أبوه في محفة وكانت له منزلة في نفوسهم، فلما رأوه هدأت ثائرتهم وطلبوا إليه أن ينصفهم من ابنه، فوعدهم بنزعة من ولايته فوقع اختيارهم على الأكحل أخيه.
وبر يوسف بما وعد فارتحل مع ابنه جعفر إلى مصر، وترك صقلية في يد الأكحل. وتسلم الصقليون حسن الباغاني فقتلوه وطافوا برأسه وأحرقوه بالنار (٣) . وهدأت نفوسهم الحاقدة لما رأوا الأكحل يأخذ الأمور بجد وحزم. وكان إذا خرج في الغزو استخلف ابنه جعفرًا فحاول جعفر أن يوقع التفرقة بين العناصر ونجح في فصل الصقليين عن الإفريقيين والتمييز بينهما في المعاملة فحمى الأفريقيين وأخذ يتقاضى الخراج عن أملاك الصقليين وحدهم (٤)، وعندئذ لم يعد الصقليون يطيقون تلك الحال، وذهبوا إلى المعز بن باديس سنة ٤٣٧هـ؟ يطلبون مساعدته وإلا سلموا الجزيرة إلى الروم (٥) .
_________________
(١) النويري، المكتبة: ٤٤٣.
(٢) المصدر نفسه.
(٣) المصدر نفسه: ٤٤٤.
(٤) انظر تفصيل ذلك في المكتبة: ٤٤٤ - ٤٤٥ عن النويري.
(٥) النويري، المكتبة: ٤٤٥.
[ ٤٧ ]