أربعة وعشرون عامًا في صقلية - تلك هي كل الفترة التي عاشها ابن حمديس في وطنه، على تحقيق، أما إذا شئنا المجاز قلنا إنه عاش كل حياته في ذلك الوطن - أي في ظل الأعوام التي وعي ذكرياتها وأحداثها. وقد كانت تلك السنون هي عصر الشباب، وفي ذلك العهد تكونت النواة الأولى لشاعريته فشعره في صقلية إبان الصبا هو شعر الفارس المحارب الذي يلتفت إلى آلات الحرب والسفن الحربية ويعتز بالقوة ويحب فيكون حبه عارمًا وشهواته فاتكة، ويتردد بين عنف الحرب، ورقة الحب. وهذا ما نلمسه في قصيدة له من ذلك العهد مطلعها (١):
ليَ قلب من جامد الصخر أقسى وهو من رقة النسيم أرق وفي هذا الشعر الذي قاله في الصبا فخر بالضرب والطعن وبالفتك الشهواني، وهي نشأة عارمة تمثلها لك القصيدة التالية (٢):
وذات ذوائب بالمسك ذابت بلغتُ بها المنى وهي التمنى
منعمة لها إعزاز نفس يصرفُ دلها في كل فن
شموسٌ من ملوك الروم قامت تدافع فاتكًا عن فتح حصن
بخد لاح فيه الوردُ غصنًا وغصنٌ ماسَ بالرومان لدن
فطالت بيننا حربٌ زبون بلا سيف هناك ولا مجنّ
وفاضت نفسها الحمراء منها وفاضت نفسي البيضاء منى
_________________
(١) القصيدة رقم ٢٠٢ ويجري معها من قصائد الصبا رقم ١٦١، ٣٠٦ وأظن أن ٢٤٣ من ذلك العهد. أما القصيدة رقم ٤٩ فتشير إلى غزوة أندلسية.
(٢) القصيدة رقم ٣٠٦.
[ ٢٤٠ ]
ففي هذا الشعر - والشعر الذي قاله في صباه عامة - قوة الشباب واندفاعه وحرارته وحدة شهواته وصوره المستمدة من حياة القتال ومن دفاع الروم ومن مهاجمة الحصون. وقد ظل ابن حمديس عاكفًا على هذه الصور يحبها لأنها كانت جزءًا من شبابه، وبعد أن خفت صوت الشباب عنده، ظل قوي الشهور جارف الرغبات، يكلف بوصف المعارك البحرية خاصة.
وقد بقي ثماني سنوات بعد خروجه من صقلية وهو يعلق أملا كبيرًا على جهاد ابن عباد الصقلي وبني حمود بقصريانة وجرجننت، ويتوقع أن يكلل جهادهم بالنصر في النهاية. وكانت هذه الفترة كلها في الأندلس وفيها نظم قصائده " الصقليات " وهو في طور مزهر بالآمال، وفها أيضًا نظم القصائد التي يبكي فيها صقلية إثر سقوطها مباشرة (١) .
وفي القصائد التي كانت في عهد الرجاء نجده يفتخر بقومه " بني الثغر " الذين يغذي فطيمهم من حلب الأوداج، ويثنى على شجاعتهم وحربهم للروم في البر والبحر، ونكاية سفنهم ونفطها المحرق في أعدائهم، ويقر لعدوه بالقوة شأن الفارس الذي لا يفخر فخرًا كاذبًا:
ومتخذي قمص الحديد ملابسًا إذا نكل الأبطال في الحرب اقدموا (٢)
كأنهم خاضوا سرابًا بقعة ترى للدبا فيها عيونًا عليهم
صبرنا بهم صبر الكرام ولم يسغ لنا الشهد غلا بعد ما ساغ علقم وفي كل قصيدة من هذه القصائد " خاتمة حنين " إلى الوطن هي اضعف في القصيدة من حيث النفسية:
أحن إلى أرضى التي في ترابها مفاصلُ من أهلي بلين وأعظمُ
كما حن في قيد الدجى بمضلة إلى وطن عوْدٌ من الشوق يرزمُ
_________________
(١) القصائد التي نظمها في دور الأمل بنجاح المقاومة هي ٢٦٩، ٢٧٠، ٢٧٥ والقصائد التي قالها يبكي الوطن إثر سقوطه هي ١٥٧، ٢٣٨، ٢٧ (بعد سقوطه بسنين) .
(٢) رقم ٢٦٩.
[ ٢٤١ ]
ونراه في قصيدة أخرى يحرض " بني الثغر " على الجهاد، ويدعوهم إلى أن يتركوا النوم، وأن يردوا وجوه الخيل نحو معركة تتكشف للروم عن ثكل ويتم، ويصولوا عليهم بالسيوف، وينفذ من ذلك إلى تذكيرهم بحق الوطن وعلوه على كل بلد آخر (١):
ولله أرض إن عدمتم هواءها فأهواؤكم في الأرض منثورة النظم
وعزكمُ يفضي إلى الذل والنوى من البين ترمي الشمل منكم بما ترى
فإن بلاد الناس بلادكم ولا جارها والحلم كالجار والحلم
أعن أرضكم يغنيكم ارض غيركم وكم خالة جداء لم تغن عن أم
أخلى الذي ودى بود وصلته لدى كما نيط الولي إلى الوسمى
تقيد من القطر العزيز بموطن ومنْ عند ربع من ربوعك أو رسم
وإياك يومًا أن تجرب غربة فلن يستجيز العقلُ تجربةَ السّمّ وفي هذه القصيدة يتكىء ابن حمديس على قوته الخطابية، ويستفيد من تجربته التي عرفها في الحياة - تلك الغربة أو ذلك السم الذي ذاقه - ولا يريد لغيره أن يجربه، ولذلك يحرض أخاه في الوطن أن يموت مدافعًا عن وطنه، فذلك أجدى عليه من الضرب في بلاد الناس. ولا ندري أي روح أشاعتها هذه النصائح في نفوس السرقوسيين، وأي قوة بعثتها في دمائهم، ولكن الذي ندريه حقًا أن هذه النغمة لم تطل، فلم تلبث سرقوسة أن سقطت، وغرق ابن عباد الذي كان يحيي الأمل في نفس الشاعر، وسقطت قصريانة وعرقت الأحلام التي كانت تراوح ابن حمديس وتغاديه في كأس من الياس، وسقطت دمعة كان يحبسها وتحدثه نفسه أن اليوم الذي يذرفها فيه لم يحن بعد (٢):
أعاذل دعني أطلق العبرة التي عدمتُ لها من أجمل الصبر حابسا
_________________
(١) رقم ٢٧٠.
(٢) رقم ١٥٧.
[ ٢٤٢ ]
لقدرتُ أن تعودَ لقومها فساءت ظنوني ثم أصبحت يائسا
وعزّيتُ فيها النفس لما رأيتها تكابد داءً قاتل السمّ ناحسا
وكيف وقد سيمتْ هوانًا وصيرتْ مساجدها أيدي النصارى كنائسا
إذا شاءت الرهبنُ بالضرب أنطقتْ مع الصبح والإمساء فيها النواقسا
صقليةٌ كاد الزمانُ بلادها وكانت على أهل الزمان محارسا
فكم أعين بالخوف أمستْ سواهرًا وكانت بطيب الأمن منهم نواعسا
أرى بلدي قد سامه الروم ذلة وكان بقومي عزه متقاعسا
وكانت بلادُ الكفر تلبس خوفه فأضحى لذاك الخوف منهن لابسا ومن حقنا هنا أن نسجل لابن حمديس هذه الروح الدينية التي شاعت في هذه القصيدة، إذ لم نلمسها من قبل إلا في كلمة الجهاد المبهمة، أما هنا فإن المسجد قد احتل مكانته من نفس الشاعر، والغيظ على تلك النواقيس التي كان يدقها الرهبان دق في صدره - كان ابن حمديس يحب الوطن سواء اقترن بشعور ديني خاص أو لم يقترن، كانت ذكرياته من ذلك الوطن سيفًا وكأسًا وقينة، فلو أنه كان يمس الوتر الديني في قصائده لكان كاذبًا مع حياته ومشاعره. لقد كان يقدم الوطن على كل اعتبار آخر لأنه " الدين " الأول الذي يؤمن به، أما في هذه القصيدة فإن الدين لا يذكر إلا سمة من سمات التغير التي جرت على الوطن وأهله. وحسبك أن لا تلمح في ذكر الدين هذا استنفارًا أو طلبًا للنجدة، فكل ما هناك صورة من تغير حال الوطن بعدما فقد حماته الأبطال، ولذلك ذهب ابن حمديس يثني على بطولتهم ويشيد بانتصاراتهم في قلورية، ويعرج على قصريانة فيبكي دروس الإسلام منها، ويتذكر سرقوسة وكيف أصبحت دار منعة لأعدائها، ولا عجب فقد أصبح أهلها الأبطال تحت الثرى، ولم يكن للأعداء حيلة فيها وهم فوقه، والذئب يتبخر في الغيل حين يغيب الأسد.
[ ٢٤٣ ]