ومن المصادفات أن المعتمد سجن وسيم الذل سنة ٤٨٤ وتم للنورمان احتلال صقلية كلها في هذا العام، وفقد ابن حمديس صقلية والأندلس معًا، وعادت المقادير فطرحته إلى إفريقية. فوجد نفسه من جديد في بلاط تميم. واجتمعت كل المآسي في نفسه تذكره بالفردوس المفقود - ذكر صقلية وفتنتها وشبابه في وطنه وصحبته للعرب متبطلا يضيع عمره سدى. وافتخر بنفسه واستشعر اليأس من العودة إلى الوطن، ووصف بطولة قومه ورث موتاهم، ومدح تميما لأنه حاول ذات يوم أن ينقذ وطنه فاخفق. وتمثل الحال التي هو عليها فبكى جازعًا لما حل به، ومن يومئذ الفت الدموع مجاري عينيه. وفي قصيدة أو ملحمة من تلك الملاحم جمع ابن حمديس كل تلك الخواطر، فمثل فيها فنه الشعري كله، وكأنها البرزخ بين ما قبلها وما بعدها وسأقف عندها لأن فيها صورة ابن حمديس - ابن صقلية -.
٣