وكانت الكتب التي يتداولها الطلبة والأساتذة مما يرد على الجزيرة من بلاد المشرق والأندلس والقيروان أو مما يؤلفه الأساتذة أنفسهم. وإذا استطعنا ان نعرف الكتب الواردة التي راجت في صقلية، أو أمثله منها على الأقل، كان كذلك خير معين لنا على تصور الثقافة السائدة في الجزيرة وعلى مدى الامتزاج والتفاعل في تلك الثقافة. وقد كانت الكتب ترحل كالناس في بطء وتتحرك من مكان إلى آخر في أناة، وربما كان انتقال كتاب من بلد إلى آخر حدثًا يستحق التاريخ. فليس بغريب أن يصرح ابن القطاع الصقلي حين سأله المصريون عن كتاب " الصحاح " للجوهري بان الكتاب لم يصل إليهم في صقلية (١) .
ويحدثنا ابن رشيق أن أول من ادخل كتاب " اليتيمة " للثعالبي إلى القيروان هو أبو الفضل محمد بن عبد الواحد البغدادي الدرامي سنة ٤٣٩هـ؟ (٢)، ولما رحل ابن البر الصقلي إلى المشرق كان كتاب اليتيمة أحد مروياته عن شيخه أبي محمد إسماعيل بن محمد النيسابوري، وعنه تلقاه في صقلية تلميذة ابن القطاع (٣) .
وقد دخلت " المدونة " في الفقه المالكي عند فتح صقلية او بعيد ذلك بقليل، وكان كل نشاط الفقهاء يدور حولها اختصارًا وشرحًا، وبيانًا لما فيها من غريب، ونسجًا على منوالها. وظل الأمر كذلك حتى آخر أيام العرب في صقلية. وبديهي ان موطأ كان يدرس في صقلية أيضًا ويقوم بتدريسه محدثون
_________________
(١) القفطي، انباه الرواة ١/ ٥٣٦.
(٢) ابن بسام، الذخيرة ٤ مجلد ص ٦٨.
(٣) ابن ظافر، بدائع البداية على هامش معاهد التنصيص ١/ ٩٢.
[ ٩٢ ]
أعلام، مثل الفقيه السمنطاري، وكان الطلبة لكثرة دروج الاسم على أفواههم يلفظونه بغير الهمز. ويستعملون إلى جانبه كتاب " الملخص " وهو كتاب ألفه القابسي ولخص فيه ما اتصل إسناده من حديث الموطأ وكان الطلبة يسمونه الملخص بالفتح مع أن صاحبه سماه الملخص بالكسر (١) . وألف ابن جعفر القصري كتابًا سماه بكتاب " تجديد الإيمان وشرائع الإسلام يشتمل على نيف وستين جزءًا وفيه بحث في المعجزات فدخل صقلية وقرأه الناس (٢) .
وفي القرن الخامس وردت إلى صقلية نسخة من كتاب " التقريب " وهو كتاب اختصر به البرالي البلنسي (البريلي بخط ابن بشكوال) كتاب المدونة وجمع فيه أقوال أصحاب مالك حتى قال فيه بعضهم: من أراد أن يكون فقيها من ليلته فعليه بكتاب البريلي (٣) وقرأه عبد الحق شيخ فقهاء صقلية في عصره وأراد أن يشتريه فلم يتيسر له ثمنه، فباع حوائج من داره واشتراه (٤)، فلما عرف أهل صقلية ذلك زادت قيمة الكتاب في اعينهم، فاقبلوا عليه وتنافسوا في اقتنائه.
وتحدثنا المصادر أن علي بن حمزة اللغوي راوية المتنبي ذهب إلى صقلية وعاش في بلرم وتوفي بها سنة ٣٧٥هـ؟ وربما روى عنه الصقليون بعض كتبه التي كانت في أكثرها ردودًا على الأئمة كالرد على ابن السكيت في إصلاح المنطق والرد على الجاحظ في الحيوان والرد على الثعلب في الفصيح.. (٥) الخ وربما استنتجا بأنه درس هنالك ديوان المتنبي. وأيا كان الأمر فمن المحقق أن صقلية عرفت ديوان المتنبي معرفة وثيقة إذ كان جزءًا من ثقافة عالمها اللغوي ابن البر درسه علي ابن رشدين بمصر ثم أخذه عنه طلبته بصقلية (٦) ولعل
_________________
(١) ابن مكي،تثقيف اللسان نسخة الآستانة الباب ٣٦.
(٢) الصلة رقم ٣٧٩.
(٣) ريض النفوس في المكتبة: ١٩٤.
(٤) ابن فرحون الديباج المذهب: ١١٣.
(٥) ياقوت، معجم الأدباء ١٣/ ٢٠٨.
(٦) ابن الأبار، التكملة رقم ٣٦٧.
[ ٩٣ ]
دواوين كثيرة من شعراء المشرق دخلت صقلية أيضًا فنحن نسمع ان المغنين فيها كانوا يغنون أشعارًا لقيس بن الخطيم، وابن الرومي وذي الرمة وسحيم عبد بني الحسحاس وكثير عزة وجرير وجميل والشريف الرضى وغيرهم (١) .
وفي الأسانيد ما يدل على ان الطلبة ابن البر اللغوي رووا عنه " مقدمة ابن بابيشاذ " في النحو. ومن الكتب التي درسها هذا العالم كتاب " أدب الكتاب " لابن قتيبة وعنه تلقاه تلميذ ابو العرب الصقلي ثم درسه في الأندلس حين ارتحل إليها (٢) .
ولا ننس ان كتاب كليلة ودمنة من الكتب التي راجت في صقلية. ولما دخل ابن رشيق إلى صقلية دخلتها كتبه وخاصة كتاب " العمدة " وجرى تدريسه في مدينة مازر حتى لقد رأى القفطي على إحدى نسخ العمدة قراءة ابن منكود والي مازر لهذا الكتاب على مؤلفة (٣) . وقد اختصره فيما بعد أحد الصقليين وهو عثمان بن علي الخزرجي وكان في أيام يحيى بن تميم بن المعز (٤) . ويدلنا العمدة على بعض المصادر التي كان يستطيع ان يطلع عليها أهل المغرب ومن السهل ان ترحل هذه الكتب إلى صقلية بعد ان تصل إلى القيروان، أي أن أهل صقلية ربما عرفوا كتب قدامه بن جعفر والرماني والعسكري وغيرهم. وقد أثر قدامه في توجيه النقد في المغرب في غير ابن رشيق، ونسمع أن الشاعر المعروف بابن ميخائيل (٥) أحد شعراء المعز كان شديد الانتقاد للشعر على مذهب قدامه (٦) .
وعرفت في المغرب أيضًا كتب أبي حيان التوحيدي ورسائل إخوان الصفا
_________________
(١) ابن مكي، تثقيف اللسان، الباب الأربعون.
(٢) ابن الأبار، التكملة رقم ٣٨٦.
(٣) القفطي، انباه الرواة - ترجمة ابن رشيق ١/ ٢٧٧.
(٤) ياقوت، معجم الأدباء ١٢/ ١٣٥.
(٥) هو محمد بن الحسين بن أبي الفتح القريشي المغربي. انظر ترجمته في كتاب المحمدين من الشعراء للقفطي (نسخة دار الكتب المصورة رقم ٢١٧٧ تاريخ الورقة ٧٦) .
(٦) المصدر السابق.
[ ٩٤ ]