ونظن أن ابن الخياط في حياته المدنية التي تقلبت به بين الأمراء لم يكن شاعرًا يعبر عن جمال الطبيعة الصقلية، ولكن تلك الطبيعة تسربت إلى نفسه وكمنت في أعماقها.
ومن ثم ترى أن غيره من الشعراء لم يقفوا عند الكروم ومروج القمح ولا عند الجبال والعيون. وابن الخياط لم يقف عندها كذلك ولكننا لأول مرة نقف عند شعر صقلي تتردد فيه مناظر العنب وقطفه، والسنابل الخضر والصخرة التي يتفجر منها الماء. فهو يصف الكرمة يقوله:
وكأن أقرطةً على قضبانها منظومةً سبجًا بها وعقيقا
وكأن قاطفها يميثُ بكفه من مائها بالزعفران خلوقا ويقول فيها أيضًا:
ملاحيةً بيضًا وسودًا حوالكًا وحمرًا وصفرًا ملبسات مجاسدَا
كأن على أيدي القواطف تحتها بما قنأت منها عروقًا مفاصدا وليس في هذه الأوصاف شيء يلفت النظر، وإنما الذي يستوقفنا هو موضوعها - وصف الكرمة - فإن الشعراء الآخرين تعلقوا بوصف الخمر دون العنب، أما هذا الشاعر فله التفاتة - أي التفاتة. إلى ما يملأ ربي وطنه.
وهو يقول في أبيات يتنجز بها عدة من انتصار الدولة:
وإن أولى نبات أن تثمرهُ صنيعةٌ أنت مولاها وموليها
فرُبها إنها سبعٌ سنابلها في حبة بارك الرحمن لي فيها
أودعتها في ثرى جعد فأبنتها مستأرضًا أرضها خضرًا أعاليها
فابعث وليًا وسميها مددًا إن الكتائب منصور تواليها
[ ٢١٨ ]
فهذه الصورة الريفية الجميلة التي استغلها في معنى الصنيعة والنعمة لا تجد لها مثيلا في وحدتها واكتمالها وتدرجها من بين الشعر الصقلي، وهي أول صورة ترف رفيفها وتهتز بالسنابل، ولا شك في أن الوقوع عليها لمن يعيش في صحراء الشعر الصقلي ابن الكتاتيب والكراسات، كسب يجعله يعلق بها كما يعلق الكرم بمن يدنو منه - والتشبيه لشاعر صقلي آهر.
ويقول في تكرير التجربة مرة بعد مرة:
كالصخرة الصماء يرجعُ معولى متثلمًا عنها ولا يتفطر
لا بل أصابرُها على نزقاتها إن المياه من الصفا تتفجر وتتردد هذه الصورة - صورة الماء المتفجر من الصف - في شعره. وفي البيتين السابقين تحس في ذكر المعول صقليًا من أولئك الكادحين في الأرض، وفي الأمواه المتفجرة صورة من تلك الينابيع التي تستوطن الصخر. ولا شك في أن صورة السنابل والحجر الذي انفجرت منه اثنتا عشرة عينًا مستمدتان من القرآن الكريم، ولكن الشاعر لم يقع على هذه الصور بمحض المصادفة أو لمحض ورودها في القرآن، ففيه صور أخرى كان يستطيع أن يستمدها منه ولكن هذه المعاني تحتل من نفسه مكانًا عميقًا، لأنها من البيئة الزراعية ذات السنابل أو ذات الصخور المتفجرة بالينابيع، فاستحضار هذه الصور ملائم للمعنى حقًا، وهو أيضًا دليل على اشتغال نفسه بها اشتغالا يؤكد تأثير البيئة.
[ ٢١٩ ]