فلما هلك عامر بن حارثة الأزدي وكان يسمى ماء السماء لجوده وكرمه وقام بالآمر بعده ولده عمرو بن عامر. وتقّل ما كان يتقلد آباؤه من القيام بحفظ المملكة وسد ثغورها واستخراج الإتاوات من أربابها وهو المُسمّى مُزيقياء وفيه وفي ابنه يقول بعض الأنصار
أنا ابن مُزيقيا عمرو وجدّي أبوه عامر ماء السماء
إنما سُمي عامر بن حارثة ماء السماء لأنه مان قومه سنة وقد أخلفت السماء فأجدبت الأرض جدبا شديدا فلم يزل يمون قومه حتى مطروا وأخصبوا فسموه ماء السماء لذلك لكونه خلف ماء السماء ومانهم سنة كاملة. وإنما سُمي عمرو بن عامر مزيقياء لأنه كان يلبس كل يوم حلتين ثم يمزقها آيومه يأنف أن يعود فيهما ويكره أن يلبسها غيره. وعُمّر عمرا طويلا يقال أنه بلغ من العمر ثمانمائة سنة. والله أعلم. وفي أيامه كان خراب السُدّ. وكان أوّل من أسس السُّدّ سبأ الأكبر وأسمه عامر وقيل عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان. ثم بناه حمير بن سبأ بعد موت أبيه ثم أتمه بعد ذلك الحميري وهو الصعب بن أبي مرائد. وكان
السّد من جبل مأرب إلى الجبل الأبلق وهما جبلان منفيان على الجبال الشامخة الممتدة من يمين السّد وشماله. وكان ينصب إلى السدّ من أعلى اليمن سبعون واديًا سوى ما يأتيه من الأنهر الصغار وكان ما فوق السّد بستة أشهر يصل إلى ذلك السد. وكان ماء السد يسقي شهرين في شهرين. وكان ما يلي مأرب من شمال السد لبني كهلان وما يلي الأبلق من جنوبي السد لأولاد حمير. وكان ماؤه يقيم من الحول إلى الحول
[ ١ / ٢١ ]
إلى سعة الأرض وعموم السقي. وكان للسد ثلاثة ثقوب وكان السد بركة عظيمة فإذا احتاجوا إلى السقي فتحوا الثقب الأعلى فينصبّ الماء في تلك البركة فيسقوا به. فإذا نزل الماء عن الثقب الأعلى فتحوا الثقب الأوسط فينصب الماء منه إلى تلك البركة ثم يسقون منها. فإذا نزل الماء عن الثقب الأوسط فتحوا الثقب الثلث فينصب الماء إلى البركة كما هو. وكانت بلقيس قد جعلت في البركة اثنتي عشرة عينًا. فكانوا يسقون جنانهم وزراعاتهم وما حاولوا من شيء على حسب ما يريدون وأفضل. وكان الخادم يمشي بين الشجر والمكتل على رأسه فيمتلأ من الفواكه من غير إن يتناول شيء بيده ولا يلقط شيئًا من الأرض. وكانت الشمس لا تصل إلى أحد يمشي في تلك الجنان من تراكب الشجر. وكانوا يتعاطوا يتعاطون النيران فيما بينهم مسيرة شهرين في شهرين وقيل مسيرة ستة أشهر في مثلها) آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور (. قالوا: وكان الرجل يسير من بلده الثانية فيقيل بها ويمسي في الثالثة من القرى التي بارك الله فيها وهي قرى بيت الله المقدس) فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا (. فلما كفروا نعمة الله أرسل إليهم رسله. فيقال الله أرسل إليهم اثنتي عشر نبيا. وقيل ثلاثة عشر نبيا. فكذّبوا رسل الله وأعرضوا عن طاعة الله. فأرسل الله عليهم سيل العرم والعرمُ المطر الشديد قاله صاحب التّيجان. ثم أخرب الله السُّدّ.