قال علي بن الحسن الخزرجي وقد ذكرنا في السابق ما كان من قضاء الله وقدره في اختيار الملك سعود لمولانا الملك المنصور عمر بن علي بن رسولٍ نائبًا على اليمن كلهِ سهلهِ ووعرهِ برهِ وبحره وانفراده بالأمر دون سائر الأمراء المصرية وخلو اليمن من بقية بنى أمية وما جبله اله عليه من حسن السيرة وصلاح السريرة ومحبة الناس له وانقيادهم لأمره طوعًا وكرهًا. وكان مع هذا حازمًا عازمًا سريع النهضة حسن السيرة ثاقب الرأي عاقلًا وديعًا. وكان من ولائه السلطنة في اليمن على بشارات وإشارات. فمن ذلك ما يروى عنه أنه قال: أمسيت ليلة من الليالي مهمومًا لعارض لي. فلما مضجعي ومضى نحو من شطر الليل سمعت دويًّا في الهواء فرفعت رأسي وإذا عفريت يهرب من الشواظ حتى حط نفسه عندي وهو يلهث وكأنه معصرة من عظمهِ. فقمت من مضجعي فأخذت إداوة الماءِ فسكبتها في فيه. فلما اطمأن وزال عنه روعه قال أسفر وأبشر يا أبا الخطاب. بالملك من عدن إلى عيذاب ثم ذهب عني.
ويروى أن ثلاثة أقوام من الصالحين وصلوا إليه. فقال الأوّل: السلام عليك يا أتابك. فقال له: هو أخي وعليكم السلام ورحمة الله. فقال الثاني: أنت الأتابك وغير ذلك فقال: وما غير ذلك. فقال الثالث: سلطان لليمن وملكها من ذريتك إلى آخر الزمان.
وقال صاحب السيرة المظفرية: أخبرني الشيخ الصالح سليمان بن منصور بن
[ ١ / ٥١ ]
جريبة قال: لما وصل الملك المسعود من الديار المصرية وعبر طريق خبت القحرية كان على قارعة الطريق شيخان من المشائخ الصالحين أحدهما المغيث والآخر الهدس فقال أحدهما: هل ترى ما أرى. فقال له صاحبه: وما ترى قال: أرى شخصًا أن سار العسكر جميعه وإن وقف المعسكر جميعه فقال له صاحبه: لعل ذلك المسعود فقال له: لا بل هو الملك المسعود عمر بن عيّ بن رسول والملك في عقبه إلى آخر الدهر قال صاحب السيرة: وسمعت الحكاية بعينها من جدّي ﵀.
ويروى أن رجلًا كان على جبل الموسم وهو جبل صغير منفرد في خبت العسلقية من نواحي سهام. وكان الرجل يحرش شجرًا من العطب له هنالك بالليل. وقد أقبل الملك المسعود في عسكره وطبلخانته. فسمع الرجل نحب الطبلخانة والعسكر. فقعد متعجبًا. فسمع قائلًا يقول وهو قريب من اجبل:
أقبَلَ مثل السهم يزجيه الوترْ ليس له من ملكه سوى السفرْ
هيهات في الأيام طيات أُخر قال: فقصدت موضع الصوت فلم أر شيئًا ولا وجدت أحدًا فعلمت أنه من الجن وعلمت أن ملك الملك المسعود لسواه ويحكى أن الشيخ الصالح محمد بن أبي بكر الحكمي صاحب عواجة رأى راية الملك المسعود يوم وصوله من مصر فقال: هذه آخر راية تصل من مصر إلى اليمن.