قال علي بن الحسن الخزرجي عامله الله بالحسنى: لما توفي السلطان الملك الأفضل رحمة الله عليه في تاريخه المذكور وحصل الإجماع على قيام ولده السلطان الملك الأشرف إسماعيل بن العباس بن علي بن داود بن يوسف بن عمر ابن علي بن رسول
الخائض الغمرات غير مدافع والشمَّري المظعن الرعميسا
ملكُ تصور غايةً في آية تنفى الظنون وتفسد التقييسا
لما سمعت به سمعت بواحدٍ ورأيته فرأيت منه خميسا
ولحظت أنمله فسال مواهبًا ولمست منصله فسال نفوسا
وكان انتظام بيعته بعد صلاة الجمعة من اليوم الحادي والعشرين من شعبان فلما انتظم الأمر باطنًا وظاهرًا. وجرى القلم بالسعادة أولًا وآخرًا أنفق على العسكر نفقةً جيدة وسار بوالده إلى محروسة تعز فدفن يوم الاثنين الرابع والعشرين من الشهر المذكور. واستمرَّت القراءَة عليه سبعة أيام. ثم برزت أوامره إلى سائر الجهات بتقرير الأحوال واستخدام الرجال وأقام بقية شعبان وشهر رمضان وشوالًا وذا القعدة وصدر ذي الحجة والكتب من كل بلدٍ تصل إليه. والعرب من كل ناحية تفد عليه. وهو يجيب عن كل كتاب بما يقتضي. ويقابل كل واصل إليه بما يحب ويرتضى. حتى استوسقت البلاد دانيها وقاصيها. وأذعنت البرية طائعها وعاصيها. فلما انقضت أيام العيد. عزم على المسير إلى زبيد. فدخلها يوم السادس عشر
[ ٢ / ١٤١ ]
في جحفل ستر العيون غباره فكأَنما يبصرن بالآذان
وفوارس تحيي الحمام نفوسها فكأَنها ليست من الحيوان
وفي سنة تسع وسبعين وسبعمائة برز أمر السلطان بعديد النخيل من وادي زبيد وكان قد تضرر منه أهله وانقرض منه شيء كثير. وكان من جملة المندوبين عبد الرحمن بن الوجيه. فلما تقدم المذكور إلى التخيل من جملة الجماعة المندوبين رأى رجلًا يقطع نخلة مثمرة فعنفه وتوعده ووبخه وتهدده فسقطت النخلة عليه وهو على دابته فقتلتهما معًا فاعتبر به الباقون من أصحابه. والسعيد من وعظ بغيره. فكان عديد النخيل في هذه السنة المذكورة أول حسنة من حسناته. ثم برز أمره العالي على وزيره القاضي تقي الدين عمر بن أبي القاسم معيبد يأمره بالتقدم إلى الأعمال الرحبانية لأمر أوجب ذلك. وكان الوزير المذكور حسن السياسة. كامل الرياسة. فأقام بها مدة يقرر أحوالها. ويستخرج أموالها. ونزل السلطان النخل فأقام فيه مدة. ثم تقدم إلى البحر ثم ارتفع إلى زبيد في آخر شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة.
ولما انقضى رسم النخل بوادي زبيد تقدم السلطان إلى محروسة تعز في آخر الشهر المذكور. ووصل الوزير من الجهات الشامية إلى تعز المحروسة وكان دخوله تعز يوم الثامن من شهر جمادى الآخرة.
ثم عزم السلطان على نزال تهامة فكان خروجه من تعز يوم الاثنين السادس عشر من الشهر المذكور. فأقام فيها بقية جمادى ورجبًا ونصف شعبان. وفي مدة إقامته أَمر القاضي موفق الدين علي بن محمد بن سالم مشدًّا في زبيد وناظرًا بها.
ولما انقضى النصف من شعبان عزم على الطلوع إلى تعز بسبب الصيام فكان جخوله تعز الحادي والعشرين من شعبان المذكور. فأقام بها إلى عيد الأضحى. وكان صيامه رمضان في مدينة تعز. ولما انقضت أيام عيد الأضحى تقدم السلطان إلى زبيد فدخلها يوم السادس عشر من ذي الحجة.
وفي هذه السنة توفي الشيخ الأَجل فخر الدين أبو بكر بن إبراهيم اليونسي
[ ٢ / ١٤٢ ]
بالياء المثناة من تحت. وكان رجلًا فقد طاف المسالك. ودخل عدة من الممالك. فلما وصل اليمن قطن بها وسكن وخدم السلطان الملك المجاهد مدة طويلة. ثم خدم السلطان الملك الأفضل مدة إقامته في الملك وكان حسن المحاضرة. وقد يروى روايات تخرج عن حد العقل عما شاهده من ممالك العجم. وكان وفاته يوم الخامس عشر من شعبان في مدينة تعز دفن بالأجناد رحمه الله تعالى.
وفي هذه السنة أيضًا توفي الأمير نور الدين محمد بن ميكائيل وكان أميرًا جليلًا نبيلًا عالي الشأن حسن السيرة كريم النفس بسط البنان يحب العلماء والصلحاء ويدنيهم من مجلسه ويعطيهم عطاءً جزيلًا ويعظم حالهم. وكان في أيام إمارته وانقياده للدولة الرسولية يقال له ملك الإماء. فلما نزع يده عن الطاعة وادعى السلطنة ونازع السلطان في بلاده وحاربه جهز له السلطان الملك الأفضل جيشًا كثيفًا فاجتثه من أصله وطرده عن البلاد فلم تقم له راية أبدًا. فلاذ بالإمام علي بن محمد الهدري فأعطاه حصن المفتاح وما يضاف إليه يقتاته. فلم يزل به إلى أن توفي. وكانت وفاته ليلة الجمعة السادس عشر من شعبان من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي سنة ثمانين وسبعمائة أمر السلطان بعمارة القصر المسمى دار النصر في ناحية القُوّرِ من زبيد وفيها جرد السلطان عسكرًا كثيفًا إلى بلد المعازبة وكان مقدم الجيش القاضي تقي الدين عمر بن أبي القاسم بن معيبد الوزير فهربوا من الخبت إلى الحازة فتبعهم وضيق عليهم ضيقًا شديدًا وقتل منهم طائفة فتشتتوا في كل ناحية.
وفي هذه السنة تقدم السلطان إلى المهجم فأقام فيها أيامًا قلائل ثم رجع إلى زبيد فأقام إلى سلخ شهر رمضان.
وفي هذه السنة المذكورة صام السلطان في زبيد أول سنة صامها في زبيد. وفي اليوم الثالث من شهر شوال تقدم الركاب السلطاني من زبيد إلى محروسة تعز فأقام بها إلى عيد الأضحى ثم نزل تهامة. وكان نزوله في النصف الأخير من ذي الحجة.
[ ٢ / ١٤٣ ]
وفي هذه السنة توفي الشيخ الصالح تقي الدين طلحة بن عيسى بن إبراهيم ابن أبي بكر بن عيسى الهيار. وكان أحد رجال الطريقة وأصحاب الحقيقة صوامًا قوامًا عابدًا زاهدًا ورعًا مشهورًا له كرامات ظاهرة. وكانت وفاته يوم السادس عشر من شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة. توفي في مدينة زبيد وقبر في مقبرتها الشرقية من ناحية باب سهام وعلى قبره قبة عالية وقبره مشهور يزار ويتبرك به نفع الله به في الدنيا والآخرة.
وفي سنة إحدى وثمانين وسبعمائة اجتمع المماليك الغرباء واختلفوا على أمر لم تظهر لأَحد حقيقته فنظرهم السلطان وهم يلبسون خيلهم ويأخذون سلاحهم فاستغرب أمرهم فأرسل عيونًا له يأتونه بأخبارهم فرفع إليه عيونه وأخبروه انهم على أهبة قتال وجمع سلاح ولكنهم مفترقون في أماكنهم في القرية فأجابهم لعبيد السلاح وغلمان البغلة فقصدوهم إلى أما كنهم قبل أن يجتمعوا فخرجوا على وجوههم هاربين ولزم بعضهم فاتلف وفي ذلك اليوم أمر السلطان بلزم عمه الملك الظافر هاشم بن علي بن داود فاعتقله أيامًا ثم أطلقه وأحسن إليه.
وما العصب الطريف وإن تقوى بمنتصفٍ من الكرم التلاد
وكان ذلك من فعلهم يوم عاشوراء وفي هذه السنة وقع الحريق في مدينة زبيد فحرق السوق كله ومما وازاهُ شرقًا وشمالًا. وحرق في تلك المدة عدة أماكن من زبيد وغيرها وكان الحريق المذكور في شهر المحرم من السنة المذكورة.
وفي هذه السنة أفسدت المعازبة فسادًا شديدًا وقصدوا طريق البحر مرةً بعد أخرى فجرد لهم السلطان عسكرًا من الباب وأمر على صاحب القحمة وصاحب فشال بمواجهة العسكر في يوم معلوم فاتاهم العسكر من كل ناحية ومكان. ولم يكن لهم مهرب إلا البحر فدخلوه فغرق منهم طائفة وسلم الباقون. واستذم أناس منهم وأسر آخرون. وكان مقدم العسكر الأمير سيف الدين بشتك الحاجب فأقام عليهم.
[ ٢ / ١٤٤ ]
يكفكف عنهم سمو العوالي وقد شرقت بطعنهم الشعاب
ومن في كفه منهم قناة كمن في كفه منهم خضاب
فرفع السيف عنهم ورجع إلى السلطان بالرؤوس والأسارى فأمر السلطان بقتل جماعة من الأسارى ممن يعرف بالفساد وأطلق الباقين وأضاف السلطان أمر الوادي رمع إلى الأمير سيف الدين بشتك فاستناب في الجهة المذكورة الفقيه رضيّ الدين أبا بكر بن أحمد بن عبد الواحد وكان فقيهًا حسن السياسة إلا أنه كان ضعيف الفراسة فجعل المعازبة غرضًا لسهامه. وضريبة لحسامه. فشتت جموعهم. وأَخلى ربوعهم. وقتل منهم عدة. في أقرب مدة. وفي العشر الأواخر من شهر ربيع الآخر تقدم الركاب العالي إلى تعز المحروسة فأقام فيها أيامًا. ثم تقدم في عسكره المنصور نحو المخلاف فأخذ مدينة أَب قهرًا بالسيف. ثم سار نحو أرباب فأخاط بها علمًا ثم رجع إلى تعز فأقام فيها أيامًا قلائل. ثم توجه نحو تهامة فدخلها غزة شعبان من السنة المذكورة وكان صيامه رمضان في مدينة زبيد.
وفي هذه السنة أضاف السلطان أمر القحمة إلى الأمير سيفد الدين بشتك فتقدم إليها فقصده المعازبة في جمع كثيف. وقد جعلوا له ثلاثة مكامن في ثلاثة أماكن فخرج إليهم فاستدرجوه إلى أن توسط في المكامن فأحاطوا به وبمن معه فقاتل حتى قتل. وقتل معه يومئذ الفقيه أبو بكر بن أحمد بن عبد الواحد وجماعة من العسكر وكان قتلهم يوم الحادي والعشرين من شوال من السنة المذكورة.
وفي هذه السنة تقدم الأمير فخر الدين ابو بكر بن بهادر السنبلي صحبة المحمل ولعلم المنصور إلى مكة المشرفة وسار بمسيره حج اليمن فحج حجًّا مبرورًا وسعي سعيًا مشكورًا. مصحوب السلامة في ذهابه وإيابه وفي هذه السنة تقدم الركاب العالي إلى ثغر عدن المحروس فأقام فيها أيامًا وأبطل من المكوس المحدثة شيئًا كثيرًا.
وفيها توفي القاضي تقي الدين عمر بن أبي القاسم بن معيبد الوزير وكان أحق من قيل له سيد الوزراء أديبًا عاقلًا مهيبًا جوادًا كريمًا شجاعًا حليمًا
[ ٢ / ١٤٥ ]
لم يحكه الفضل ولا جعفر كلا ولا يحيى ولا خالدُ
كالبدر والبحر وليث الشري والود إلا أنهُ واحدُ
وكان حسن السياسة. كامل الرياسة. له فكرُ ثاقب. ورأْيُ صائب. فصيح اللسان. كثير الفضل والإحسان. سخيًّا وفيًّا. أبيًّا ذكيًّا
أعدى الزمان سخاوةً بسخائه ولقد يكون به الزمان بخيلا
ولي الوزارة في سنة أربع وسبعين وتوفي في المحرم من سنة إحدى وثمانين وعمره أقل من خمسين سنة والله أعلم. وكانت وفاته في مدينة تعز وقبره بالأجيناد. ولما توفي في تاريخه المذكور ولي الوزارة بعده ولده القاضي نور الدين علي بن عمر بن أبي القاسم بن معيبد وكان مدة وزارة القاضي تقي الدين المذكور ست سنين وعشر أشهر وثمانية أيام.
وفي سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة رجع السلطان من عدن إلى زبيد فأقام في زبيد مدة السبوت وغزا بلاد بني ثابت فقبضها وقبض حصن قوارير.
وفي شهر صفر من السنة المذكورة وصل الأمير فخر الدين أبو بكر بن بهادر السنبلي من مكة المشرفة وصحبته محمل الحج والعلم المنصور فوشي به بعض الوشاة إلى السلطان وروي عنه ما كان وما لم يكن فاعتقله السلطان وسجنه فأقام في السجن معتقلًا إلى يوم الخامس والعشرين من شهر رمضان ثم أطلقه. ولما انقضى رسم النخل بوادي زبيد تقدم السلطان إلى تعز فأقام بها وفي أواخر شهر رجب تقدم السلطان إلى مدينة الجوة فأقام فيها وفي البياض إلى الخامس عشر من شعبان. ثم طلع تعز فأقام فيها وصام شهر رمضان هذه السنة في تعز. وفي يوم الخامس والعشرين من شهر رمضان أطلق السلطان الأمير فخر الدين أبا بكر بن بهادر السنبلي من السجن لما تحقق براءَته مما قيل عنه. وكان السلطان ﵀ حليمًا كريمًا متأَنيًا. ولو كان عجولًا لكان قد اتلف طوائف من الناس. وهذه من شيم الملوك قلَّ أن يوجد في الملوك مثله
أمتعنا الله به وزاده في الأرض تمكينًا وعزًّا وعلا
[ ٢ / ١٤٦ ]
ولا أرانا فيه مكروها ولا سوءًا من الأسواءِ ما طيرُ شدا
وتقدم السلطان إلى زبيد يوم الثالث من شوال فدخلها يوم الخامس من الشهر فأقام أيامًا ثم تقدم إلى بلد المعازبة وكانوا على حذر منه. فلما علموا بمسيره إليهم زهدوا في الأموال وتعلقوا برؤوس الجبال فنهب العسكر بلادهم نهبًا شديدًا وحرقت قراهم وكان الوقت غير مساعد فرجع السلطان إلى زبيد ثم طلع إلى تعز في عشر ذي القعدة فأقام بها إلى آخر السنة.
وفي سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة وقع الحريق في زبيد أيضًا في ناحية السوق وكان نحوًا من الحريق الأول فقلَّ من حرق في المرة الأولى وسلم في الثانية وقلَّ من سلم في المرة الأولى وسلم في الثانية فانضر به أناس كثيرون.
وفي هذه السنة استمر القاضي موفق الدين علي بن محمد بن سالم بالأعمال السهامية فأقام فيها بضعة وعشرين يومًا شملهم فيها بالآداب وعذبهم بأنواع العذاب فبلغ عمله إلى السلطان ففصله وأضافه إلى الطواشي أمين الدين أهيف فصادره مصادرة شديدة هلك فيها. وكان وفاته ليلة الحادي والعشرين من شهر ربيع الأول من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي هذه السنة ابطل السلطان في أيم الملك عن الرعية مصالحة العطب وكانت بدعة منكرة أبدعها بعض النواب في أيام الملك الأفضل فأبطلها السلطان وهي من مستحسنات فعله وأعفى أهل القرى من أهل وادي زبيد عن قبال نخل الأملاك السلطانية وكانت بدعة أحدثها بعض النواب أيضًا.
وفي شهر جمادى تقدم السلطان إلى تعز فأقام بها إلى آخر شهر شعبان ثم توجه إلى زبيد فدخلها في آخر شهر شعبان وصام شهر رمضان فيها. فلما انقضى شهر الصيام سار إلى بلاد بني ثابت فاستولى عليها ثم قصد بلاد الركب فتسلمها ثم سار إلى حصن بني عليّ وهو الذي يسمى حصن رأْس وهو في جبل عسر عال مشمخر. وكان قد كثر من أهله الفساد والعصيان والبغي والعدوان فلما قصدهم السلطان في التاريخ المذكور هربوا من الحصن وتركوه خاليًا. فقبضه السلطان ورتب فيه رتبة
[ ٢ / ١٤٧ ]
يحفظونه ورجع ظافرًا منصورًا.
وفي هذه السنة توفي الفقيه شهاب الدين أحمد بن علي بن إبراهيم بن صالح الحضرمي المقري. وكان فقيهًا فاضلًا عارفًا عاقلًا نبيلًا لبيبًا أريبًا حسن الأخلاق لين الجانب محبوبًا عند الناس. وكان مدرسًا في المدرسة الواثقية بزبيد وهي التي يسميها بعض الناس النورية ومعيدًا في المدرسة الأشرفية إلى أن توفي يوم الحادي والعشرين من ربيع الأول من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي سنة أربع وثمانين أمر السلطان بمصادرة الأمير شمس الدين علي بن حسنم السقين. وكان في أول حاله معلمًا للطبردارية ومقدمًا على أهل فنه وقربه السلطان قربًا كليًّا حتى جعله شاد الدواوين وكسب أموالًا كثيرة من وجوه مختلفة فساءَت أخلاقه وكان شرسًا فظًّا وتارةً لينًا سهلًا إلا أنه يحط مقدار ذوي الأقدار وينتهك حرمتهم
ومن جهلت قدره نفسه رأَى غيره منه مالا يرى
فلما تحقق السلطان أمره صرفه عن التصرف وطالبه بما احتجن من الأموال فسلم بعضًا وبعضًا. وساق نقدًا وعرضًا. ثم أمر السلطان بإطلاقه فهرب إلى الحجاز.
وفي شهر جمادى الأولى استمر القاضي وجيه الدين عبد الرحمن بن محمد النظاري وزيرًا. وكان له عدة أعداء فقدحوا فيه عند السلطان فاسود ما بينه وبين السلطان واستوحش منه السلطان فأمره بالانصراف إلى بلاده وهذه شيمة الملوك التأَني في الأمور. فلما أمره السلطان أن يرتفع عن بلاده ارتفع إلى بلاد بني يغنم. فلما علم به الإمام راسله واستدعاه إليه فلما وصل إليه آنسه من نفسه وقدر له ما يقوم بحال كفايته فأقام عنده. ثم تقدم السلطان إلى تعز فأقام بها إلى آخر شهر رجب. ثم توجه إلى زبيد فدخلها غرة شهر شعبان فأقام بها وصام شهر رمضان فيها في الدار المسماة دار التشفيع في القوّر.
وفي هذه السنة وصل عدة من اشرف مكة ومن القواد يريدون الخدمة على
[ ٢ / ١٤٨ ]
باب السلطان فقابلهم السلطان بالقبول التام وأقاموا على الإعزاز والإكرام فلما انقضى شهر شوال طلبوا الفسح في إقبال الحج والموسم فزودهم السلطان وتقدموا في أول شهر ذي القعدة. فلما وصلوا قريبًا من المحالب انحازوا إلى طوائف المفسدين وقصدوا مدينة المحالب في جمع كثيف فخرج إليهم أميرها يومئذ وهو الركن بن الهمام فيمن كان معه لقتالهم فانهزم هو فقتلوه وقتلوا جماعة ممن معه ونهبوا أطراف البلاد. ثم توجهوا نحو حَرَض فخرج إليهم أميرها يومئذ بهادر الشمسي فقتل كبراءَهم وشتت شمل الباقين. ولما علم بهم صاحب مكة منعهم من دخولها فلم يدخل أحد منهم إلا سرًّا.
وفي هذه السنة كتب السلطان رحمه الله تعالى لأصحاب الشرج العليا من وادي زبيد بزيادة معاد في القطيعة وذلك في سبع جهات وهي المأوى والبقر والريان ونابط ومبرج والنقض والبداني صدقة مستمرة. وتصدق على أهل ضاحي جميعًا بان نكون قطيعتهم دينارية في كل معاد واحد إلا ما سقى بالوادي فانه يكون في كل عشرة معاود منه مد ديواني. وهذا معدود من أفعاله الحسان.
وفي هذه السنة توفيت الآدر الكريمة جهة الطواشي جمال الدين طعن الأفضلي الأشرفي والدة مولانا السلطان الملك الأشرف إسماعيل بن العباس وكانت عقيلة الزمن وسيدة نساء ملوك الشام واليمن
وإذا لم تجد من الناس كفئا ذات خدرا أرادت الموت بعلا
وكان لها الآثار الحسنة. والأفعال المستحسنة. ومن مآثرها المسجد الذي ابتنته على باب دارها دار الأمان في ناحية المغربة من مدينة تعز وهو مسجد حسن واسع وجعلت فيه بركة ومطاهر وجرت إليه ساقية من الماء ينتفع به الناس نفعًا عامًا ولها عدة مكارم. وكانت تفعل الخير كثيرًا وعتقت عند موتها كثيرًا من الجواري والخدام وأوصت بصدقة مستكثرة على الفقراء والمساكين وعلى جملة أناس معينين وأوصت بحجة وزيارة.
قال علي بن الحسن الخزرجي عامله الله بإحسانه فندبني السلطان رحمه ال
[ ٢ / ١٤٩ ]
له تعالى للحج عنها والزيارة فزودني أربعة آلاف درهم. ولما رجعت من الحج والزيارة سامحني في خراج ارضي ونخلى يومئذ مسامحة مستمرة مؤَيدة مستقرة. جزاه الله عني افضل الجزاء.
وفي هذه السنة توفي القاضي حمال الدين محمد بن إبراهيم الجلاد. وكان أوحد أعلام الدهر. وأوحد أعيان العصر. وكان فقيهًا عارفًا فاضلًا جوادًا كاملًا له فعلات في الجود مشهورة. ومقامات في الفضل مذكورة. قرأَ على الفقيه علي بن نوح وغيره. وكان بارعًا في علم الحساب والفلك وبنى مدرسة في مدينة زبيد لأهل مذهبه أصحاب أبي حنيفة رحمه الله تعالى. وكان يحب العلماء ويجلهم. ولم يزل في خدمة السلطان حتى ولي السدود الأربعة وأقطعه السلطان الملك الأفضل حَرَض ثم اقطعه فشال. وتوفي وهو ناظر في الثغر المحروس بعدن وولي النظر والولاية بها مدة. ولم يتفق هذا لأحدٍ قبلة. وكانت وفاته في جمادى الآخرة من السنة المذكورة رحمه الله تعالى. ويروى أن ميلاده في سنة أربع وعشرين وسبعمائة والله أعلم.
وفي سنة خمس وثمانين وسبعمائة نزل السلطان تهامة في شهر المحرم فأقام بها. وفي شهر جمادى الأخرى خرج عمران السنجى إلى بلد المعازبة ووافقهم على الفساد في البلاد بعد أن كان أحد خواص السلطان فدل قبح فعله على خبث اصله. فأغار هو والمعازبة في جمع كثيف فخرج سرعان الخيل من العسكر فلحقوهم وقد نهبوا شيئًا من المواشي فعطفت عليهم تلك الجموع فقتلوا أبا بكر بن الدمرداش ودادو بن حسن بن علي الأنف ولزموا خادمًا من الخدام وهو الطواشي صفي الدين جوهر الصيني ومملوكًا وعبدًا حبشيًا فهرب عليهم الخادم ثم عاثوا في البلاد. وأكثروا في الأرض الفساد. وكان الوقت غير مساعد بالخروج إليهم. والمحطة عليهم.
وفي هذا التاريخ استمر القاضي شرف الدين حسين بن علي الفارقي ناظرًا في الثغر المحروس فكان حسن المعاشرة. جيد المباشرة.
وفي شهر شعبان تقدم الركاب العالي من تهامة إلى محروسة تعز فكان صيامه شهر رمضان في مدينة تعز.
[ ٢ / ١٥٠ ]
ووصل الشريف الخطير والأمير الكبير داود بن محمد بن داود بن عبد الله بن يحيى بن الحسن بن حمزة بن سلمان بن حمزة صاحب صنعاء اليمن وسلطان أشراف الزمن. إلى الأبواب الشريفة السلطانية فقوبل بالإجلال والإعظام. والإفضال والإنعام
ولم تزل قلة الإنصاف قاطعة بين الرجال ولو كانوا ذوي رحم
وفي شهر ذي القعدة صادر الطواشي أمين الدين أهيف كاتبه عبد الطيف بن محمد بن مؤَمن مصادرة عنيفة فتوفي في المصادرة في غزة ذي الحجة من السنة المذكورة واستصفى ما ظهر له من ماله.
وفي هذه السنة توفي القاضي شهاب الدين أحمد بن عبد الله التهامي حاكم الشرع بزبيد. وكان أحد الفقهاء المبرزين عارفًا بالمذهب حسن الأحكام تقيًّا غير متهم في شيءٍ. وكان ميلاده سنة إحدى وسبعمائة وتولى القضاء.
ولم يزل قاضيًا إلى أن توفي في السنة المذكورة. وكان معظم أسراره في زبيد وتولى قضاء المهجم نحوًا من ست سنين. وكان أَحد أَفراد الدهر توفي في شهر جمادى الأخرى من السنة المذكورة عن أربع وثمانين سنة ونيف والله أعلم.
وفيها توفي القاضي الأجل شمس الدين محمد بن أحمد بن صقر الدمشقي الغساني وكان فقيهًا نبيهًا عارفًا بارعًا في عدة من الفنون. وكان متولي قضاء الأقضية في قطر اليمن برهة في أيام المجاهد ومدة أيام الأفضل وصدرًا من أيام الملك الأشرف إلى أن توفي في آخر شهر شوال من السنة المذكورة ﵀. واستمر بعده في القضاء الأكبر القاضي وجيه الدين عبد الرحمن بن علي بن عباس المقري وكان كاملًا فاضلًا لبيبًا عاقلًا.
وفي سنة ست وثمانين وسبعمائة تقدم السلطان إلى محروسة زبيد في أول المحرم فأقام فيها. ووصل القاضي وجيه الدين عبد الرحمن بن محمد بن يوسف العلوي من الجهات الشامية وصحبته جماعة من العسكر فلما صاروا في حد بلاد المعازبة انبعثت
[ ٢ / ١٥١ ]
عليهم خيول المعازبة وفيها يومئذ موسى بن العكور رئيس بني يعقوب. فلما رآهم العسكر اخذوا هبتهم للقتال فاقتتلوا ساعة من نهار فقتل ابن العكور واحتزوا رأْسه
يعضدهُ المقدور من بين صحبه على ثقة من دهره وأمانِ
وهل ينفع الجيش الكثير التقاؤه على غير منصور وغير معانِ
فاخذ العسكر رأسه ودخلوا به إلى زبيد في أَخر شهر المحرم من السنة المذكورة.
وفي شهر صفر وصل الأمير شمس الدين علي بن حسن السقيم من مكة المشرفة إلى باب السلطان مظهرًا حسن الرعاية وأكيد الرغبة فقابله السلطان بالقبول فلما اطمأَن به المقام نقل إلى السلطان عنه قبيح الكلام فأمر السلطان بتأْديبه لا بتعذيبه ثم خوطب فيه فعفا عنه وأطلقه
وما قتل الأحرار كالعفو عنهم ومن لك بالحر الذي يحفظ اليدا
وفي هذه السنة أمر السلطان بعمارة قرية معقل التي غربي محل القلقل وأمر أن يكتب لهم منشور بتخفيف القطيعة هنالك في الضاحي والوادي ترغيبًا لهم ليسدوا ذلك الثغر عن تطرّق المفسدين إلى طريق النخل والى الوادي فلم تساعد العمال إلى ذلك مراعاة لشيء آخر.
وفي غرة جمادى الأولى قصد المعازبو طريق النخل في جمع عظيم وكان السلطان يومئذ في أنخل فأمر على العسكر بالخروج في طلبهم فخرجوا سراعًا فهزموهم وقتل من المعازبة عمر بن حسن بن عقد وكان أشجع فرسانهم وقتل معه جماعة منهم واسر ولد عمران السجنى الذي يسمى الوشاح. فلما وصل به العسكر إلى باب الدار أمر السلطان بقتله وقابله بغير المعهود من فعله
وحلم الفتى في غير موضعه جهل
وفي النصف من شهر جمادى الأولى استمر القاضي شهاب الدين أحمد ابن أبي بكر الناشري قاضيًا في مدينة زبيد المحروسة وأعمالها عوضًا عن القاضي إبراهيم بن أحمد التهامي.
[ ٢ / ١٥٢ ]
وفي آخر شهر جمادى الأولى جرَّد السلطان العساكر المنصورة إلى بلد المعازبة وأشعر على صاحب فشال وصاحب القحمة بمواجهة العسكر السلطاني في وقت قد عينه لهم فوصل كل منهم من ناحية وجاءَهم الموت من كل مكان وظنوا إنه أُحيط بهم فانهزموا إلى ناحية البحر فأتلف السيف منهم طائفة والبحر أُخرى وغرق من نسائهم وأبنائهم شيء كثير ففقد منهم عدة بيوت لم يبق من أهلها أحد.
وفي هذا التاريخ استمر القاضي وجيه الدين عبد الرحمن بن محمد العلوي مشدًّا في الأعمال السرددية فأقام هنالك مدة يسيرة وانفصل عنها في أول شهر رجب. وفي شهر رجب استمر القاضي شهاب الدين أحمد بن عمر بن معيبد ناظرًا في الثغر المحروس بعدن فسار سيرة مشكورة. وتوجه السلطان من تعز إلى زبيد يوم السادس عشر من شعبان.
وفي شهر رمضان استمر القاضي وجيه الدين عبد الرحمن بن محمد العلوي في الأعمال اللحجية مستخلصًا للموال. فلما سار نقل عنه السلطان ما غير باطنه وظاهره عليه. فأرسل بعده إلى المتولي بلحج وهو الأمير شجاع الدين عمر بن سليمان الإبي أن يبقى على ولايته ومتى وصل الوجيه العلوي فيقبضه ويتقدم به إلى الثغر المحروس تحت الحفظ. فلما وصل القاضي وجيه الدين إلى حدود البلاد كتب إلى الأمير شجاع الدين الإِبي يعلمه بوصوله إلى الجهة المذكورة فخرج الأمير شجاع الدين الإِبي في عسكر كثيف. فلما توافقا أوقفه على مرسوم السلطان الذي وصله وتقدم به صحبته إلى عدن فلما دخلها سلمه إلى النواب فقبضوه منه وأودعوه السجن هنالك. فأقام هنالك في الاعتقال سنة عشر شهرًا. وصام السلطان رمضان هذه السنة في دار الفوز بزبيد. وفي آخر شهر رمضان وصل الطواشي جمال الدين مرجان بخيل المعازبة بني بشير وطلب لهم من السلطان ذمة فأذم عليهم ذمة شاملة
وحلفهم برد البيض عنهم وهامتهم لهم معه معار
وفي شهر شوال أمر السلطان بعمارة القيسارية في قرية المملاح ليرتفق بها
[ ٢ / ١٥٣ ]
العسكر المقيمون عنده وغيرهم. وتقدم الركاب العالي إلى تعز المحروس في غرة ذي القعدة من السنة المذكورة.
وفي شهر ذي القعدة هذه أمر السلطان بقتل ابن شرف الصنعاني. وكان سفيرًا بينه وبين الإمام قال انه خان في سفارته وأفشى من السرّ ما أودعه السلطان فأمر السلطان بقتله لسوءِ فعله. ومن آداب الملوك أن يغفروا كل جريرة ويعفوا عن صغيرة وكبيرة إلا ثلاثة أشياء فإنها لا تغفر عندهم إفشاء السر والطعن في المملكة وإفساد الحُرَم.
وفي هذه السنة أمر السلطان بالزيادة في المكيال بزبيد وأعمالها. وكان عيار الزيدي السفقري الذي قرره سنقر الأتابك مائتين وأربعين درهمًا فأقام برهة من الزمان على هذا ثم زاد فيه بعض أولي الأمر ثمانين درهمًا فصار عبارة عن ثلاثمائة وعشرين درهمًا. فأقام على هذه الصفة مدة طويلة إلى آخر الدولة المجاهدية. فلما كان سنة إحدى وستين وسبعمائة زاد فيه الجمال ابن العروس وكان يتولى الحسبة بزبيد يومئذ والشهاب بن الخرتبرتي وكان أمير زبيد يومئذ فيه أربعين درهمًا. وكان هذا حد الكلام فيه. ثم لعب به المحتسبون في زبيد فكانوا يزيدون فيه زيادة غير محققة. فلما تفاحش الأمر فيه في الدولة الأفضلية وانتهى إلى الأشرفية لاحظه السلطان رحمة الله عليه وتحقق أن هذا مضر بالرعية ولا مصلحة للديوان فيه قلما ينقل على صورة الأمر أمر ﵀ أن يقرر على أربعمائة درهم وقال إذا بطلنا فحش الزيادات كلها دفعةً واحدةً يكون في ظاهر الأمر فحش ونحن نبطلها أن نبطلها شيئًا فشيئًا. فلما كان ما كان من هذه السنة من ارتفاع السعر وقل وجود الطعام أمر السلطان بأن يكون الزيدي خمسمائة درهم نظرًا منه في تنفيس السعر على الناس في ذلك الوقت. فاستمرَّت الزيادة وانضرَّ بها كافة الحراثين وانتفع غيرهم.
بذا قضت الأيام ما بين أهلها مصائب قوم عند قوم فوائد
وفي آخر السنة تجهز السلطان إلى تهامة فدخلها في آخر شهر ذي الحجة.
وفي سنة سبع وثمانين جرد السلطان الأمير شمس الدين علي بن محمد
[ ٢ / ١٥٤ ]
الواشعي في مائة فارس إلى القحمة معونةً لصاحبها يومئذٍ وهو الأمير بهاء الدين بهادر اللطيفي وأمرهم بالمغار على بني يعقوب فقصدوهم إلى القاهرة وحرقوها ونهبوا أموالهم وشتتوا أحوالهم فطلبوا الأمان على نفوسهم وتسليم الخيل إلى باب السلطان. ووصل مشايخ بني يعقوب فأذم عليهم السلطان وكساهم ثم جرد السلطان الأمير فخر الدين أبا بكر بن بهادر السنبلي للمحطة على أهل الخنكة وتقدم صحبته عسكر من باب السلطان وأضيف إليه الواشعي وأصحابه المذكورون.
وفي هذا التاريخ وصل سلاح الجحفلي إلى باب السلطان على الذمة الشريفة وقابله السلطان بالقبول.
ووصلت الهدية من الديار المصرية يوم الحادي عشر من شهر ربيع الآخر وتقدم الركاب إلى تعز يوم الحادي والعشرين من الشهر المذكور ووصلت رؤوس الجرائح إلى باب السلطان يوم الأحد ثاني شهر جمادى الأولى وأقام السلطان في تعز يوم السادس من شهر جمادى الآخرة ثم توجه نحو تهامة فكان دخوله زبيد يوم العاشر من الشهر المذكور. وفي ليلة الاثنين الثاني والعشرين من الشهر المذكور توفي القاضي نور الدين علي بن القاضي تقي الدين عمر بن أبي القاسم بن معيبد الوزير الأشرفي. وكان رجلًا كاملًا حازمًا عازمًا جوادًا كريمًا ذكيًّا فهيمًا مشاركًا في كثير من العلوم سعيد المباشرة وجيهًا عند السلطان مهيبًا عند أرباب الدولة محبًّا للعلم والعلماءِ حسن السياسة كامل الرياسة.
للشمس فيهِ وللرياح وللسحاب وللبحار وللأسود شمائل
وكانت مدة وزارته ست سنين وأربعة أشهر واثنين وعشرين يومًا.
وفي ليلة الأربعاء الرابع والعشرين من الشهر المذكور استمر القاضي شرف الدين حسين بن علي الفارقي في الوزارة عوضًا عن القاضي نور الدين علي بن عمر بن معيبد.
وفي اليوم الثامن من رجب وصلت هدية صاحب دهلك إلى باب السلطان وفيها فِيَلُ ووحوش وغير ذلك مما يستطرف وتقدم السلطان إلى البحر يوم الثامن عشر
[ ٢ / ١٥٥ ]
فأقام في قرية المتينة أيامًا ثم رجع إلى زبيد يوم الثالث والعشرين من الشهر المذكور.
وفي أول شعبان وصل العلم إلى السلطان أن الإمام في جمع عظيم وإنه يريد الخروج على بعض النواحي. ثم وصلت الكتب أن الإمام يريد الخروج إلى تعز. ووصل الخبر بذلك صبح يوم الجمعة الرابع والعشرين فبرز آخر يومه ذلك. وسار آخر ليلة السبت الخامس والعشرين من الشهر المذكور يريد تعز. وفي ذلك اليوم قصد الإمام جبلة ونهب بعضها وكان أهلها متخاذلين. ودخل السلطان تعز يوم الاثنين السابع العشرين من الشهر المذكور. ولما علم الإمام بوصول السلطان رجع مدبرًا وقد عث عسكره في البلاد فأقام السلطان في تعز وصام رمضان فيها. وفي يوم الخامس والعشرين من الشهر المذكور استمر القاضي وجيه الدين عبد الرحمن بن علي بن عباس وزيرًا وكان إليه قضاء الأقضية كما ذكرنا أولًا.
وفي شهر رمضان المذكور وصل العلم بظهور تيمورلنك التركي واستيلائه على مملكة الشرق وانه متوجه إلى الشام. وفي عيد الفطر من هذه السنة أمر السلطان أولاده بالركوب إلى الميدان ولم يكونوا خرجوا قبل ذلك.
وفي هذه السنة توفي الطواشي أمين الدين أهيف المجاهدي كان رجلًا حازمًا شديد البأس صعب المراس سفًا كافتًا كافظًا غليظًا حازمًا دهيًا أبيًا عظيم الهيبة شديد النفس وكان شجاعًا مقدامًا في الحرب ناصحًا للسلطان خدم أربعة من الملوك وهم: المؤيد والمجاهد والأفضل والأشرف. وكان يجل العلماء ويحترمهم وله مكارم أخلاق وعقيدة صادقة. أقام وليًا في بيد خمس عشرة سنة إلا أيامًا قلائل. وكان قليل الطمع في أموال الناس متدنيًا في نفسه لا يكون إلا على طهارة كاملة لا يعرف شيئًا من النفاق إلا أنه طائش السيف أتلف كثيرًا من الناس بحق وباطل تجاوز الله عنه.
وفي هذه السنة ظهر جواد كثير في اليمن فاتلف معظم زرع البلاد وطائفة من نخل زبيد. وفي غرة ذي القعدة توجه السلطان إلى زبيد فدخلها يوم الخميس من الشهر المذكور.
[ ٢ / ١٥٦ ]
واستمر الطواشي جمال الدين مرجان أميرًا في زبيد يوم السادس من ذي القعدة.
وفي هذه السنة توفي الفقيه الصالح جمال الدين محمد بن يوسف بن إبراهيم بن عجيل وكان رئيسًا في أهل بيته في وقته ذلك لا يشابهه منهم أحد وكان جوادًا كريمًا حسن السيرة متواضعًا تقيًا برًا. وكان وفاته في العشر الأولى من ذي الحجة.
وفيها توفي الفقيه الصلح شهاب الدين أحمد بن الفقيه الصالح رضى الدين أبي بكر بن عبد الله بن محمد بن علي بن إسماعيل الحضرمي. وكان فقيهًا صالحًا تقيًا برًا عارفًا بالمذهب انتهت إليه رياسة التوى في زبيد وكان تفقه بعمه محمد بن عبد الله وغيره وتفقه به كثير من الناس وكان متواضعًا حسن التدريس باذلًا نفسه لمن قصده مختصرًا في دنياه كثيرًا. وكان وفاته يوم السادس من رجب من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي يوم التاسع من الحجة استمر الفقيه الأجل الدين محمد بن عبد الله الريمي في القضاء الأكبر في المملكة اليمنية كان يومئذ أوحد أهل العصر علماُ وأحسنهم فهمًا.
علامة العلماء واللج الذي لا ينتهي ولكل بحر ساحلُ
وفي يوم العشرين من الشهر المذكور تقدم السلطان من زبيد نحو الجهات الشامية فأقام هنالك إلى آخر السنة.
وفي سنة ثمان وثمانين وسبعمائة كان السلطان في الجهات الشامية فأقام إلى يوم عاشوراء وعزم على الرجوع إلى زبيد. فلما وصل في القحمة يوم الثاني عشر خرج صنوه ملك المنصور عبد الله بن العباس يريد التقدم إلى فشال فصادف جمعًا من العرب المفسدين وهو على بغلة منفردًا عن حاشيته وغلمانه ولم يكن عنده منهم إلا نفران فحملت عليه الخيل وكان يظنهم من جملة العسكر فلما حملوا عليه وليس معه سلاح ولا مركوب إلا البغلة التي هو عليها انتزع الدبوس وساق على أحدهم فاعترضه آخر وطعنه طعنة بالرمح فاضت منها نفسه رحمه الله تعالى. فحمل إلى
[ ٢ / ١٥٧ ]
زبيد ثم إلى تعز ودفن في تربة والده وكان دفنه يوم الخامس عشر من الشهر المذكور. وكان دخول السلطان زبيد يوم الأربعاء من الشهر المذكور. فأمر بالقراءة عليه في زيد سبعة أيام في الجامع.
وفي يوم السابع عشر من الشهر المذكور جرد السلطان العساكر إلى بلاد المعازبة فلم يجدوا فيها أحدًا فنهبوا وحرقوا القرى ولم يظفروا بأحد ولا وجدوا أحدًا.
وفي غرة شهر صفر أمر السلطان بكتب منشور لأهل وادي سهام يتضمن الصدقة عليهم بزيادة معاد في القطيعة. فكانت هذه من فعلاته الحسان.
وفي هذا التاريخ أستمر الأمير عز الدين بقية بن محمد بن الفخر واليًا بزبيد فسار بالناس جميعًا سيرة حسنة وارتفق بولايته كل أحد من الناس على اختلاف طبقاتهم. وفي النصف من صفر المذكور أوقع الأمير بهاء الدين بهادر الشمسي بالمقاصرة فقتل منهم طائفة وحمل من رؤوسهم إلى باب السلطان نحوًا من خمسين رأْسًا. وفي الثامن عشر من الشهر المذكور وصل القاضي وجيه الدين عبد الرحمن بن محمد العلوي مطلوبًا إلى باب السلطان وكان في سجن عدن كما ذكرنا أَولًا. فأَذم عليه السلطان وآنسه بنفسه وتحقق السلطان براءَته مما قيل عنه. وكان أحد الرجال الكملة رأْيًا وعقلًا ورياسةً ونبلًا وأَفضالًا وفضلًا.
وفي سلخ صفر نزلت العرب عن الخيل وسلموها إلى الأمير بهاء الدين بهادر الشمسي بعد أن أجلاهم عن أوطانهم وقتل طائفة من فرسانهم.
وفي التاسع عشر من شهر ربيع الأَول وصلت هدية من الديار المصرية إلى السلطان ووصل صحبة الهدية جماعة من عمال الحرير بالإسكندرية.
وفي اليوم الثالث عشر من شهر ربيع الآخر وصل من خيول العرب أربعة وثلاثون رأْسًا أرسل بها الشمسي ووصل هو بالباقي يوم السادس عشر ووصل بأموال الجهة الشامية. وفي اليوم التاسع عشر من الشهر المذكور وقع حريق في الثغر المحروس بعدن وكان حريقًا شديدًا فاتلف من المدينة شيئًا كثيرًا من البيوت والأموال
[ ٢ / ١٥٨ ]
ولم يعلموا سببًا حتى قلَّ من قال أن ناره نزلت من السماء وقدرة الله أَعظم من ذلك.
وكان نزول السلطان النخل يوم السبت الرابع من جمادى الأولى فأقام في النخل والبحر إلى يوم العشرين من الشهر المذكور. ورجع إلى زبيد فأقام بها إلى الخامس والعشرين. وتقدم إلى تعز مصحوبًا بالسلامة فكان دخوله تعز يوم الأحد الرابع من جمادى الآخرة.
وفي سلخ جمادى الآخرة ثارت الفتنة بين أهل جبلة وأهل التعكر وغيرهم فاقتتلوا قتالًا شديدًا أول يوم ثم في اليوم الثاني انهزم جبلة هزيمة شنيعة ونهبت المدينة وانتقل عنها بعض أهلها إلى إِبّ.
وفي شهر رجب أوقع الأمير بهاء الدين الشمسي بالواعظات فقتل منهم طائفة واسر طائفة وكانوا قد مدوا أيديهم في الفساد وقطع السبيل. فلما أوقع بهم أقمعوا. وفي يوم العشرين من شعبان توفي الأمير الكبير الشريف الحسيب النسيب شهاب الدين أبو سليمان أحمد بن عجلان بن رميثة بن أبي نمى صاحب مكة حرسها الله تعالى. وكان أميرًا جوادًا كريمًا سيدًا حليمًا حسن السيرة في البلاد والعباد. وفي أَيامه رغب كثير من التجار في سكنى مكة لعدله وحسن سيرته. ولما توفي في التاريخ المذكور قام بعده ولده محمد بن أحمد وكان أبوه في مدة حياته قد حبس جماعة من الأشراف أحدهم عنان بن مغامس بن رميثة وابن عمه بقية بن رميثة ومع أحدهما ولد له. وكانوا قد غيروا على الشريف أحمد في البلاد بعض غيار فنفروا عنه وخرجوا عن مكة خائفين له فتبعهم أخوه محمد بن عجلان إلى الموضع الذي هم فيه ورادوهم على الرجوع فلم يطمئنوا فكفل لهم عن أخيه الرضا التام وانهم لا يأتيهم منه ضرر أبدًا فرجعوا إلى مكة. فلما صاروا في مكة أمر الشريف أحمد بلزمهم وبحبسهم فأتاه أخوه فقال له أني كفلت لهؤلاء القوم عنك فلا تخيبني معهم فإما أن ترضى عنهم وإلا فاتركهم يرجعوا إلى الموضع الذي كانوا فيه ثم رأْيك بعد. فلم يفعل هذا ولا هذا. فقال له أخوه إذا لم تفعل شيئًا من هذا فاحبسني معهم فإني الذي أتيت بهم فأمر
[ ٢ / ١٥٩ ]
بحبسه معهم. فأقاموا في الحبس سنتين أو ثلاث سنين في حياة الشريف أحمد. فلما توفي في التاريخ المذكور وتولي بعده ولده محمد كما ذكرنا أشار على الولد من أشار بكحلهم. وكان قد هرب من الحبس عنان بن مغامس فأمر الشريف محمد بن أحمد بكحل الباقين فكحلوا في محبسهم في يوم واحد من غير جرم يوجب ذلك.
وفي هذه السنة صام السلطان في مدينة تعز. وفي غرة شهر رمضان المذكور أمر السلطان القاضي موفق الدين علي بن أحمد الضرغاني ناظرًا في الثغر المحروس والأمير بدر الدين محمد بن علي الشمسي أميرًا فيها.
وفي أثناء شوال تقدم السلطان إلى زبيد فدخلها يوم الرابع عشر من شوال. فلما كان يوم الثامن من القعدة حرقت قرية المملاح الأسفل بزبيد حريقًا شديدًا أهلك فيه جماعة من الآدميين وتلف مال كثير من الصامت والناطق. واتفق أن وقع والناس غائبون عن منازلهم في صلاة الجمعة فلم يدركوا منها شيئًا.
وفي غرة ذي الحجة حمل كتاب التفقيه في شرح التنبيه تصنيف القاضي الأجل جمال الدين محمد بن عبد الله الريمي على رؤوس المتفقهة من بيت المصنف إلى مقام السلطان مرفوعًا بالطبلخانة. وكان أربعة وعشرين جزءًا فحباه السلطان بثمانية ألف درهم إعظامًا للعلم ورفعًا لدرجته إذ هو بركة الدنيا والآخرة.
وفي هذا التاريخ قتل الشريف جمال الدين محمد بن أحمد بن عجلان صاحب مكة المشرفة. وذلك أن الشريف عنان بن مغامس لما هرب من حبس مكة بعد وفاة ابن عمه أحمد بن عجلان كما ذكرنا آنفًا تقدم إلى مصر وحضر في مقام السلطان وحقق له ما كان من فعل الشريف محمد بن أحمد لما توفي والده الشريف أحمد بن عجلان وكونه كحل الجماعة المذكورين وهم رحمه وذرية رسول اله ﷺ وفي بلد الله الحرام ولم يكن لهم سابقة توجب ذلك. فلما سمع السلطان مقالته ولاه أمر مكة فرجع عنان إلى مكة صحبة أمير الحج. فلما صاروا قريبًا من مكة خرج الشريف محمد بن أحمد بن عجلان ليلتقي المحمل السلطاني جريًا على العادة. فلما ترجل للسلام كما جرت العادة قتل وهرب غلمانه وخدمه وعبيده ومن
[ ٢ / ١٦٠ ]
معه من بني عمه. فانتهب كثير من الحج في ذلك اليوم. ودخل عنان مكة أميرًا وأشرك معه في الأمر ابن عمه محمد بن عجلان وقد صار مكحولًا.
وفي هذه السنة توفي الملك المسعود عبد الله بن السلطان الملك المجاهد وكانت وفاته في قرية السلامة من بادية حيس يوم التاسع والعشرين من المحرم أول السنة المذكورة.
وفيها توفي الفقيه جمال الدين محمد بن علي بن ثمامة. وكان فقيهًا صوفيًّا ناسكًا حسن السيرة متواضعًا. واستمرَّ مدرسًا في المدرسة النظامية بزبيد بعد أبيه إلى أن توفي. وله مصنفات في الحقيقة واختصر المنهاج للنواوي والمعين. وكان من مشايخ الصوفية توفي في آخر صفر من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه البارع تقي الدين عمر بن سعيد التعزي عن ثمان وثمانين سنة. وكان فقيهًا عالمًا جيدًا حسن التدريس عارفًا بالشرع والفرائض حسن الخلق متواضعًا تفقه به طائفة من الناس وولي القضاء في مدينة تعز مدة طويلة واستمرَّ مدرسًا في المدرسة المظفرية في معزبة تعز إلى أن توفي يوم الحادي عشر من شهر ربيع الأول من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الشيخ الصالح حسان بن الشيخ الصالح بكر بن محمد بن حسن ابن مرزوق الصوفي. وكان رجلًا صالحًا تقيًّا متواضعًا حسن السيرة قانعًا رحمه الله تعالى. توفي يوم الخامس عشر من شهر ربيع الأول من السنة المذكورة.
وفيها توفي القاضي رشيد الدين عمر بن أحمد الشتيري. وكان أحد غلمان السلطان. وصدور الأعيان. ولي شد الاستيفاء واقطعه السلطان الملك الأشرف وادي رمع وحمل له حملًا وعلمًا. وكان عفيفًا عالي الهمة حسن المباشرة إلا أنه غير متعلق بشيءٍ من العلوم توفي يوم الخامس من شهر جمادى الأولى من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الأمير الكبير الشريف الأجل الخطير الحسن بن إدريس الحمزي. وكان أَحد الشرفاء الأجواد. والرؤَساء الأَمجاد. وأمر السلطان بالقراءَة عليه في تعز
[ ٢ / ١٦١ ]
ثلاثة أيام. وكانت وفاته في شهر رمضان من السنة المذكورة.
وفيها توفي الأمير الكبير الأجل الخطير الشريف المعظم سلطان الأشراف داود بن محمد بن إدريس بن عبد الله بن يحيى بن الحسن بن حمزة بن سليمان ابن حمزة صاحب صنعاء. وكانت وفاته في قرية المملاح بزبيد فجهزه السلطان بأربعة آلاف درهم ومر بدفنه في تربة قد دفن السلطان فيها بعض ولده وصلى عليه الوزير وحضر دفنه السلطان فمن دونه من سائر الناس ونزل قبره الفقيه سراج الدين عبد اللطيف بن أبي بكر الشرجي وأضجعه فيه السلطان وفقه الله على شفير القبر. وكان شريفًا جوادًا عالي الهمة توفي يوم الثامن عشر من ذي القعدة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الصالح عفيف الدين عبد الله بن الفقيه الصالح حسن ابن إبراهيم بن أبي السرور. وكان أوحد عصره علمًا وعملًا ورياسة ونفاسة وكان له قبول عند كافة الناس على اختلاف حالاتهم. توفي في ذي الحجة من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الصالح المشهور جمال الدين محمد بن عيسى الزيلعي العقيلي صاحب الحية. وكان أروع أهل العصر وأشدهم خوفًا لله تعالى قلَّ أن يأتي الزمان بمثله رحمه الله تعالى.
وفي سنة تسع وثمانين وسبعمائة تقدم الركاب العالي إلى تعز المحروس فدخلها يوم الثالث من المحرَّم. وفي آخر الشهر المذكور وصل الأمير بهاء الدين الشمسي إلى الأبواب السلطانية بما صحبه من أموال الجهة الشامية وصحبته من التحف والهدايا شيء كثير فأمر السلطان على كافة العسكر أن يخرجوا في لقائه فخرجوا وكان السلطان في دار الشجرة.
وفي شهر صفر افتسَحَ الأشراف الحمزيون من السلطان وأرادوا الرجوع إلى بلادهم ففسح لهم وزوّدهم بستة وخمسين ألف درهم من الجدد الأشرفية.
وفي شهر ربيع الأول اصطلح الإمام همدان وسلموا إليه القلعة وفيرة ولم يبق تحت أيديهم إلا ذمرمر. وكان رئيس الإسماعيلية يومئذ الشيخ فخر الدين
[ ٢ / ١٦٢ ]
المدعي في الجزيرة اليمنية عبد الله بن علي بن محمد الأنف. وفي السابع والعشرين تقدَّم السلطان إلى تهامة. وكان دخوله زبيد يوم الثالث من شهر ربيع الآخر فأقام بها إلى يوم السادس عشر من الشهر المذكور وتقدم إلى الدار المسمى سرياقوس في رأْس الوادي زبيد فأقام هنالك آثام ثم رجع إلى قصره في دار النصر يوم التاسع عشر. وكان ابتداء السبوت يوم الثاني والعشرين منه. ونزل السلطان النخل يوم السبت الثامن من شهر جمادى الأولى. ثم سار إلى البحر يوم الأحد التاسع فأقام به إلى يوم الجمعة الثالث عشر ثم رجع إلى النخل.
وفي شهر جمادى الأخرى وقع حريق في زبيد في ناحية متاجر حسان يوم التاسع منه.
وفي هذا التاريخ تقدم الأمير بهاءُ الدين الشمسي إلى بلاده. وتقدم الأمير فخر الدين السنبلي إلى الجثة مقطعًا بها. وتقدم السلطان من النخل إلى زبيد يوم الخامس عشر. وفي اليوم الثالث عشر وصلت خزانة جيدة من الأمير البهاءِ الشمسي ووصل معها من رؤوس المفسدين نحو من خمسين رأْسًا. وفي اليوم الثاني والعشرين تقدم السلطان من زبيد إلى محروسة تعز فكان دخوله تعز أول يوم من رجب.
وفي يوم الجمعة من شعبان وقع في نواحي زبيد مطر شديد واظلم الجو نصف النهار قبل صلاة الجمعة وحصل برق يومئذٍ في ناحية صمع من وادي رمع فأصاب ثلاثة تفر كانوا تحت شجرة هنالك فهلكوا لفورهم.
وفي النصف من شهر شعبان حصل في نواحي عدن زلازل شديدة وأَقامت أيامًا وسقط بعض دور عدن وفزعوا عند ذلك إلى تلاوة القرآن وقراءَة البخاري من حديث رسول الله ﷺ.
وفي الخامس من شهر رمضان وصل القاضي نور الدين علي بن عمر المحلي التاجر الكارمي بهدية جليلة من الديار المصرية إلى السلطان فأكرمه السلطان غاية الإكرام.
[ ٢ / ١٦٣ ]
وفي رمضان المذكور قصد الإمام مدينة رَيام فنهب منها مالًا جليلًا وقتل من أهلها طائفة وقتل من أصحابه طائفة. ولما رجع الإمام عنها قصد عسكره أريابًا فأتلفوا زرعه وقاتلهم أهل أرباب وقتلوا منهم جماعة ونهبوا كثيرًا من خيامهم وأزوادهم وأَثقالهم.
وفي الثالث من شوال تقدم السلطان الجوة فأقام فيها أيامًا وأَمر القاضي شرف الدين حسين بن علي الفارقي ناظرًا في الثغر المحروس بعدن عوضًا عن القاضي موفق الدين الضرعاني. واستمرَّ القاضي شمس الدين علي بن محمد بن حسان أميرًا هنالك. ووصلت هدية من دَهلك فيها فيل وزارفة ونعامة ووحوش مختلفة.
وفي شهر ذي القعدة جمع الإمام عساكر المشرق وسار بهم نحو عدن فكان وصوله لَحج يوم الأحد الثالث عشر من ذي القعدة وزحف عسكره إلى عدن فخرج إليهم أهل عدن فقاتلوهم قتالًا شديدًا وقتل من عسكره طائفة وطائفة من أهل عدن أيضًا وكان ارتفاعه عن عدن يوم الخامس والعشرين من الشهر المذكور. وقد أُصيب رجل من أصحابه كان فارسًا شجاعًا مقدامًا أصابه منهم على باب عدن فمات آخر يومه أو آخر ليلته والله اعلم. ووقع في أصحه مرض شديد وموت ذريع فاستمرَّ راجعًا إلى بلاده لا يلوى على شيءٍ.
وفي هذه السنة وصل الشريف علي بن عجلان من الديار المصرية بعسكر جيد وقد ولي الإمارة في مكة المشرفة. وكان وصوله إليها في العشر الأول من ذي الحجة. فلما علم ابن عمه عثمان بن مغامس بوصوله هرب من مكة وتركها ودخلها عليُّ بن عجلان مستمرًّا.
وفي سنة تسعين وسبعمائة أمر السلطان بعمارة الجامع في المملاح. وكان احتطاطه يوم الخميس الخامس عشر من المحرم. وتقد السلطان إلى سرياقوس من وادي زبيد يوم الثالث والعشرين من الشهر فأقام أيامًا هنالك إلى يوم التاسع والعشرين منه ووصلت رؤوس الواعظات. وكان قد أوقع بهم ابن العلوي. وفي
[ ٢ / ١٦٤ ]
سلخ الشهر المذكور رجع السلطان إلى دار النصر.
ووصل العلم في التاريخ المذكور بوصول الأشراف إلى حَرض فجرَّد لهم السلطان الأمير بدر الدين محمد بن علي بن الشمسي والأمير بهاء الدين بهادر الشمسي. وفي النصف من شهر صفر وصل الأمير فخر الدين أبو بكر بن بهادر السنبلي من الجثة برؤوس جماعة من المفسدين وبجماعةٍ من الأسارى فأمر بهم السلطان إلى السجن.
وفي يوم الرابع والعشرين من شهر صفر فصل القاضي شهاب الدين أحمد ابن أبي بكر الناشري عن القضاء بزبيد. واستمر عوضه بن عمه القاضي جمال الدين محمد بن عبد الله الناشري.
ووصل الأمير بدر الدين محمد بن علي بن إياس إلى باب السلطان من تعز فلما كان غرة شهر ربيع الآخرة أمرهُ السلطان مقطعًا في وادي رمع.
وفي اليوم الرابع عشر من الشهر المذكور وصل العلم بدخول العسكر المنصور حرَض وخرج المفسدين منها.
وفي ليلة الخامس عشر من الشهر المذكور حرق طائفة من قرية المملاح بزبيد حريقًا شديدًا وحرق في هذه السنة عدة من الأماكن.
وفي يوم السابع عشر من الشهر المذكور أمر السلطان بإعادة القاضي شهاب الدين أحمد بن أبي بكر الناشري على القضاء بزبيد وأعاد ابن عمه القاضي جمال الدين إلى مكانه بالأعمال التهامية. وكان كل واحد منهما محبوبًا عند أهل بلده.
وفي الحادي والعشرين من الشهر جاءَ وادي زبيد بسيل عظيم حتى قيل انه كان نحوًا من أربعة أَنواع وجاءَ نحو النخل فاتلف كثيرًا منه بعد أن أتلف جانبًا من محل ماتع ومحل حرين وشرذمة من الحجوف استولى على بيوتهم ودوابهم وبعض أهل يهم ولم يترك من نخل المغرس إلا قليلًا. وكان سيلًا عظيمًا لا يُعهد مثله.
ووصل صاحب مَشَار إلى باب السلطان في عدد كثير من أصحابه فقابلهم السلطان بالإنعام العام والتفضل والإكرام. وكان وصوله في اليوم الثاني والعشرين
[ ٢ / ١٦٥ ]
من الشهر المذكور.
وفي يوم الرابع عشر من شهر جمادى الأولى حصلت مشاجرة بين الأمير بزبيد هبة بن الفخر وبين حاكم الشريعة المطهرة في زبيد على أْرض من أراضي الوادي زبيد كل منهما يريد أن يزرعها لنفسه فكان القاضي يرسل شركاءَه إلى الأرض والأمير يرسل غلمانه يمنعونهم من حرثها. فلما كان في التاريخ المذكور خرج القاضي وشركاؤه وجماعة من أعوانه. فأرسل الأمير جماعة من غلمانه وأمرهم بمنع الشركاء فلم يمتنع القاضي ولا من معه فبطش بهم غلمان الأمير وطردوهم عن الموضع وضربوا القاضي وجرحوه ثلاث جراحات وكان السلطان يومئذٍ في النخل فلما بلغه العلم على زيادة ونقصان وصل بنفسه إلى زبيد آخر يوم الخامس عشر من الشهر المذكور. فلما تحقق الأمر على جليته فصل الأمير عن الولاية بزبيد لإهماله الشريعة المطهرة وتفريطه في الخصوم وصادره بثلاثة آلاف دينار عن كل جراحة ألف دينار تأديبًا له وقيامًا بما يجب من حق الشرع الشريف.
واستمر الطواشي مرجان أميرًا في زبيد في التاريخ المذكور. وفي يوم السابع عشر من الشهر المذكور وصل عمران السجي أبو بكر بن سبا إلى باب السلطان على ذمة الأمير بهاءِ الدين اللطيفي فقابلهما السلطان بالقبول. وأقام السلطان في زبيد إلى يوم السبت الرابع والعشرين من الشهر المذكور ثم تقدم إلى النخل فأقام فيه أيامًا ثم سار إلى البحر وفي سلخ الشهر المذكور أعاد السلطان الأمير عز الدين على ولايته في زبيد لما علم السلطان من حسن سيرته في الناس ومحبتهم له. وكان رجوع السلطان من البحر. ووصلت كتب الوزير القاضي وجيه الدين عبد الرحمن بن علي بن عباس تخبر بحركة عسكر من المشرق. فجرد السلطان الطواشي جمال الدين ثابتًا والأمير بدر الدين محمد بن علي بن إياس إلى تعز.
وفي هذا التاريخ جرد السلطان الأمير غياث الدين عيسى بن محمد بن حسان إلى الجهات الشامية لاستخراج الأموال من تلك النواحي. وكان أميرًا شهمًا خيرًا. وأمر القاضي شهاب الدين أحمد بن عمر بن معيبد لاستخراج مال النخل من الجهات
[ ٢ / ١٦٦ ]
الموزعية فتقدما يوم الثلاثاء الرابع من شهر جمادى الآخرة.
وفي يوم الخامس من الشهر المذكور وقع حريق في دار السلطنة فتشعث منه مواضع كثيرة.
وفي يوم التاسع من الشهر المذكور تقدم السلطان إلى البحر وحضر مشايخ الصوفية بأسرهم إلى هنالك لإقامة سماع المحيا على ساحل البحر في الليلة العاشرة من الشهر المذكور. وأقام السلطان على البحر إلى يوم الأحد السادس عشر وتقدم إلى زبيد.
ووصل الأمير غياث الدين عيسى بن محمد بن حسان بأموال الجهات الشامية ووصل بثلاثين رأسًا من جياد الخيل. ووصل القاضي شهاب الدين أحمد بن عمر بن معيبد بأموال الجهات الموزعية. وتقدم السلطان إلى تعز يوم الاثنين الخامس عشر من رجب.
وفي غرة شعبان أَغار عسكر من الأشراف على بعض جهات المحالب فاستاقوا أموالها فأغار عليهم الأمير بهاء الدين اللطيفي. وكان يومئذ أميرًا بالمحاب فاستنقذ المال ولزم منهم نفرين أحدهما ولد محمد بن سليمان بن مدرك والآخر ولد يوسف بن حسن وأرسل بهما تحت الحفظ إلى باب السلطان فأودعهما السلطان دار الأدب.
وفي هذا التاريخ أَغار الأمير بدر الدين حسن بن الخراساني على أهل الحنكة وقد بلغه الخبر أن بعض أشراف المشرق وصل إليهم بخيل اشتروها فهجم عليهم الأمير ولزم الشريف المذكور وأرسل به إلى الباب الشريف وقتل منهم جماعة.
وفي النصف من شهر شعبان وصلت هدية الأمراء أصحاب حلي بن يعقوب على يد القاضي حسام الدين عيسى بن عبد الله بن الهليس.
وفي اليوم الرابع من رمضان استمرَّ القاضي عفيف الدين عبد الله بن محمد الجلاد ناظرًا في الثغر المحروس عوضًا عن القاضي شرف الدين حسين ابن علي الفارقي.
وفي اليوم السادس عشر من الشهر المذكور وصل القاضي برهان الدين
[ ٢ / ١٦٧ ]
إبراهيم بن عمر المحلي المصري التاجر الكارمي بهدية جليلة المقدار فيها من المأكول والمشروب والملبوس والمشموم ومن التحف شيء كثير ومن الخيل والبغال وكلاب الصيد وسباع الطير ما يستحسن ويستطرف شيء كثير. وصام السلطان هذه السنة في تعز المحروس.
فلما كان يوم الرابع من شوال تقدم إلى تهامة فكان دخوله زبيد يوم العاشر من الشهر المذكور فأقام بها إلى سلخ الشهر المذكور.
وفي النصف الأخير من شوال برز مرسوم السلطان بان يجعل وعد زبيد يوم الخميس وكان وعدها وسوقها يوم الجمعة وكان كثير من الناس يتعلقون بالبيع والشراء عن حضور الجمعة فأمر السلطان بتغييره لذلك.
وفي ليلة الثامن عشر من ذي القعدة وقع مطر عظيم ورياحُ شديدة في ناحية الحجاز مما يلي حلي ابن يعقوب فغرق في تلك الليلة من سفائن الحجاج السائرين في البحر إلى مكة المشرَّفة ثمانية عشر سفينة وقيل إِحدى وعشرون فيما بين مكة وحلي ابن يعقوب. وهلك فيها طائفة عظيمة من الناس وتلفت أموال جليلة.
وفي يوم الجمعة السابع والعشرين من ذي القعدة المذكورة أُقيمت صلاة الجمعة في الجامع المبارك الذي أنشأَه مولانا السلطان في القُوّر وقد تقدم تاريخ عمارته واختطاطه.
وفي سلخ ذي القعدة استمرَّ القاضي سراج الدين عبد الطيف بن محمد بن سالم مشدًّا في وادي زبيد بعد أن كره ذلك فلم يقبل منه فامتثل الأمر. وكان أوحد رجال العصر خبرةً واجتهادًا ونصحًا ورشادًا فظهر من نصحه واجتهاده ما لا يتصوَّر من أَحد قبله فأضاف إليه السلطان كثيرًا من الوظائف فقام بالجميع قيامًا مرضيًّا.
وفي غرة ذي الحجة استمرَّ القاضي شرف الدين أبو القاسم بن عمر بن معيبدٍ ناظرًا بالثغر المحروس عوضًا عن القاضي عفيف الدين عبد الله بن محمد الجلاد. وتقدم الركاب العالي من زبيد إلى تعز المحروس يوم الجمعة الخامس والعشرين من
[ ٢ / ١٦٨ ]
ذي الحجة فكان دخوله تعز يوم الاثنين الثامن والعشرين من الشهر المذكور.
وفي هذه السنة توفي الفقيه شهاب الدين أحمد بن محمد المتيني وكان فقيهًا مجودًا في مذهب الإمام أبي حنيفة عارفًا بالنحو والفرائض والقراءَات السبع. وكان أَديبًا جيدًا تقيًّا حسن السيرة أَخذ الفقه عن الفقيه أبي يزيد وكذا الفرائض أيضًا عنه وكان مدرسًا في مدرسة ابن الجلاد وناظرًا إلى أن توفي. وكانت وفاته يوم الخامس عشر من شهر ربيع الأول من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الصالح عفيف الدين إبراهيم الجبلي. وكان في أول أمره سفلوتًا يخدم من جملة العسكر ثم ترك الخدمة وحمل السلاح وأَقبل على عبادة الله تعالى والانقطاع إليه. وكان زاهدًا وظهرت له كرامات كثيرة واستوطن في آخر عمره بيت حسين وترك زبيد ولم يزل هنالك إلى أن توفي في اليوم الثاني عشر من شهر رجب من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الشيخ الصالح أبو بكر بن محمد بن سلامة الساكن في موزع وكانت موطنه. وكان رجلًا صالحًا ناسكًا فقيهًا حسن السيرة له كرامات كثيرة. وكان كثير الحج والزيارة قد زبيد في آخر شوال من السنة المذكورة فأقام بها إلى السابع من ذي القعدة ثم تقدم إلى بلاده موزع بعد أن صلى الجمعة في زبيد فتوفي يوم الأحد التاسع من ذي القعدة في أثناء الطريق فحمل إلى قريته موزع فدفن بها يوم الاثنين العاشر من ذي القعدة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي القاضي الأجل الوزير وجيه الدين عبد الرحمن بن علي بن عباس المقري. وكان خير وزير. وكان فقيهًا نبيهًا عارفًا بارعًا حليمًا ذكيًّا متضلعًا مشاركًا في كثير من العلوم عارفًا بالشرع والنحو والفرائض يقول شعرًا حسنًا. وولي كتابة الإنشاء في الدولة الأفضلية ثم قضاء الأقضية في الدولة الأشرفية ثم تولى الوزارة فيها. وكان مألفًا للأصحاب توفي يوم الرابع والعشرين من شهر ذي الحجة فكانت وزارته ثلاث سنين وثلاثة أشهر وثلاثة أيام رحمه الله تعالى.
وفي سنة إحدى وتسعين وسبعمائة تقدم السلطان إلى بلاد صهبان وأمر بالمحاط
[ ٢ / ١٦٩ ]
عليها فنهب العسكر من بلادهم شيئًا كثيرًا وقتلوا منهم جماعة فطلبوا الذمة من السلطان فأجاباهم إلى ذلك وسلموا الرهائن فأمر برفع المحاط عنهم ورجع السلطان إلى تعز فدخلها في النصف الأخير من شهر صفر وأقام أيامًا وتقدم نحو تهامة يوم الجمعة الثاني والعشرين من صفر فدخل زبيد يوم السبت الثالث والعشرين من الشهر المذكور فأقام في زبيد أيامًا وأرسل لنواب الجهات الشامية فوصلوا يوم الأحد التاسع من شهر ربيع الأول.
وفي هذه السنة استمر القاضي شهاب الدين أحمد بن عمر بن معيبد وزيرًا. كان استمراره يوم السبت الثاني من شهر صفر من السنة المذكورة.
ووصل الأمير بدر الدين الخراساني صاحب القحمة والقاضي وجيه الدين عبد الرحمن بن محمد العلوي صاحب الكدراء يومئذٍ والأمير بهاء الدين اللطيفي صاحب القحرية. فلما خليت الجهات الشامية من العساكر نزل عسكر من أصحاب الإمام في النصف من شهر ربيع الأول فأخربوا الجهات الشامية وانضم اليهم كثير من طوائف الفساد فقويت شوكتهم ونزل الإمام في جيوش المشرق فارتفع صاحب حرض وصاحب المحالب وصاحب المهجم ووصلوا جميعًا إلى باب السلطان في يوم الثامن عشر من الشهر المذكور. وكثرت الأراجيف في البلاد فأمر السلطان وهو يومئذ في زبيد بعمارة الخندق الثاني وهو الذي كان دفنه الأهيق ثم عمر السوي الثاني الذي على الخندق الثاني. وكان ابتداء العمارة في يوم التاسع عشر.
فلما كان يوم الثالث والعشرين من الشهر المذكور أمر السلطان أمراء الجهات بالانصراف إلى جهاتهم فتقدموا في التاريخ المذكور.
وفي غرة شهر ربيع الآخر جهز السلطان عسكرًا جيدًا ومالًا فلما وصل إليهم كان مقر العسكر في حدود القحرية. فلما تتابعت الإمدادات ارتفع المفسدون عن البلاد. وكان وقت ارتفاعهم يوم الاثنين الثامن من شهر ربيع الآخر بعد أن قتل منهم في أبيات حسين نحو من خمسين رجلًا.
ورتب السلطان الفقهاء المدرسين في الجامع المبارك الأشرفي بقرية المملاح
[ ٢ / ١٧٠ ]
وأمرهم بالتدريس جمع الطلبة ونشر العلم وكانوا ستة مدرسين مقري الكتاب الله تعالى بالقراءات السبع. ومحدث بأحاديث رسول الله ﷺ. ومدرس في الشرع الشريف على مذهب الإمام أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن إدريس الشافعي. ومدرس في الفرائض. ورتب مع كل واحد منهم جماعة من الطلبة ورتب فيه إمامًا ومؤذنين وقيمين وخطيبًا ومعلمًا يعلم الأيتام القرآن وشيخًا صوفيًا.
قال علي بن الحسن الخزرجي وكنت أحد المدرسين المرتبين فيه لإقراء القرآن بالقراءات السع فأعجبني ما رأيت من اجتماع العلماء في الجامع المذكر واشتغال كل طائفة بما ندبت له فقلت في ذلك:
ضحك الزمان بواضح الثغر مستبشرًا بالعز والنصر
في دولة زادت زبيد بها شرفًا على بغداد بل على مصر
بالأشراف الملك الذي ذكرت أيامهُ في سالف الدهر
من لا شبيه ولا نظير له واسأَل ملوك العصر في العصر
هذا الذي تعنو الملوك له وتظل تحت النهي والأمر
ملكُ كريم النبعتين معا من سرّ غسانٍ ومن فهر
لا شيرويه ولا بويه ولا زنكي ولا ريزي وسل تدري
عباس الهزبر ومن في الناس كالعباس ذي البشر
وعلى من كعليّ لا أحد يشبهه في المعروف والنكر
وكذاك داودُ ويوسفهُ ناهيك من بحر ومن بر
وكذا أبو الفتح الرضي عمرُ وعلُّيه ورسول ذو القدر
أكرم بهم من سبعةٍ نسقًا كالسبعة الأفلاك إذ تسري
غرُّ بهاليلُ غطارفهُ من جَفنةٍ لغطارفٍ غُر
أيامهم غرُّ محجلةٌ بفعالهم والحمد والشكر
ولأَنت شمسهمُ وبدرهمُ لا زلت مثل الشمس والبدر
[ ٢ / ١٧١ ]
يا سيد العربين دعوة ذي ودٍّ وذي حمدٍ وذي شكر
يا من تَتوَّج بالمفاخر لا بالدرّ والياقوت والشذر
وحمى ثغور المسلمين معًا بالبيض والعسَّالة السمر
وبعزمةٍ جفنيةٍ صدمت بَوميضها برقوق في مصر
والناس في أَمنٍ وفي دعةٍ والذيب يرعى الشاء في القفر
والعلمُ عزَّ وعزَّ حاملهُ فتراه بعد الطيّ في نشر
وعصابة العلماءِ قاطبةً يدعون في سرّ وفي جهر
لما جمعتهم جميعهم ونظمتهم كالسلك والدر
في جامع رحب البناء فسي ح السوح لا ضنك ولا وعر
وجمعت فيه العلم أجمعه في المذهبين رفيعي القدر
والسبعة القرَّاء كلهم براوية المقري عن المقري
وكذا الفرائض والحديث وعل م النحو والتصريف والشعر
وسطرتهم سطرًا على سنن أكرم بذاك السطر من سطر
وترى أبا العباس محتبيًّا يروي حديث الطاهر الطهر
والناشريّ كأنهُ قمرُ متبلجُ ومعيدهُ القحري
وبجنبهِ عبد الطيف ومن حوليه مثل الأنجم الزهر
وعلى المطيّبِ وابنهُ معهُ ناهيك من طودٍ ومن بحر
وعلي بن أحمد لا نظير له شيخ شيوخ الجبر والجذر
ولمقرئ القرآن تقدمة ومحلهُ في أول الذكر
ومعلمُ الصبيان ليس لهُ في البدو مثلُ لا ولا الحضر
والدملؤي خطيبنا عمرُ ما مثله في الوعظ والزجر
وبنو القرافي كلهم حضروا وإمامنا موسى أخو الخضر
والشيخ حيدر والشريف وأص حابُ لهم في الفضل والفقر
فجزاك ربُّ العرش مغفرةً عن كل ما قدَّمتْ من وزر
وبلغت في الدنيا نهايتها وكفيت صرف نوائب الدهر
[ ٢ / ١٧٢ ]
يا بهجة الدنيا وساكنها يا زينة الميدان والقصر
يا غيث يا بحر النوال ويا ليث الشرى يا طيب الذكر
أنا عبدك القن المحب ولا أَنسى الذي أَوليت من بر
فلأَشكرنك في الحياة ومن بعد الممات هناك في القبر
لا زلت في عز وعافيةٍ لا تنقضي ما غرد القمري
واستقبل الملك العقيم علي رغم العدا في أطول العمر
عمرُ مضى من خمسه سدسًا سبعُ وثمن السبع من عشر
وفي يوم الجمعة الثاني عشر من الشهر المذكور استمر القاضي شرف أدين سليمان بن علي الجنيد قاضيًا في زبيد عوضًا عن القاضي شهاب الدين أحمد ابن أبي بكر الناشري والقاضي موفق الدين علي بن عثمان المطيب قاضيًا على مذهب الإمام الأعظم رحمه الله تعالى.
وفي يوم الخامس والعشرين من الشهر المذكور وصل الأمير بهاء الدين بهادر الأشرفي وكان يومئذٍ أميرًا في عدن. ووصل الأمير فخر الدين أبو بكر بن بهادر الشمسي وكان في ناحية أَبين في عسكر جيد من الخيل والرجل.
وفي يوم الخامس من جمادى الأولى وصل ثلاثة عبيد من عبيد الإمام صلاح الدين إلى باب السلطان ووصل معهم رجل من أعرب فقابلهم السلطان بالقبول وأنعم عليهم.
وفي يوم الاثنين السابع من الشهر المذكور أمر السلطان على أصحاب النويدرة بالانتقال من قريتهم لقربهم من السور والباب فانتقلوا وابتنوا قرية فيما بين باب سهام وباب الشبارق وابعدوا ببنيانهم عن السور وأقاموا هنالك إلى أن أذن السلطان في رجوعهم إلى قريتهم في التاريخ الآتي ذكره أن شاءَ الله تعالى.
وفي النصف من شهر جمادى المذكور استمر الأمير شهاب الدين أحمد ابن علي الشمسي أميرًا في الثغر المحروس فتقدم إليها.
وفي سلخ شهر جمادى الأولى استمر الطواشي جمال الدين مرجان مقطعًا في
[ ٢ / ١٧٣ ]
القحمة وكان قد ظهر من العرب فساد كثير فحسم مادتهم.
وفي يوم السبت سابع جمادى الآخرة تقدم السلطان إلى تعز فدخلها يوم الاثنين السابع عشر من الشهر المذكور. ووصل الخبر إلى زبيد بوصول الإمام في جيش عظيم فانتقل أهل النويدرة إلى زبيد وانتقل أيضًا أهل المملاح.
وفي يوم الأربعاء الحادي والعشرين من الشهر المذكور وقع الحريق في النويدرة آخر النهر المذكور فطارت الرياح بالنار إلى زبيد فحرق من باب سهام إلى باب الشبارق. وكان يومًا عظيمًا ولم تزل النار تشتعل إلى آخر الليل من ليلة الخميس وتلفت فيه أموال عظيمة وطعام كثير.
ووصل الإمام إلى زبيد يوم الخميس الثاني والعشرين من الشهر المذكور في جيوش عظيمة وكانت محطته شرقي باب سهام. فلما كان يوم الثالث والعشرين ركب في جيوشه وطاف على المدينة ليرى أي موضع اقرب لقضاء حاجته بعد أن رتب على كل باب طائفة من عسكره فكان القتال على أربعة أبواب المدينة. وظهر له أن الباب الغربي وما يليه أيسر أَخذاَ من سائر الجهات خصوصًا من المخاليل التي يهرج منها الماء من الأمطار ففتح الحرب من هنالك. وكان في كثرة من العسكر مع اشتغال أهل المدينة بالقتال على كل باب فزحف أصحابه وزحف بهم أصحاب التراس يمينًا وشمالًا وقصدوا السور فحفروه بالمحافر وامتد أهل النشاب مع كثافتهم فرشقوا أهل المدينة فأنزلوهم عن السور وانهزم أهل المدينة عن السور لكثرة النشاب. وكان معظم العسكر السلطاني الذي في زبيد مخامرين فهربوا وتركوا القتال. فارتجت المدينة وصرخ النساء في كل ناحية فخرج أهل المدينة من منازلهم وطلعوا الدرب وقاتلوا قتالًا شديدًا وضربوا ضربًا عظيمًا ولم يقتل من أهل زبيد في ذلك الوقت أحد وكان على قلة النخل جماعة من الأصباهية فاعترضوا أصحاب الإمام الذين قصدوا المخاليل فصرعوا منهم جماعة فرجعوا على أعقابهم خائبين وانقطع طمعهم عن المدينة وأيسوا منها فجعلوا شغلهم بالتحريق في النويدرة وفي قرية المسرة وحافة الودن والمملاحين ودورات السلطان الخارجة عن المدينة.
[ ٢ / ١٧٤ ]
فلما كان يوم الاثنين السادس والعشرين وصلت كتب الأمير بهاء الدين الشمسي إلى المقدمين في زبيد يخبرهم أنه قد صار في القرشية ويستشير المقدمين في وقت يهجم فيه المحطة ليلًا ويخرج أهل المدينة إليه في ذلك الوقت فرجعت إليه كتبهم بالجواب.
فلما علم الإمام بوصوله إلى القرشية ووصول كتبه إلى زبيد درَّد طائفة من عسكره يستطلعون الخبر فلقوا جماعة من أصحاب الشمسي فناوبت بينهم سجال القتال فقتل مملوك والتزم من أهل حرض فارسان فوصلوا بهما إلى الإمام فاستخبرهما فأخبراه الخبر وأطلعاه على حقيقة الأمر.
وفي يوم الثلاثاء السابع والعشرين سار راجعًا إلى بلاده في الطريق التي جاءَ فيها. ودخل الشمسي زبيد يوم الأربعاء الثامن والعشرين فأقام في زبيد هو ومنه معه إلى يوم الثالث والعشرين من شهر رجب. ثم تقدم نحو الجهات الشامية وتقدم مرجان إلى القحمة واللطيفيّ إلى ناحية سهام وسار الشمسي نحو المحالب واستقرت الأحوال.
وفي سلخ شهر رجب المذكور وقع الخلف بين أشاعر وادي زبيد وبين الفرس فقتل من الأشاعر اثنان ومن الفرس واحد فخافت الفرس من الأشاعر وكانوا جميعًا في قرية واحدة فانتقلت الفرس عن القرية ولم يطمئنوا بها ثم سكنوا قرية قبالة قرية الحجف بعد أن قادوا للأشاعر ولم يكن القتل في القرية وإنما اقتتلوا في الوادي على سقى مَحارثهم ولم يكن بينهم قبل ذلك خلف وإنما كانوا يدًا واحدة على من سواهم. فلما كان ما كان من القتل والقود ورجعت الفرس إلى أماكنهم وسكنوا القرية المذكورة التي هي قبالة قرية الحجف كثر الكلام بينهم وتزايد مرَّةً بعد أُخرى وانبسطت السنتهم على الأشاعر بما لا يحسن من الكلام ونقل الناس عنهم قبيح الكلام حتى كانت الوقعة الثانية في سنة أربع وتسعين وسأَذكرها في موضعها أن شاء الله تعالى.
وفي الرَّابع عشر من شعبان تقدم السلطان إلى جبلة فنزل في دار السلام ووصل
[ ٢ / ١٧٥ ]
أحمد بن أبي بكر السيري رسولًا من أخيه محمد بن أبي بكر السيري يطلب اللامان ويبذل الدخول في الطاعة وأرسل مع أخيه بولده مظفر بن محمد فقابلهما السلطان بالقبول وكساهما وأَنعم عليهما إنعامًا تامًّا وجوَّب لمحمد أَنه لابدَّ له من الوصول أن كان صادقًا فيما يقول.
وتقدم السلطان إلى مدينة إِب ونزل محمد بن السيري باذلًا ما يجب عليه من الطاعة فقبل ركاب السلطان وِمُثّلَ بين يديه وبذل تسليم ما تحت يده من الحصون فظهر للسلطان نصحه فكساه وأَنعم عليه إنعامًا عامًّا وآنسه من نفسه وأضمره بالعود إلى موضعه وحفظ ما تحت يده من البلاد فرجع آخر يومه وكان وصوله إلى السلطان في آخر شعبان.
وفي غرة شهر رمضان جرد السلطان العساكر إلى المحطة على حصن نعم وأمر محمد بن السيري أن يجرد من أهل بعدان عسكرًا آخر إلى نعم لكونهم من أهل البلاد فجرد منهم عسكرًا جيدًا. ولكن كان اكثر أهل بعدان مخامرين فسعوا فساد المحطة وباعوا العسكر وكانت البيعة ليلة الخميس الحادي عشر من الشهر المذكور. فانفضت المحطة وانهزم طائفة من العسكر وثبت آخرون وأغار محمد بن السيري وأهل بعدان على الصوت فانكشف الأمر وتفرَّق أهل البيعة وظهر أَمرهم فمسكوا وقتل منهم طائفة. ثم وصل الإمام بعد ذلك إلى نعم فاشتد القتال وطال الأمر إلى اليوم السابع والعشرين من الشهر.
وفي يوم السابع والعشرين رجع الإمام إلى ذمار وارتفعت المحطة عن نعم. وأَقام السلطان في دار السلام من جبلة. وكان صيامه رمضان هذه السنة في دار السلام من جبلة.
وفي شهر رمضان المذكور استمر الشمس السعرديّ ناظرًا في الثغر المحروس عوضًا عن القاضي شرف الدين أبي القاسم بن معيبد.
وفي أثناء الشهر المذكور قبض محمد بن طلحة الزميلي في مدينة تعز لزمه الوالي يومئذ وهو الطواشي صفي الدين جوهر الصيني. وكان محمد بن طلحة المذكور أحد
[ ٢ / ١٧٦ ]
غلمان السلطان وللسلطان عليه وعلى أخيه عون بن طلحة شفقةُ تامة. وكان محمد بن طلحة شرس الأخلاق سفَّاكًا فتَّاكًا فاشتكوه إلى السلطان فطرده السلطان وأهمله وقلاه. فانضم إلى الإمام وكثر سواده وتكلم في حضرته بما أراد ونزل معه إلى زبيد واطلعه على كثير من عورات البلاد ثم رجع إلى تعز مستخفيًا فعلم عليه فأُخذ كما ذكرنا. وأَرسل به الطواشي إلى السلطان في دار السلام فأمر به السلطان إلى السجن في حصن تعز فاطلع إلى حصن التعكر من يومه ذلك. وأقام السلطان في دار السلام إلى العاشر من شوال. ثم طلع الشوافي وأَمر بالمحطة على الرازجيّ صاحب حصن سافة من أعمال خدد. فلما اشتد القتال وضاق ضيقًا شديدًا سأَل ذمةً شاملة من التسليم وبذل تسليم الحصن فأجيب إلى ذلك فنزل بأولاده ونسائه وخدمه وقبض منه الحصن المذكور يوم السادس عشر من شوال. وأقام السلطان هنالك أيامًا قلائل ثم نزل على السحول ورجع إلى دار السلام من جبلة فأقام فيه إلى الرابع عشر من القعدة ثم توجه إلى تعز فدخلها يوم الخامس عشر من القعدة ثم تقدم إلى زبيد يوم الجمعة السادس عشر.
وفي هذا التاريخ قتل العبد منصور مقدم عسكر الإمام وكان قتله في حدود الوادي مور. وكان سبب قتله أن الإمام لما رجع من محطة نعم في السابع والعشرين من شهر رمضان كما ذكرنا أقام في ذمار إلى أن مضت أيام من شوال. ثم جرد الإمام عسكرًا إلى تهامة فنزلوا على حرض وكان فيه من المقدمين العبد منور ويحيى بن الباقر الحمزي وقاسم بن المهدي في عدة من فرسان العرب ووجوه الشرف. وكان وصولهم حرضًا يوم التاسع من ذي القعدة فأقاموا فيها أيامًا قلائل وخرجوا يريدون المحالب. وكان خروجهم يوم الثلاثاء الثالث عشر من ذي القعدة.
وكان الأمير بهاء الدين الشمسي يومئذ في المحالب فأتاه الخبر يوم الخميس الخامس عشر بخروج العبد منصور ومن معه من حَرض إلى الساحل يريدون المحالب وإن جمعهم دون كل مرة فجمع الأمير أصحابه وعرَّفهم بكل ما وصل إليه من الخبر وقال لهم هذه غنيمة ساقها الله لكم فالحزم الحزم العزم العزم. وخرج آخر
[ ٢ / ١٧٧ ]
ليلة الجمعة السادس عشر وفرقهم ثلاث فرق فلما أصبح الصباح أَقبل العبد منصور وأصحابه وفي ظنهم أن الشمسي وأصحابه قد صاروا في المهجم فلما صار العبد وأصحابه في البرزة حقق لهم وقوف الشمسي فيمن معه من أصحابه من العسكر فالتفت العيد منصور إلى أصحابه وقال أَرى المصلحة أن نرجع إلى حرض من غير قتال وننتظر ما يأْتينا من المدد. وكان رأْيًا صائبًا لو قبلوهُ. فقال له ابن الباقر وما خوفنا منهم والله لو قد رأَوا وجه فرس منا ما وقفوا وان وقفوا فأنا أكفيكهم فتراجعوا بالكلام ورجع من اخبر الشمسي بوصولهم فاستنهض أصحابه وعبي كل طائفة في موضع وسار هو في القلب فتواجه العسكران فحمل يحيى بن الباقر وحمل معه طائفة من أصحابه وقصدوا القلب فوقع يحيى علي مملوك من العسكر فقتله وأقبل أصحاب الميمنة وأصحاب الميسرة جميعًا فانهزم وأصحابه هزيمة شنيعة وضيّقت عليهم الخيل من كل مكان فقتلوا من الخيل والرجل شيئًا كثيرًا وقتل العبد منصور ولم يعرفه قاتلوه وقتل قاسم بن المهدي وولده ومات كثير من الناس عطشًا ونهبت دوابهم وسلاحهم وأَزوادهم ولم يرجع منهم إلا الأقل وكان ذلك يوم الجمعة السادس عشر من ذي القعدة المذكور.
وفي ذلك النهار خرج السلطان من تعز يريد زبيد فدخلها يوم الأحد التاسع عشر واجهه الخبر بهزيمتهم إلى حيس.
وفي يوم الجمعة التاسع والعشرين من ذي القعدة تقدم القائد علي بن سعد بعلم الحج المنصور الأشرفي من مدينة زبيد واتصل العلم انه دخل جُدَّة يوم الخميس السادس من ذي الحجة. فكان مسيره من زبيد إلى جُدّة سبعة أيام وهذا شيء ما علمنا بمثله في زماننا ولا فيما قرب منه. وعيَّد السلطان عيد الأضحى في مدينة زبيد.
وفي هذه السنة توفي الفقيه الصالح المشهور محمد الصامت. وكان رجلًا خيرًا ورعًا وإنما سمي الصامت لأنه كان لا يكلم أحدًا ولا يتكلم إلا بالدعاء والذكر وما لا
[ ٢ / ١٧٨ ]
بدَّ منه من إذكار الصلوات وغيرها كرد السلام وغيره وعاش مدةً طويلة في مدينة زبيد وهو على هذه الصفة وهذا إنما هو لمن لا يعرفه وأما من يعرفه من أهل بيته فيتكلم معهم بالشيءِ اليسير أَعاد الله علينا من بركاته وقبر في مقبرة باب سهام قريبًا من تربة الشيخ الصالح أحمد بن أبي الخير الصياد في ناحية الشرق منه. وكان وفاته ليلة الأحد الرابع من شهر جمادى الأولى من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الشيخ جمال الدين محمد بن الشيخ الصالح طلحة بن عيسى الهتار توفي شابًّا وكان حسن السيرة كثير الحج إلى بيت الله تعالى والزيارة لنبيه محمد ﷺ. وقبر ﵀ مع والده في قبته المعروفة في مقبرة باب سهام وكان وفاته يوم السبت السابع من شعبان من السنة المذكورة.
وفيها توفي الأمير الكبير فخر الدين أبو بكر بهادر الشمسي الأشرفي وكان أميرًا كبيرًا مشهورً أحد نصحاء السلطان حافظًا لما يتولاه. خدم السلطان الملك المجاهد ثم خدم السلطان الملك الأفضل ثم خدم السلطان الملك الأشرف. وكان وفاته يوم الخامس والعشرين من السنة المذكورة في مدينة تعز وقبر في مقبرتها بالأجناد رحمه الله تعالى.
وفي سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة وصل الأمير بهاء الدين بهادر الشمسي إلى باب السلطان بزبيد وكان وصوله يوم الثالث من صفر وبين يديه رأْس العبد منصور على رمح طويل معمم بمنديل وأمامه عدد من الشفاليت ومضلع وصنج ونفير ورمحه يحمل أمامه رمحًا ملوسًا وحصانه المسمى بالبلح يجنب خلفه وبعده عدة من رؤوس القتلى ما خلا رؤوس الأشراف فان الأشراف الذين يخدمون على باب السلطان من بني حمزة سألوا من السلطان أن لا يدار برؤوس قربائهم فأجابهم السلطان إلى ما سألوا. ووصل الأمير بهاء الدين بعده من الخيل القلائع فوهب له السلطان منها ستة رؤوس.
وفي يوم الثاني عشر من الشهر المذكور استمر الأمير فخر الدين أبو بكر بن بهادر السنبلي مقطعًا في حرض وتقدم السلطان إلى تعز يوم السادس عشر من شهر صفر.
[ ٢ / ١٧٩ ]
وقد أمر القاضي سراج الدين عبد اللطيف بن محمد سالم بعمارة المساجد والمدارس والسبل وأضاف إليه شد الأوقاف المباركة بوادي زبيد المحروس وان يعيدها كما كانت. وكان الخراب قد استولى على كثير من المساجد والمدارس حتى الصقها بالأرض وبعضها أمثل من بعض.
فأما الذي عمر بعد أن كان داثرًا فالمدرسة المنصورية الحنفية وموضع الحديث بها والسيفية الصغيرة والنظامية والعفيفية والميكائلية. ومسجد الأتابك ومسجد نجم ومسجد الطواشي فاخر ومسجد الطيرة ومسجد السلطان عباس الظفاري ومسجد أردمر ومسجد الساباط ومسجد بن الهمام ومسجد الخيزران ومسجد خليخان ومدرسة التربية ومسجد الصياد بها ومسجد الرند ومسجد القرتب وسبيله والسيل القاتني على باب سهام وسبيل المنظر وسبيل فشال واحدث السبيل الذي على باب الجامع بزببد.
وأما الذي معظمه خراب والأقل فيه قائم فالمنصورية العليا والاشرفية والسابقية والسيفية الكبيرة والتاجية والفقهية ومسجد السابق النظامي ومسجد قنديل ومسجد عصون ومسجد الحاجة سماع ومسجد الأمير عباس بن عبد الجليل والخانقة الصلاحية بزبيد ومدرسة المسلب وسبيل المنصوة ومسجد الجبرتي والقبة القاتنية ومسجد الحثاثة وسبيل الربد وسبيل التربية وسبيل الصلاحية بزبيد وسبيل باب النخل ومسج بستان الراحة والخانقة التاجية وجامع النويدرة وسبيله وسبيل الطنبغاء.
وما الذي معظمه قائم وما فيه خراب فالمدرسة الصلاحية والفاتنية والفرحانية وسبيلها ومدرسة الميلين والعاصمية والشمسية والهكارية ومدرسة القراء والحديث بها ومسجد الست جهة رشيد والمسجد الجامع بزبيد وسبيل الطواشي خضير.
فهذه خمسة وستون موضعًا من المآثر الدينية فقام في ذلك كله قيامًا كليًّا واجتهد وأعاد معالم الوقف على حقائفها المعتادة ورسومها القديمة وأحيا السبل الداثرة وقام في ذلك حق القيام حتى شكره الخاص والعام.
[ ٢ / ١٨٠ ]
وفي شهر ربيع الأول كتب أهل الشوافي إلى الإمام يستدعونه إليهم فجمع جموعه من الزيدية وغيرهم وسار إلى أن بلغ بلد الشوافي فأجابه بعضهم وحط على حصن الدرج بمن معه من العسكر ومن أجابه من أهل الشوافي وضيقوا على الرتبة ضيقًا شديدًا حتى أخذوه في شهر ربيع الآخر.
وفي يوم السادس والعشرين زحف الإمام بجيوشه على حصن خَدد وخرج إليه المرتبون وقاتلوه قتالًا شديدًا فقتلوا من عسكره اثني عشر رجلًا وحملوا بعض رؤوسهم إلى السلطان. وكان السلطان يومئذ في دار الشريف بتعز. وكان ارتفاع الإمام عن خَدَد يوم الثامن والعشرين من الشهر المذكور.
وفي سلخ شهر ربيع الآخر وقع الخلاف بين الشهالبين وبني الفقيه سكان النخل فقتل الشهالبون من بني الفقيه وحلفائهم رجلين وحرقوا محلتهم وكان هذا أول خلف وقع بينهم فأمر السلطان بأدب الشهالبين والتغليظ عليهم فتأَدبوا عشرة آلاف دينار.
وفي يوم السادس عشر من جمادى الأولى أمر السلطان علي القاضي شهاب الدين أحمد بن عمر الوزير بالتقدم إلى المخلاف فتقدم في التاريخ المذكور فأقام في جبلة في قطعة من العسكر.
وفي أثناء إقامته خالف الشيخ عبد الباقي الصبهاني ونزع يده من الطاعة وكان صهره محمد بن السيري يدافع عنه مدافعة ظاهرة والباطن بخلاف ذلك فجمع الوزير العسكر والقبائل من التعكر وغيره وغزا بلاد الصهباني وكان قد لزم جبل ثلم وأراد أن يبني فيه حصنًا. وهذا سبب الخلف بينه وبين الدولة فغزاه الوزير بالعساكر واخرب بلاده كلها وقصره المشهور الذي في الهادس وحملوا حضيرته إلى جبلة وأرسل بها الوزير إلى السلطان وهو يومئذ في الدملؤَة فشكره على ذلك وأنعم عليه.
وكان علي بن داود الحبيشي قد ظهر منه عصيان وخروج عن طاعة السلطان فذل عند هذه القضية ووصلوا جميع القبائل مستذمين.
[ ٢ / ١٨١ ]
وفي يوم الأربعاء التاسع عشر من الشهر المذكور تقدم السلطان إلى الدملؤَة لأمر أوجب ذلك فأقام هناك إلى سلخ شهر جمادى الأولى ثم رجع إلى تعز.
وفي هذا التاريخ استمرَّ الأمير بهاء الدين الشمسي أميرًا بأَبين وتقدم إليها وتوجه الركاب العالي إلى زبيد فدخلها يوم العاشر من الشهر المذكور فأقام في زبيد أيامًا ثم تقدم إلى النخل يوم الثامن والعشرين من الشهر المذكور فأقام في النخل إلى يوم العاشر من شهر رجب ثم قصد البحر فأقام به أيامًا قلائل ثم رجع إلى زبيد. وفي غرة شهر شعبان تقدم السلطان إلى تعز فدخلها يوم الرابع من شعبان.
وفي النصف من شهر شعبان برز مرسوم السلطان باستمرار القاضي زكي الدين أبي بكر بن يحيى بن أبي بكر بن أحمد بن موسى بن عجيل في القضاء الأكبر في أقطار المملكة اليمنية ولقبه القاضي زكي الدين. وكان فقيهًا نبيهًا عالمًا فطنًا لوذعيًّا أَلمعيًّا أديبًا لبيبًا كامل الأوصاف مشاركًا في عدة من فنون العلم وليس له نظير. وصام السلطان هذه السنة في تعز وكان جل أقامته في دار الشجرة وعيد في دار الشجرة.
وفي ليلة الاثنين التاسع من شوال انقض كوكب عظيم من ناحية الجنوب إلى ناحية الشمال وقت صلاة العشاء فكان له ضوء عظيم زائد على ضوءِ القمر زيادة كثيرة وبعد مغيبه بقلي وقعت هدة عظيمة حتى سمعت أن بعض العقلاء قام من موضعه فزعًا مرعوبًا يظن أن منزله قد انهدم أو انهدم بعضه من شدة ما سمع.
وفي اليوم الثاني عشر من شوال تقدم السلطان من تعز إلى مدينة زبيد فدخلها يوم السادس عشر من الشهر المذكور فأقام في القُوّرِ أيامًا ثم دخل زبيد فأقام أيامًا وعيَّد عيد الأضحى.
وفي يوم عيد الأضحى وقع حريق في ناحية المجزرة فاستولى على بيوت كثيرة وعلى جانب من السوق.
وفي ذلك اليوم قتل الشيخ علي بن محمد العجمي شيخ الأشاعر في فَشَال وكان قتله بعد صلاة العيد في قرية فشال والذي قتله جماعة من بني الدريهم وكان السبب في ذلك أن بني الدريهم أغاروا على عبيد العبادل ليأْخذوا شيئًا من ماشيتهم وكانوا إذا
[ ٢ / ١٨٢ ]
أَخذوا شيئًا من الماشية أتاهم العبيد قيفدونه منهم. فلما كان في هذه السنة أغاروا على العبيد فوجدوهم على حذر فتقاتلوا فجرح بعض العبيد وكان من مشايخهم. فلما أحس بنفسه قال لا يفوت القوم فإني مقتول وكانت العرب قتلته بين العبيد لأنهم آمنون من سطوة العبيد عليهم. فوقع العبيد على رئيس الحرس وهو علي بن النهاري فقتلوه وكان فارسًا شجاعًا مقدامًا. وكان أبوه شيخ بن الدريهم وكبيرهم فحمل الولد مقتولًا إلى محلة أهل هـ ودفنوه بها فقال أبوه والله لا قتلت بابني عبيدًا ولا أقتل إلا أكبر العبادل وأسلم دية العبدلي المقتول. وكانت العبادل أكثر عددًا وبني الدريهم أكثر شرًّا. فما برحوا على هذا الأمر حتى وجدوا غرة من الشيخ علي بن محمد العجمي في يوم عيد الأضحى المذكور فقتلوه كما ذكرنا ظلمًا وعدوانًا.
وفي هذه السنة توفي الطواشي جمال الدين ثابت الخازندار الأشرفي. وكان خادمًا سعيدًا وحيدًا في جنسه في عصره. وكان وفاته يوم الأحد سابع شهر المحرم أول شهور السنة المذكورة ودفن في مقبرة باب سهام في الناحية الشرقية منها قريبًا من قبر الشيخ الصالح طلحة بن عيسى الهيار رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الإمام العلامة جمال الدين محمد بن عبد الله الريمي. وكان فقيهًا عارفًا محققًا مدققًا نقالًا للنصوص بارعًا في المذهب. وهو الذي صنف التفقيه في شرح التنبيه أربعة وعشرين مجلدًا. وكانت له حظوة عند الملوك صحب السلطان الملك المجاهد ثم صحب ولده السلطان الملك الأفضل إلى أن توفي ثم صحب السلطان الملك الأشرف وولاه قضاء الأقضية في المملكة اليمنية بأسرها وجمع من المال ما لا يجمعه أحد من الفقهاء البتة. ولكن من وجوه مختلفة عفا الله عنه. وكان له مكارم أخلاق باذلًا نفسه وماله للطلبة. وجمع من الكتب شيئًا كثيرًا وغلى قيمة الأعماد. وكانت وفاته في اليوم الرابع والعشرين من صفر وقبر على باب تربة الشيخ الصالح أحمد بن أبي الخير الصياد في مقبرة باب سهام رحمه الله تعالى.
وفي هذه السنة توفي الأمير الكبير الأجل بدر الدين محمد بن علي بن إياس وكان أميرًا كبيرًا شهمًا جوادًا حازمًا سريع النهضة عند الحادثة يتولى الأمور بنفسه.
[ ٢ / ١٨٣ ]
بدايته كنهاية غيره من أبناء جنسه. وكانت وفاته في العشر الأولى من صفر من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه العالم أبو العباس أحمد بن موسى بن علي الجلاد النخلي الفرضي الحنفي وكان فقيهًا فاضلًا في مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى إمامًا في الفرائض والجبر والمقابلة والحساب له مصنفات مفيدة اخذ عن والده وعن غيره وانتفع به خلق كثير لاسيما في الفرائض والحساب والهندسة. وكانت ولادته في الثامن والعشرين من ذي الحجة في آخر سنة سبعمائة. وتوفي في الثامن عشر من ذي الحجة من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة تقدم السلطان إلى فَشال وأمر بالمحطة على بني الدريهم الأَشاعر الذين قتلوا الشيخ علي بن محمد العجمي. وكانوا قد انتقلوا إلى الجبل وكثر فسادهم ونهبهم فلما حضرهم السلطان أذعنوا وطلبوا الذمة وبذلوا الدخول تحت الطاعة وتسليم الأدب فأذمّ عليهم السلطان وأمرهم برفع المحطة عنهم.
وفي هذا التاريخ استمر الأمير سيف الدين مبارك شادّ مقطعًا في حَرَض عوضًا عن الأمير فخر الدين أبي بكر بن بهادر السنبلي. ورجع السلطان إلى زبيد فدخلها يوم السبت الرابع والعشرين من المحرم. وتقدم السلطان إلى تعز يوم الخميس التاسع والعشرين من الشهر المذكور فكان دخوله تعِز يوم الأحد الثالث من صفر.
وفي هذا التاريخ وصل الإمام إلى بعدان في جيش أًجيش فحط عليهم ولم يبرح يقاتلهم أيامًا حتى أن أهل بعدان سيبوا الماء في أجوال هنالك مزروعة قضبًا فأقام الماءَ يومًا وليلة. فلما كان اليوم الثالث فتحوا الحرب واستجروا عسكر الإمام حتى أبعدوا بهم وقد جعلوا كمينًا. فلما أمعن أصحاب الإمام في الطلب لأهل بعدان عطفوا عليهم وثار الكمين من موضعه ولزموا لهم الطرق فلم يجدوا طريقًا إلا في ذلك القضب الذي قد سيب فيه الماء فرسبت الخيل والرجل فقتل منهم طائفة. فكان ذلك سبب هزيمتهم وارتفع الإمام وسار إلى ذمار.
[ ٢ / ١٨٤ ]
وفي غرة شهر ربيع الأول تقدم السلطان إلى حصون المداد وترك على كل حصن منها محطة حتى تسلم جميعها إلا الحصن الذي يسمي ريسان فان ولد علي بن محمد بن مظفر أقام فيه وهرب والده علي بن محمد بن مظفر وترك البلاد بأسرها فأقام السلطان فيها نوابًا من غلمانه الثقات ورجع إلى تعز فدخلها صبح يوم الأحد الحادي والعشرين من الشهر المذكور وكانت غيبته عن تعز عشرين يومًا.
قال علي بن الحسن الخزرجي عامله الله بإحسانه وحدثني الفقيه أبو الحسن علي بن محمد الناشري أن عسكر السلطان سار إلى بلد الهمول في شهر ربيع الأول المذكور فكبسوا واحدة من قراها في ليلة الجمعة الخامس من شهر ربيع الأول المذكور فاخبروا انهم وجدوا فيها مولودة صغيرةً لها أربع أيادي وأربع أرجل فسبحان الخلاق العليم القادر على ما يشاءُ.
وفي العشر الأواخر من الشهر المذكور انفصل القاضي شرف الدين سليمان ابن علي الجنيد عن القضاء بزبيد وأمره السلطان قاضيًا في مدينة تعز.
وتولى القاضي شهاب الدين أحمد بن أبي بكر الناشري قضاء زبيد فسار بالناس سيرة صعبة أتعب فيها نفسه وغيره فكثر ساكوه هذا مع ورعه وعفته وفقهه ومعرفته. ففصله السلطان وأمّر أخاه القاضي موفق الدين علي بن أبي بكر الناشري. فكان استمراره يوم الأحد الحادي والعشرين من شهر ربيع الأول من السنة المذكورة. وكان قبل ذلك حاكمًا في الأعمال الحيسية فنقله منها إلى زبيد في التاريخ المذكور.
وفي يوم الحادي والعشرين من لشهر المذكور تقدم السلطان من مدينة تعز إلى الثغر المحروس فدخلها يوم الاثنين السابع والعشرين منه.
وفي يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من الشهر المذكور ظهرت هالة على الشمس لمضي ثلاث ساعات تقريبًا إلى آخر الساعة السادسة. وكانت هالة كبيرة بينها وبين قرص الشمس من كل ناحية نحو من عشرة اذرع في رؤية العين. وكان لونها لونًا عجيبًا لا يمكن أحد يعبر عنه عبارة حقيقية بل هو بحكم التقريب بين البياض
[ ٢ / ١٨٥ ]
والصفرة والحمرة والخضرة وفي دائرها ألوان مختلفة دائرة عليها وبعد الجميع شعاع أبيض كأنه الفضة البيضاء وسمعت عدة من الأكابر المعمرين يقولون انهم ما رأَوا مثلها أبدًا ولا سمعوا من أحد ممن تقدمهم أنه رأَى مثلها.
وفي يوم الأربعاء التاسع والعشرين كسفت الشمس. وفي يوم الثالث من شهر جمادى الأولى ظهرت على الشمس مثل الهالة الأولى المذكورة آنفًا. وكان ظهورها بعد مضي ثلاث ساعات من النهار إلى آخر الساعة التاسعة. واضمحلت عند أذان العصر من النهار.
ولما دخل السلطان عدن في التاريخ المذكور أقام فيها شهر جمادى الأولى وعشرًا من جمادى الأخرى ثم ارتحل إلى محروسة زبيد فكان دخوله زبيد يوم الرابع والعشرين من جمادى الأخرى فأقام فيها خمسة عشر يومًا. وفي مدة إقامته في زبيد استمر الأمير بهاءُ الدين الشمسي مقطعًا في حَرَض عوضًا عن اللطيفي. واستمر الأمير بهاءُ الدين اللطيفي في الأعمال السرددية.
وفي هذا التاريخ سار الإمام من بلده في جموعه من طوائف الزيدية فقصدوا بني شاور فبسط العسكر أيديهم وعاثوا في البلاد وقتلوا الفقيه الإمام العلامة أبا العباس أحمد بن زيد الشاوري وقتل معه جماعة من أهل بلده ونهب بيت الفقيه المذكور. وكانت فيه أموال جمة مودعة للناس عند الفقيه وكان الفقيه في غاية من العلم والعمل. وكان قتله في يوم الأَحد الحادي عشر من شهر رجب رحمه الله تعالى. وكان قتله ظلمًا وعدوانًا ولم تطل مدة الإمام بعده بل عوجل في أقَرب مدة
ما كان أقصر وقتًا كان بينهما كأنه الوقت بين الورد والقرب
ورثاه بعض قرابته الفقهاء الشاوريين بقصيدة يقول في أولها
ألا شَلَّتْ يمينك يا صلاح وعجل يومك القدر المتاح
وفي يوم التاسع من رجب تقدم السلطان إلى النخل فأقام فيه بقية شهر رجب وتقدم إلى البحر غرة شهر شعبان. فأقام فيه ستة أيام ورجع إلى النخل وارتفع يوم الثامن الشهر.
[ ٢ / ١٨٦ ]
وفي يوم السادس من شعبان ركب الإمام صلاح لبعض ما يريد من الأمر فبينما هو سائر على بغلته إذا قبل طائر من الجو فأَصاب وجه البغلة فنفرت البغلة نفرة شديدة ألقت الإمام عن ظهرها فتعلقت رجله في الركاب فازدادت البغلة نفورًا لما سحبته وبقيت رجله في الركاب فانعسفت رجله وقيل رجله ويده وكان في موضع وعر فلم يتمكن الحاضرون من أَخذه حتى لزموا البغلة أو قيل عقروها ثم حمل من موضعه ذلك على أعناق الرجال إلى أن دخلوا به حصن ظفار. وكان سقوطه يوم السادس من شعبان. فأقام هنالك أليمًا أيامًا ثم انتقل إلى صنعاءَ فدخلها في العشر الأولى من شوال في جمع عظيم وهو يجد شيئًا من الألم ولكنه يظهر الجلد. فأقام في صنعاء أليمًا وقيل حدث به مرض آخر في النصف الأخير من شوال فلم يزل كذلك إلى أن توفي يوم الثالث من ذي القعدة وقيل يوم الثاني منه من السنة المذكورة والله أعلم.
وفي الرابع عشر من شعبان وصلت كتب ابن المدادي إلى السلطان يبذل تسليم حصن ريسان والدخول تحت الطاعة ويطلب ذمة شاملة فأجابه السلطان إلى ما سأل وسلم الحصن المذكور.
وتقدم السلطان إلى تعز يوم السابع عشر من الشهر المذكور. فكان دخوله تعز يوم العشرين منه. وصام رمضان هذه السنة في مدينة تعز في مدينة ثعبات.
واستمر الجمال المصري المكي محتسبًا في مدينة زبيد في شهر رمضان المذكور فقام بالوظيفة قيامًا مرضيًّا وأمعن النظر في مصالح المسلمين.
وفي شهر رمضان برز أمر السلطان بعمارة الزيادة الشرقية التي في جامع عدينة من مدينة تعز واستحث الناس على فراغها حتى فرغت كما هي الآن فانتفع الناس بها انتفاعًا عظيمًا بخلاف الزيادة الغربية التي عمرها السلطان الملك المجاهد في أيامه. وأمر يومئذ بتسوير مدينة الجند. وكان سورها قد اندرس ولم يبق له أثر فأعاده على الحالة الأولى وربما هو اليوم أحسن مما كان والله أعلم.
وفي يوم الثامن من شهر رمضان المذكور أخذ رجل من البهادرة في مدينة تعز ذكروا أنه ساحرًا وكان يتشبه بالمسلمين فكحل وقطعت يده.
[ ٢ / ١٨٧ ]
وفي شهر رمضان من هذه السنة أصاب الناس مجاعة عظيمة في التهائم وتأخر الغيث عن أيام إتيانه فارتفع السعر وهلكت البهائم وانقطعت السيول فاكتشفت أحوال كثير من الناس وابتاع مُدَّا الطعام بنيف وتسعين دينار. وابتاع السمن في أيام عيد الفطر كل أربعين قفلة بدرهم. ثم حصل المطر في آخر شهر رمضان وسالت الأودية ثم تنفس السعر في نصف شوال وتواترت الأمطار ووصل الطعام الجديد.
وفي يوم الحادي والعشرين من شوال تقدم الأمير بدر الدين محمد بن بهادر اللطيفي إلى الجهات الشامية لجباية الأموال منها.
وفي يوم السابع والعشرين تقدم علم الحج المنصور من مدينة تعز إلى مكة المشرفة فدخل مدينة زبيد يوم لجمعة سلخ شهر شوال. وكان تقدمه من زبيد يوم الأحد ثاني عشر ذي القعدة. وفي ذلك اليوم وصل الأمير بدر الدين محمد بن بهادر اللطيفي بأموال الجهات الشامية.
وفي يوم التاسع من ذي القعدة تقدم السلطان من محروسة تعز إلى مدينة زبيد فدخلها يوم الخميس الثالث عشر من الشهر المذكور فأقام في بستان الراحة ثمانية أيام. ثم دخل إلى دار السلطنة بزبيد يوم الحادي والعشرين من الشهر فأقام هنالك أيامًا ثم سار إلى سرياقوس يوم الاثنين الرابع والعشرين من الشهر المذكور.
وفي يوم الخامس والعشرين تقدم القاضي وجيه الدين عبد الرحمن بن محمد بن يوسف العلوي لاستخراج أموال الجهات الشامية وهو يومئذ مشد الدواوين كلها. ورجع السلطان من سرياقوس يوم الثامن والعشرين وعيَّد عيد الأضحى في بستان الراحة وأقام هنالك إلى يوم التاسع عشر ثم تقدم إلى سرياقوس فأقام هنالك ثلاثة أيام ورجع إلى زبيد وأقام إلى الثامن والعشرين.
وفي يوم الجمعة السادس والعشرين من الشهر المذكور صلى السلطان الجمعة في جامع زبيد وهي أول جمعة صلاها في جامع زبيد.
وفي هذا التاريخ كتب أهل النويدرة كتابًا إلى السلطان يسأَلون منه الإذن في إعادتهم إلى قريتهم الأولى على باب سهام فأذن لهم.
[ ٢ / ١٨٨ ]
وفي سنة أربع وتسعين انتقل أهل النويدرة إلى قريتهم الأولى وكان انتقالهم إليها في أول يوم من المحرم أول شهور السنة المذكورة. وأمر السلطان على القاضي شهاب الدين بالتقدم إلى فشال لاستنهاض أموال الخراج فأقام هنالك أيامًا ووصل سريعًا بالمال المتحصل من الجهة المذكورة.
وفي آخر الشهر المذكور وصل الشريف المهدي بن عز الدين الحمزي صاحب تلمص ووصل بعده الشريف شمس الدين سليمان بن يحيى المعروف بحجرية.
وفي هذا التاريخ أمر السلطان على القاضي سراج الدين عبد اللطيف ابن محمد بن سالم المشد يومئذ بزبيد أَن يباشر القضاء الذي يسمى الجهمي من نخل وادي زبيد وان يغرسه فابتدأَ في غرسه في أول هذه السنة المذكورة فبادر ممتثلًا للأمر وغرسه في أيام قلائل. وكان عدته ألفا ومائة وأربعين نخلة أو قريبًا من ذلك وهو الذي يسمى الرياض في هذا الوقت.
ووصل الوزير من الأعمال الرمعية بحواصلها يوم الاثنين السادس من صفر وبعد أيام قلائل وصل الشيخ شهاب الدين أحمد بن حسن بن ناجي صاحب السحول في أهله وقرابته إلى باب السلطان فقابله السلطان بالقبول والإحسان فأقام ثمانية أيام في تعز. ثم تقدم لقبض الحصن المعروف بذي الحرسة فقبضه.
وفي ليلة الثلاثاء العشرين من صفر من السنة المذكورة رأَى السلطان رسول الله ﷺ. قال علي بن الحسن الحزرجي أخبرني الشيخ الصالح شهاب الدين أحمد بن أبي بكر الرداد. قال كتب إليَّ مولانا السلطان الملك الأشرف كتابًا وأوقفني على كتابه إليه. قال وأخبرني بعد الكتاب مشافهة أنه رأَى في التاريخ المذكور وكان يومئذ مقيمًا في دار العدل في مدينة تعز. قال رأَيت كأني في مرج يشبه الماء الحار الذي هو فيما بين تعز وعدن وكأني بين نخل وسدر وموضع يشبه ساحل الغارة إلا أنه لا يجر هنالك وكان في طرف المكان مجلس بعيد من الموضع الذي نحن فيه. وكان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر وعليّ ﵃ أجمعين
[ ٢ / ١٨٩ ]
هنالك والنبي ﷺ قاعد على قعادة بلا حصير حبالها عتق كأنها حبال قعادة الرعاءِ عليها اثر الغنم والبقر وإذا بي أقبلت أنا وعلي وإذا بالنبي ﷺ قال مد يدك نبايعك وكأني لم أفهم إلا وأنا معظم الشأْن كأني مثل الذين وصل إليهم بقبائل أُريد أن انصرهم وهم مثل الفرجين بي. فمددت يدي إلى النبي ﷺ فبايعني فقمت من ساعتي بعد المبايعة وأنا أقول لهم ما يخرج ولا يبرق في بعض الطرقات من هؤلاءِ الفعلة الصنعة. فقال لي النبي ﷺ قم فنهضت أنا وعلي ﵁ وركبنا على فرسين وسرنا وإذا بنا في عدن عن يميننا بحر وعن يسارنا جزائر من جبل أحمر وأنا أقول له إشارة بإصبعي من هنا كان يريد الفاعل الصانع يدخل عدن يعني الإمام. وإذا بنا رجعنا إلى الجماعة وقد صار النبي ﷺ واقفًا على قعادة لي صغيرة أرجلها من صندل أحمر والبساط الذي اقعد عليه وهو بساط من حرير وعلى النبي ﷺ دراعة شيخ ثم اندرس. فلما كان الليلة الثانية وإذا بي أرى جماعة وهم أبو بكر وعمر وعلي ونحن على تلك الحال التي فارقتهم فيها الليلة الأولى ولم أرَ النبي ﷺ وكأني أروم معاصرة عمر فانتبهت فزعًا. فلما كان الليلة الثالثة وإذا بي أرى الجن وأنا مثل المتفرس عليهم وعليهم شرافوشات الصناعة وصورهم مثل صور الآدميين لا فرق إلا أني أفهم أنهم من الجن فتعجبت من هذه النكتة العجيبة.
قال علي بن الحسن الخزرجي هذا منام عجيب يدل على بشارات وإشارات حسنة ولا يصلح أن يكون إلا لمثله أصلحه اله صلاحًا حسنًا وفقهه للعمل بما يرضيه أنه على ذلك قدير.
وفي يوم الخامس من شهر ربيع الأول توفي الشريف صاحب بكر. وكانت وفاته بمدينة تعز.
وفي يوم العاشر من الشهر توفي القاضي صدر الدين عبد الحق بن الفقيه موفق الدين علي بن عباس المقري وكان طلع هو والشريف المذكور من زبيد في محمل مترافقين في الطريق فسقط بهما المحمل فتكسرت أعضائهما فحملا إلى تعز أَليمين
[ ٢ / ١٩٠ ]
فماتا في تاريخهما.
وفي اليوم الثاني عشر من الشهر المذكور وصل الشيخ شمس الدين علي بن الرياحي السرحي شيخ مشايخ العرب طائعًا مختارًا. ووصل معه أهله وقرابته فقابلهم السلطان بالقبول فاصرف له وللواصلين معه ثلاثمائة وخمسين قطعة من الملابس الفاخرة واركبه بغلة بزيارة وحمل له خمسة آلاف دينار.
وفي هذا التاريخ حصل حريق في زبيد وكان ابتداؤٌه من ناحية المجزرة فأخذ شرقًا وشمالًا فحرقت فيه بيوت كثيرة وتلفت فيه أموال جمة.
وفي هذا التاريخ حصل في مدينة تعز ونواحيها منه شيءُ يسير وتوفي في تلك الليلة الأيام الطواشي معتب الأشرفي زمام الجهة الكريمة والدة مولانا الملك الناصر واخوته أولاد مولانا السلطان الملك الأشرف تولاه الله بحسن ولايته.
وتوفي الأمير شمس الدين علي بن أحمد الواشي وكان فارسًا شجاعًا مقدامًا في الحرب حسن الشمائل لطيف الخلق والخلق.
وتوفي الفقيه الفاضل شهاب الدين أحمد بن بدير النساخ الأشرفي. وكان حسن الحظ تقيًا توفي شابًا رحمه الله تعالى.
وفي الخامس والعشرين من الشهر المذكور وصل علم الحج المنصور من مكة المشرفة ووصل عدة من الحجاج واخبروا انه وصلت كتب إلى مكة المشرفة وألقيت في المقامات الأربعة نسخها متقنة في المعنى مختلفة في بعض الألفاظ وقعت لي نسخة منها فأثبتها وهي: بسم الله الرحمن الرحيم. ومن عبد الله المهدي المنتظر خليفة سيد البشر أمير المؤمنين محمد بن عبد الله بن بنت رسول الله. هذه بشارة وبشرى. وتذكرة إلى أم القرى. يدعو إلى رب العالمين بما ورد في الكتاب المستبلين. وأسند إلى الصحيح من سيد المرسلين. وأصحابه المطهرين. ﷺ وعليهم أجمعين. أجيبوا إمامكم. تجدوا الحق أمامكم. بدواع سليمة. لموارد سليمة. فما دعوت لهذا الشأن. حتى دعاني الملك الديان. فأجبته داعيًا فائتمروا بما أمرت. والتزموا بما التزمت وكونوا كالبنان. أو كالبنيان. كالعترة الواحدة في
[ ٢ / ١٩١ ]
الأديان. هذه سجية الأعوان والأكوان. أسرعوا وسارعوا أيما إسراع. وأقبلوا إلى الله في صحة الإقلاع) إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض. ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون (. وبعد السلام عيكم ورحمة الله وبركاته والدعاء وصيتكم وصلى الله على سيدنا محمد وآله ورضى الله على الصحابة أجمعين واتباعه الطاهرين وجعلنا نتبع أمرهم ونقفو أثرهم ونفع بهم آمين آمين آمين انتهى.
وفي يوم الاثنين سلخ شهر ربيع الآخر أمر السلطان بحمل أربعة أحمال طبلخانة وأربعة ألوية للأمير شهاب الدين أحمد بن علي بن الشمس واستمر عوضه في عدن الأمير عز الدين هبة ابن الأمر سيف الدين سندمر. وبرز مرسوم السلطان ومنشور كريم إلى الأمير شهاب الدين بالتقدم إلى الجهات المخلافية.
وفي هذا التاريخ المذكور اقتتل الأشاعر الفرس بوادي زبيد فقتل من الفرس خمسة رجال أجواد ونهبت محلتهم وحرق بعضها. كان مشايخ الأشاعر يومئذ في زبيد فلزمهم المشد وهو القاضي سراج الدين عبد اللطيف ابن محمد بن سالم وهم النهاري الأحمر وولده أبو القاسم المهرس فأدبوا في قتل الخمسة المذكورين خمسة عشر ألف دينار.
وفي غرة شهر جمادى الأولى وصل مرسوم السلطان منشور كريم إلى زبيد يتضمن الصدقة على كافة الرعية بزيادة معاد في كل قطيعة في كافة جهات المملكة اليمنية صدقة مستمرة وان يعفوا عن مصالحة العطب في وادي زبيد يوم الرابع من شهر جمادى الأولى. كانت هذه من فعلانة الحسان. وقرى المنشور في الجامع بإفشال يوم الجمعة الحادي عشر بمثل ذلك وكذلك في سائر الجهات وكثر الدعاء للسلطان وانتشرت صدقته في كافة الجهات اليمنية.
وفي يوم السابع من الشهر المذكور تقدم الأمير شهاب الدين أحمد بن علي بن
[ ٢ / ١٩٢ ]
الشمسي إلى ناحية المخلاف فقبض حصن نعم ورتب فيه الأمير بدر الدين محمد ابن علي بن عمر بن ناجي وتوجه إلى ناحية أرياب.
وفي يوم الأحد الثالث عشر من شهر جمادى الأولى ظهرت هالة على الشمس مثل الهالة التي ظهرت في السنة الماضية.
وفي يوم الخامس عشر وصل شيخ الجحادر في جمع كثيف من قرابته وأهله إلى باب السلطان باذلًا من نفسه الطاعة فقابله السلطان بالقبول وكساه وأكرمه.
وفي يوم السادس عشر وصل الشريف الجليل الكبير النبيل أبو الفضائل الهدوي إلى باب السلطان فأنصفه السلطان وأكرمه وتواترت القبائل من كل ناحية.
وفي اليوم الحادي والعشرين من الشهر المذكور كان ظهور أولاد السلطان الملك الأشرف وهم الصغار.
وفي هذا التاريخ هرب أحمد بن السيرى من غير سبب يوجب ذلك.
وفي أول شهر جمادى الآخرة نزل السلطان إلى زبيد فدخلها يوم السابع من الشهر المذكور.
وفي هذا التاريخ توفي القاضي برهان الدين إبراهيم بن أحمد التهامي وهو آخر من ولي القضاء من أهل بيته.
وفي هذا التاريخ أمر السلطان بعديد النخل من وادي زبيد على يد القاضي سراج الدين عبد اللطيف بن محمد بن سالم وندب القاضي شرف الدين حسين بن علي الفارقي بعديد نخيل الجهات اليمنية فتقدم إليها في الخامس عشر من جمادى الأخرى. وتقدم السلطان إلى نخل الأبيض يوم العشرين من الشهر المذكور.
وفي هذا التاريخ انهدم من حصن تعز من نواحي السنبلة على جماعة مات منهم اثنان وسلم الباقون.
وفي يوم الخامس والعشرين وصل الأمير بهاء الدين بهادر الشمسي من الجهات الشامية ووصل صحبته تسعون رأسًا من جياد الخيل. وجرده السلطان إلى المداد فكان تقدمه إلى هنالك يوم العاشر من رجب.
[ ٢ / ١٩٣ ]
وفي هذا التاريخ استمر القاضي جمال الين محمد عمر بن شكيل بالأعمال التهامية عوضًا عن القاضي شجاع الدين بن علي العلوي. واستمر القاضي شجاع الدين عمر بن علي العلوي المذكور مشدًا في المحالب. وانفصل الأمير سيف الدين مبارك شاه عن الجهة المذكورة وأضيفت إلى ابن السنبلي واستمر القاضي عفيف الدين عبد الله بن محمد الجلاد مشدًا في رمح. وتقدم السلطان إلى النخل يوم السادس عشر من رجب فأقام في النخل إلى السادس عشر من شعبان.
وفي غرة شعبان توفي الطواشي الدين ظريف الأشرفي زمام الباب السعيد وكان خادمًا خدامًا قائمًا بما يتوله. وطلع السلطان من النخل يوم السابع عشر من شعبان المذكور. وتقدم إلى تعز يوم الثامن عشر. وكان دخوله يوم الثالث والعشرين من الشهر المذكور. وصام السلطان رمضان هذه السنة في تعز فكانت إقامته في دار الوعد.
وفي يوم العاشر من رمضان المذكور وصل ولد الحبيشي من الشوافي أرسل به اخوته ومعه عدة من عسكر البلاد. وفي ذلك اليوم وصل القاضي شرف الدين الفارقي بخرج نخل الجهات الموزعية.
وفي يوم الثامن عشر من الشهر المذكور وصلت خيول أهل الخنكة أرسل بها الأمير بهاء الدين الشمسي. وكانت نحوًا من أربعين رأسًا.
وفي آخر شهر رمضان وصل إلى باب السلطان الأمير قيسون وكان السلطان قد طرده يوم قضية المماليك في القور وقد تقدم ذكرها. فلما رجع إلى السلطان كساه وانعم عليه وأعادهُ إلى حالته الأولى. وعيد السلطان عيد الفطر في دار الشجرة.
وفي أيام عيد الفطر هرب الشريف بن أبي الفضائل من تعز وكان قد تزوج امرأة من سناء الملوك. فلما رأى ما عليها من الحلي جزل في عينيه فسعى في أخذه وهرب به بلاد حتى أن الناس سموه أبا الفضائل.
وما انقضى شهر رمضان عزم السلطان على تطهير أولاده فشرع في تحصيل ما لابد منه مما تدعوا الحاجة إليه من الجزائر على اختلاف أنواعها من الطير وذوات الأربع
[ ٢ / ١٩٤ ]
ومن الحنطة والسمون والعسلان والأرزاز ومن الرمان والعدس والقرطم والحمر والزبيب واللوز والسكر والزعفران والنشا والفلفل وسائر التوابل والمصطكى والقرفة والسنبل والجوز بوَّا والسوسن. وما لابد منه من البقول على اختلاف أجناسها وأنواعها. ومن أنواع التمر والليمون وسائر الفواكه ومن الحطب والسبيط والشمع والبيض. وآنية الصيني واليشم والقاشاني والفخار من الصحون والزبادي والجرر والأدواج والكيزان البيض والطباشير والقراريب والمطاهر. ومن أنواع الرياحين كالفل والورد والنرجس والياسمين والمنثور والكاذي والاترج والبلح وأشباه ذلك. ومن أنواع الطيب كالمسك والعود والصندل البنفسج والشند والند والعنبر وماء والورد والغوالي وما لا يدخل تحت العد والحصر شي كثير. ووصل الأمراء والمقدمون من سائر الجهات فوصل القاضي سراج الدين عبد اللطيف بن محمد بن سالم مشد وادي زبيد. وكان وصوله يوم الحادي والعشرين من شهر شوال. ثم وصل الأمر عز الدين هبة بن محمد الفخر وهو صاحب زبيد يؤمئذ وكان وصوله يوم الرابع والعشرين من الشهر المذكور.
وتقدم علم الحج المنصور يوم السادس والعشرين من محروسة تعز إلى مكة المشرفة واستعمل من قصور الشمع الملونة والشموع المزهرة شي كثير.
ولما انقضى شهر شوال المذكور طلب صناع الحلواء فاشتغلوا منها شيئًا كثيرًا. وأخرج لهم من الصحون الصيني خمسمائة صحن مما لم يستعمل قط خارجًا عما قد استعمل قبل ذلك. ومن الفخار الزبيدي شي كثير للمضروب خاصة. ومن سائر الأنواع كالمشبك والقرعية القاهرية والشيزرية والخشخاشية والفانيذ ومن البطاطيخ واشباه الطير وغيرها وما يتنوع من ذلك واحتفل أهل الدار بل سائر الناس لذلك احتفالًا عظيمًا فاستحضروا من المحصنات نحوًا من ثمانين امرأة. واستحضروا من النساء الأمراء والمقدمين والقضاة والمتصرفين وأكابر أهل البلد فلم يتخلف منهن امرأة. وحمل الأمراء والمقدمون وكبار أهل الدول التقاديم النفيسة إلى باب الدار. فحمل في اليوم الثالث من ذي القعدة من بيت الأمير بدر الدين بن علي
[ ٢ / ١٩٥ ]
الشمسي نحو من ستين حمالًا يحملون الشمع والمزهر والمقصور الملونة والمشام المشبوكة وشيئًا يجل عن الوصف ويزيد عن الحصر. وكذلك الطواشي صفي الدين جوهر بن عبد الله الصيني أمير الحصن يومئذ بتعز. وحمل القاضي شرف الدين حسين بن علي الفارقي والقاضي رضي الدين أبو بكر بن عمر الصائغ والأمير بهاء الدين بهادر بن عبد الله الشمسي والأمير بدر الدين حسن الخراساني والشيخ شرف الدين السفساف وأرسل الأمي فخر الدين أبو بكر الغزالي صاحب حصن صبر بعدة مستكثرة من الحمالين يحملون أنواعًا من أشجار بلاده من الكاذي وقصب السكر وقضبان الآس والثوم والأخضر والفول الأخضر وألوانًا كثيرة من الأعناب وغيرها.
وصار كل من حمل حملًا ممن ذكرناهم وغيرهم يجعل قبل محموله رأسين من البقر كبيرين على أتم ما يكون من الحسن وعليهما ثوبان من الحرير الملون وتصل معه عدة من المغاني والزناجين والبواقين يزفون كل حمل إلى باب الدار المعروف بدار النصر من ثعبات المعمورة. فإذا وصلوا الباب المذكور قام مقدم الجزارين فينزع الثياب الحرير ويذبح ما وصل من الجزائر فإذا ذبح ما أتى به إلى هنالك أخذه من حضر من الغلمان كالسواس والحمالة والبواقين وغلمان البساتين وأهل الإسطبل والفيالين وغيرهم من ينخرط في سلكهم.
وفي يوم السادس من الشهر المذكور أمر السلطان بركوب العساكر المنصورة إلى الميدان السعيد بثعبات المعمورة بكرة وعشية فلم يتخلف أحد من الوزراء الأمراء والمقطعين والمشدين والمقدمين وسائر الجند من الخيل والرجل ثلاثة أيام والطلبخانات تخدم في مواضعها ثلاثة أيام ليلًا ونهارًا.
وكان الطهور المبارك يوم الخميس والتاسع من الشهر المذكور فحضر الناس على اختلاف طبقاتهم من الوزراء والأمراء والمقطعين والمشدين وكتاب الدواوين والقضاة والفقهاء وكبار أهل الوقت. ودخل الجميع من الناس إلى سماط قد أتقنه طهاته. وتناصفت في الجنس جهاته. لم ير الراءون أعظم منه بعد أن أفضت الخلع الملوكية
[ ٢ / ١٩٦ ]
والشاشات المذهبية على كبراء الدولة وكسي الحاضرون على اختلاف حالاتهم من غلمان السلطان خاصة. ثم خرجوا من مجلس السماط إلى مجلس الحلواء فأخذوا منه بحسب ما أرادوا. ثم قاموا إلى سماط فيه من الجوز واللوز والزبيب والعنب والسوبيا والفقاع والفستق والبندق وما يشبه ذلك شيء كثير. ثم قاموا إلى مجلس الطيب فاستعملوا منه شيئًا كثيرًا من البخور والنسك والماء ورد والشند والغالية. وكان يومًا مشهدوًا لم يكن في الدهر مثله.
قال علي بن الحسين الخزرجي عامله الله بإحسانه وكنت ممن حضر ذلك وشاهده شيئًا فشيئًا. وحضر عدة من فصحاء الشعراء بالقصائد الفاخرة وأجيزوا الجوائز السنية وهم الفقيه موفق الدين علي بن محمد الناشري والفقيه سراج الدين عبد اللطيف بن أبي بكر الشرجي والفقيه رضي الدين أبو بكر بن فارس والفقيه عفيف الدين عثمان بن أبي الأصبحي وألفيه نور الدين علي بن إياس الحموي والفقيه برهان الدين إبراهيم بن أبي بكر العزيزي والفقيه شهاب الدين أحمد بن أبي بكر الصبري والفقيه برهان الدين الحجافي والفقيه موفق الدين علي الطيني والفقيه بدر الدين حسين علي الحجازي. ولم يمكني إثبات قصيدة أحد دون أحد وفي جمعهم تطويل وملل. ورأيت أن لا أخلي هذا السرور العظيم عن قصيدة كنت ممن قال في ذلك الفرح والسرور ما يعد به من جملة المحبين فاثبت قصيدتي التي قلتها يومئذٍ وأنا أعلم إنها دون كل ما قيل ولكن ألجأت الضرورة إليها وهي:
هبَّ النسيم معنبر النفحاتِ وشد الحمامُ بأطيب النغماتِ
وتضوَّع اليمن الخصيب بأسرهِ بالطيب من عدنٍ إلى عرفات
وتأَلق البرق الكليل فأشرقت أنواره في حندس الظلمات
فرحًا بتطهير الملوك الأكرمي ن الأعزمين الجلة السادات
أسد الحروب إذا الرماح تشاجرت يوم الوغى وأهلة الجلسات
أولاد مولانا ومالك عصرنا قمر الخلافة صادق العزمات
الأشرف بن الأفضل بن علي بن دا ود بن يوسف قسور الغابات
[ ٢ / ١٩٧ ]
أشباهه في الخلق والخلق الرضى والحزم والحركات والسكنات
والجود يوم السلم والأفضال وال إقدام يوم الروع والفتكات
فالدوح ترقص في غلائل سندس والجوُّ ينثر لؤْلؤ القطرات
والروض معتم النبات بنرجس وشقائق تزري بكل نبات
والناس في فرح وفي مرح وفي لعبٍ وفي طربٍ وفي لذات
والطير ذا شادٍ وهذا زامرٌ فوق الغصون بأفصح الأصوات
والكل يدعو باختلاف لغاتهم في كل ما وقت من الأوقات
يا رب مهد للممهد ملكه وانصره واحرسه من الآفات
وافتح له فتحًا مبينًا واكفه صرف الردى وتغير الحالات
حتى تدين له البلاد بأسرها بالسيف من مصر إلى قلهات
الأشرف الملك الذي عم الورى بالفضل والإحسان والحسنات
وأخو الفضائل والفواضل والنهي والمكرمات الغر والجفنات
ملك له تعنوا القبائل طاعة وله يدين الكسروي العاتي
وأماجد المتعطف المتفضل ال متطول المتهلل القسمات
في وجهه نور الهدى متشعشع متكشف عن واضح الآيات
يغزو فيغزو الطير فوق جيوشه والوحش معه يسير في الجنباب
ذو فطنة ينبيك بعد غد بما سيكون بعد غد بما هو آت
وسماحة وفصاحة وصباحة وشجاعة ورجاجة وأبات
وموارد مشهورة ومشاهد مذكورة ومكارم وصلات
وأبانة ورصانة وشجاعة وبراعة وفراسة وثبات
وسعادة أغنته يوم نزاله عن سل صمصام وهز قنات
يا سيد الخلفاء دعوة خادم يدعو الإله بصالح الدعوات
في كل يوم بكرة وعشية قبل الصلاة وبعد كل صلاة
بالعز والإقبال ما طير شدا والسعد والتوفيق في الحركات
[ ٢ / ١٩٨ ]
وفي يوم الجمعة العاشر من ذي القعدة أجاز السلطان جماعة من الشعراء وغيرهم ذهبًا وفضة وانتشر جوده وغمر كثيرًا من الناس بره.
وفي يوم الاثنين الثالث عشر من الشهر المذكور برز مرسوم السلطان بان يحمل للشريف فخر الدين عبد الله بن إدريس بن محمد بن إدريس بن علي ابن عبد الله بن حسن بن حمزة حمل وعلم وجرده إلى بلاده العليا. وحمل له من المال نحوًا من سبعين ألفًا خارجًا عن الكساوي والخيل والآلات.
وكان تقدمه إلى تلك الجهات المذكورة يوم الثالث والعشرين من الشهر المذكور.
وفي هذا التاريخ وصل عبد الإمام المسمى ويحان إلى باب السلطان راغبًا في الخدمة فكساه السلطان وقبله ووكل أمره إلى الله تعالى.
وفي غرة ذي الحجة تقدم السلطان إلى زبيد فدخلها يوم الثالث من الشهر المذكور فأقام في بستان الراحة وعيد عيد النحر فيه.
وفي التاسع من ذي الحجة الحرام وصل أولاد القائد إلى باب السلطان يطلبون الخدمة والوقوف في الباب السعيد تحت الصدقات السلطانية فقابلهم السلطان بالقبول وانعم عليهم.
وفي يوم الثاني عشر استمر القاضي عفيف الدين عبد الله بن محمد عبد الله الناشزي قاضيًا في تعز المحروس وتقدم الأمير بهاء الدين الشمسي إلى الجهات الشامية كما كان فيها وكان تقدمهُ في محرم الثالث عشر من الشهر المذكور.
وفي يوم الثامن عشر من الشهر المذكور نزل القاضي وجيه الدين عبد الرحمن بن
[ ٢ / ١٩٩ ]
محمد النظاري من حصن منائر أي مدينة المهجم على الذمة الشريفة السلطانية فأقام في المهجم إلى آخر الشهر المذكور.
وفي هذه السنة المذكورة توفي الطواشي كمال الدين فاتن والى ثعبات وكان خادمًا عظيمًا رؤية وسماعًا وكان جبارًا مهيبًا فتاكًا سفاكًا وله من المآثر الدينية المسجد الذي أنشأه في معزية تعز فزق حافة الملح تجاوز الله تعالى عنه.
وفي سنة خمس وتسعين وسبعمائة وصل القاضي وجيه الدين عبد الرحمن بن محمد النظاري إلى الأبواب الكريمة مشتملًا بالذمة الشريفة.
وكان دخوله زبيد يوم السبت الحادي والعشرين من المحرم من السنة المذكورة. فلما وصل إلى الباب السعيد اقبل عليه السلطان وكساه كسوة فاخرة وقدم له بغلة بزيار وأمر له بإقامة سماط في بيته للواصلين معه من العسكر وطلبه بعد ثلاثة أيام إلى المقام الشريف فلما حضر عاتبه معاتبة لطيفة وآنسه من نفسه أنسًا تامًا.
وفي يوم الخامس والعشرين من الشهر المذكور اسلم يهودي في مدينة زبيد فاركب بغلة وزف بالموكب وكسى كسوة فاخرة.
ولما من الله تعالى بعافية أولاد مولانا السلطان من ألم الختان أمر السلطان بعمل فرحة في زبيد ودخل أولاد السلطان الحمام الصلاحي فلما خرجوا منه زفوا إلى الدار الكبير السلطاني في جملة العسكر وكان عسكر زبيد ومشدها وناظرها أمام الناس كلهم وقبلهم عبيد السلاح وغلمان البغلة بأسرهم وبعدهم الغزو الجمدارية والخدام ونقباء العسكر والجاروشية وبعدهم الوزراء وكتَّاب الدواوين وأستاذ الدار وبعدهم الخدام الكبار والمماليك والملوك بعد الناس كلهم على خيولهم في أحسن زي واجمل هيئة وكان سائر الناس يمشون على اختلاف طبقاتهم من أحراث إلى الوزير وأمامهم الطبول والمغاني. وكانت الطبلخانة تخدم على باب الدار الكبير وحضر من الخلق ما لا يحصنهم إلا الله تعالى. ولبست الطلعات ثياب الحرير فكان هنالك يومئذ طلعتان إحداهما تسير على أربع عجل تارة إلى ناحية الشام وتارة إلى ناحية اليمن والأخرى تدور كما تدور المعصرة. وفي كل واحدة من المغاني. والرقاصات ما يدهش الناظرين وحضر يومئذ كافة الجند وأصحاب الرتب والشفاليت على السماط الكبير ولم يتخلف أحد منهم. وحضر كبراء الدولة والقضاة والفقهاء وسائر الأمراء السماط وكان سماطًا حسنًا فيه من أنواع الطبائخ والألوان والأطعمة ما لا يعرف أكثره. وانتقل منه الحاضرون إلى سماط من الحلوى فيه من جميع أنواع الحلوى وكان يومًا تام السرور حسنًا أوله وآخره وذلك يوم الاثنين الثامن من شهر صفر من السنة المذكورة. ووصلت خزانة جيدة من سهام أرسل بها القاضي جمال
[ ٢ / ٢٠٠ ]
الدين محمد بن عمر الشكيل. ووصل أيضًا خزانة أخرى من عدن صحبة الأمير بدر الدين محمد بن بهادر اللطيفي ووصلت أيضًا خزانة من الجهات الشامية وأرسل بها الأمير بهاء الدين بهادر الشمسي.
واستمرَّ الأمير غياث الدين عيسى بن محمد بن حسان أستاذ دار السلطان. وكان استمراره هذا يوم الثاني والعشرين من الشهر المذكور.
وفي هذا التاريخ استمرَّ الأمير يوسف الدين قيسون أمير علم الباب السعيد. وفي ليلة الثالث والعشرين أمر السلطان بتأسيس دار النصر في القُوّرِ الأَعلى ووضعت عتبته يوم الثلاثاء غرة شهر ربيع الأول.
وفي هذا التاريخ تقدم السلطان إلى حيس ثم سار إلى الأَوشج فيطلب اصطياد حمير الوحش فأقام هنالك أيامًا قلائل ثم رجع إلى زبيد فدخلها يوم الجمعة الحادي عشر من الشهر المذكور.
وفي غرة الشهر المذكور تقدم الطواشي جمال الدين مرجان إلى القحمة مقطعًا هنالك. وكان قد ظهر من المعازبة ما ظهر من الفساد فصادف من أَعيانهم محمد بن علي بن خشير ورجلًا آخر معه فقتلهما صبرًا.
فلما كان يوم الثاني عشر من الشهر المذكور ركب الطواشي مرجان فيمن معه من العساكر وقصد المعازبة فقتل منهم رجلين وافترق العسكر في طلب النهب في عدة نواح فاجتمع العرب ورجعوا على الطواشي ومن معه فهزموهم وقتل عدة من الرجال الذي معه وخادم يقال له دينار ومملوك آخر. فلما وصل العلم بذلك إلى السلطان جرد إليه العساكر. فارتفعت المعازبة إلى الجبل ثم وصل شيخ بني بشير صحبة الفقيه الصالح إسماعيل بن إبراهيم بن محمد بن موسى ابن أحمد بن موسى بن عجيل يطلب ذمة السلطان له ولقرابته ويبذل الطاعة فأذم عليه السلطان.
وفي اليوم الرابع والعشرين وصل الأشراف أصحاب جهران إلى باب السلطان ووصل بعدهم ابن الأنف. وكان وصوله في يوم السادس والعشرين فكساه السلطان وأنعم عليه وحمل إليه ألف دينار برسم الضيافة.
[ ٢ / ٢٠١ ]
وفي هذا التاريخ برز مرسوم السلطان إلى المشد يومئذ بزبيد وهو القاضي سراج الدين عبد اللطيف بن محمد بن سالم بأن يعمر النخل المشتري من ورثة العز الآمدي ويغرسه فبادر المشد إلى ذلك فغرس في النخل المذكور نحوًا من خمسة آلاف نخلة في مدة يسيرة وهو الذي يسمى الربوة.
وفي يوم الثاني عشر من شهر ربيع الآخر استمرَّ الأمير فخر الدين أبو بكر بن بهادر السنبلي مقطعًا في القحرية والمقصرية.
وتقدم السلطان إلى محروسة تعز يوم الخامس عشر من شهر ربيع الآخر. فلما دخل حيس رفع إليه إن أميرها الأمير جمال الدين محمد بن عمران الفايشي مد يده إلى شيءٍ من مال الخراجي بها فأمر السلطان على مشد الدواوين وهو القاضي وجيه الدين عبد الرحمن بن محمد بن يوسف العلوي أن يلزم العامل المذكور بتسليم ما أَخذ. فأنكر أن يكون أخذ شيئًا. وكان حسن المعاملة فيما بينه وبين الناس فصادره المشد كما ورد الأمر الشريف فتوفي في المصادرة يوم الأربعاء الحادي والعشرين من الشهر المذكور.
وفي يوم الرابع والعشرين من جمادى الأولى وصل علم الحج المنصور من مكة المشرفة. وفي ليلة الأربعاء السابع والعشرين من جمادى الأولى دفع الوادي زبيد بماءٍ عظيم. قيل إنه أَعظم من سنة سيلة المسلب. وضرر هذا السيل ضرر عظيم في الوادي اخرب جانبًا من محل مانع وشيئًا من محل طرقوه وشيئا من محل حريرة وأتلف في النخل جملة مستكثرة من النخيل وبيوتًا كثيرة.
وفي يوم الرابع من جمادى الآخرة توفي الشيخ أبو بكر القرافي المؤذن عن سن عاليةٍ واصله من قرافة مصر صم سافر إلى مكة وأقام بها مجاورًا. ثم دخل اليمن صحبة السلطان الملك المجاهد في سنة حجته الأولى وهي سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة. وكان رجوعه إلى اليمن في سنة ثلاث وأربعين فأقام مؤذنًا معه على بابه السعيد إلى أن توفي المجاهد في التاريخ المذكور أولًا. ثم استمر على الوظيفة مع
[ ٢ / ٢٠٢ ]
السلطان الملك الأفضل إلى أن توفي في التاريخ المذكور. ثم استمر على الوظيفة مع السلطان الملك الأشرف إلى هذا التاريخ المذكور. وكان للسلطان عليه شفقة تامة فاستمر ولده من بعده على وظيفته إلى أن توفي رحمه الله تعالى.
وفي يوم التاسع من جمادى الآخرة تقدم السلطان من محروسة تعز إلى زبيد فدخلها يوم الخميس الثاني عشر من الشهر المذكور. ووصل إلى باب السلطان خزانة جيدة من المحالب صحبة الأمر سيف الدين فطلبه ووصل بعدة رؤوس من الخيل. وحصل في عشاء يوم الجمعة العشرين من الشهر المذكور مطر عظيم جدًا وهو الثاني من أيار. وكانت الأمطار قبله متوالية من أول نيسان.
وفي يوم الثامن والعشرين من الشهر المذكور قتل الشيخ محمد بن عبد الله ابن فخر النخلي. وكان الذي قتله رجل يقال له مكمين أحد بني الرجوي المناسكة ضربه بمهرية في رأسه ضربتين أو ثلاثًا ثم هرب إلى بلدة المعازبة.
وفي سلخ الشهر المذكور أمر السلطان بعديد المساجد والمدارس التي في زبيد فكان عددها مائتين وبعضًا وثلاثين موضعًا وعدت المعاصر في زبيد فكانت نحوًا من سبعة أو ستة وعشرين عودًا.
وفي اليوم الثاني والعشرين من رجب تقدم السلطان من زبيد إلى النخل فأقام فيه إلى الثامن عشر من شعبان ثم أقام في البحر فأقام فيه أربعة أيام ثم رجع إلى النخل يوم الخميس الثاني والعشرين فأقام إلى يوم الأحد الخامس والعشرين من الشهر المذكور. ثم انتقل إلى زبيد فأقام في بستان الراحة وفي هذه السنة صام السلطان شهر رمضان في بستان الراحة.
وفي شهر شعبان الكريم أرسل الأمير بهاء الدين بهادر الشمسي بالشريف الذي يقال له أبو هدبا تحت الاعتقال.
وفي يوم الأربعاء السادس من رمضان وقع في زبيد حريق عظيم. وكان ابتداؤه من قبلي الجامع فبلغ إلى الخان ثم إلى سوق المعاصر. وفي هذا الحريق المذكور حرقت اللجنة التي تعرف بلنجة الرهائن وكان يومًا عظيمًا.
وفي شهر رمضان المذكور وصل كتاب من كالقوط إلى السلطان مترجمًا عن
[ ٢ / ٢٠٣ ]
القاضي بهاء وعن التجار المقيمين فيها ببذل طاعتهم للسلطان ويستأذنونه في إقامة الخطبة له بها ولم يك يخطب فيها لأحد من ملوك اليمن ولا ملوك مصر ولا من غيرهم. وكان صاحب دلى قد غلب عليهم في أول الدهر. وكذلك أيضًا صاحب هرموز فكانوا يخطبون لهما معًا. فلما جاءت كتبهم إلى السلطان بما ذكرناه قبل ما بذلوه من الطاعة وانعم عليهم إنعامًا تامًا وأذن لهم في ذلك وكساه القاضي كسوة سنية.
وكانت نسخة الكتاب الواصل منهم ما هذا مثاله وبالله التوفيق: بسم الله الرحمن الرحيم. رب سلم وبلغ. وفي حاشية الكتاب المملوك الأصغر والمحب الأكبر قاضي بلدة كاليقوط وجماعة رؤَسائها. وفي صدر الكتاب بعد البسملة وأسأَل من دوَّر الفلك الدوَّار. وسير النجم السيار. أن يطول عمر مولانا المعظم. ومالكنا الموقر المكرم. ملك الوزراء في العالم شهاب الدين فلك المملكة قطب سماءِ السلطنة. ذي المناقب العلية. والمناصب الجلية. ملاذ الكبراءِ. وملجأْ العظماء. عميدا لمصر. عماد العصر. الذي تزجى الركائب في حرمه. وتزكى الرغاب من كرمه. جامع فضيلتي العلم والكرم. حائز وسيلتي الفضل والنعم. قاضي نور الملة والحق والدين. مغيث الإسلام والمسلمين. راحة الخلائق أجمعين. أدام الله جلاله. ومدَّ في الخافقين ظلاله ولا زالت دولته صافية المشارع. ضافية المدارع. ونعمه مترعة الحياض. ممرعة الرياض. ولا برح أحباؤَه في صعود. وأعداؤَه في بدود.
وينهى إلى عمله الشريف. ورأْيه المنيف بعد تقبيل تراب الحضرة العالية والدعاء لامتداد دولته القاصية. إن جماعة بلدة كاليقوط منهم التجار الكرام. والبدور العظام. لما التمس من الداعي أن يشرف المنبر بذكر ألقاب مولانا السلطان الأعظم. الخليفة المعظم. محرر ممالك العرب والعجم. سيد سلاطين الشام واليمن. السلطان السيد الأجل الملك الأشرف خلد الله ملكه. وبالغوا كل منهم بالذكر لمناقب مولانا السلطان خلد الله ملكه والخلفاء المتقدمين. والأَئمة الماضين.
[ ٢ / ٢٠٤ ]
مثل ما يتشرفون الخطباءُ الأحد عشر في أحد عشر بلدًا منها بلدة نلنبور تشرف منبرها بذكر ألقاب مولانا السلطان خلد الله ملكه هذه السنة الجديدة ورغب منهم بذلك. ثم لنحيط علم مولانا دام عزه. وكان قبل هذا التاريخ جماعة من أطراف البلاد مثل السجالة والهرموز والسمطرة وغير ذلك يلتمسون شرف المنبر بذكر ألقاب سلاطين بلادهم ما قدروا على ذلك وصرفوا من الأموال ما لا حصر فيه ولا عدد. والآن قد أجاب الداعي بإجابة ما التمسوه الجماعة المذكورون. وتشرف المنبر بذكر ألقاب مولانا السلطان الأعظم الخليفة المعظم سيد سلاطين العرب والعجم السلطان السيد الملك الأشرف خلد الله ملكه. وأبقى عدله وزاد كل يوم دولته بمحمدٍ وآله.
والسؤَال من صدقات مولانا أدام الله عزه خروج الأمر العالي إلى النواب والمتصرفين في الديوان المحروس ليرقموا اسمه في صحائف الخطباء المعدودين المتقدمين ويرسموه مع رسوم المعدودين محصلًا بذلك الأجر الجزيل والذكر الجميل. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. فأما سبب كتابي إلى جنابكم لا زال عاليًا فهو بإشارة جماعة بلدة كاليقوط منهم جمال الدين يوسف الغساني ونور الدين علي القوي وزين علي الرومي ونور الدين شيخ علي الأردبيلي وسعد الدين مسعود وشهاب الدين أحمد الحوري وغيرهم من التجار المعدودين كلهم قد اتفقوا بذلك ليحصل التفاخر والتسامي فان من تمسك بذيله واعتصم بحبله نال في الدنيا مناه. وفي الآخرة مبتغاه. وقال الدال على الخير كفاعله وفاعله في الجنة. ولا يحتاج المولى إلى المبالغة ومولانا أهل العفو والكرم. ولا يحرمه من جزيل شفقاته. وجميل تعطفاته. وإن يعده من جملة الخدماء المواظبين بالعبودية. ثم الرأي أَولى والأمر أَعلى وسلام على سيد المرسلين والحمد لله رب العالمين أسأَل الله تعالى أن يصون ساحته الكريمة من نكبات الزمان. ويحرسها من طوارق الحدثان. إنهُ كريم منان. رؤف رحيم ثم سلام على المجلس جلالة ورحمة الله وبركاتهُ وعلى من يخصهم من المواظبين بالعبودية بأجزل التحية والسلام.
هذا آخر الكتاب وفي الحاشية أيضًا ما مثاله تحريرًا في الثاني من شهر ربيع
[ ٢ / ٢٠٥ ]
الثاني لحجة خمس وتسعين وسبعمائة.
هذا جملة ما في كتابهم وبالله التوفيق ونعود إلى سياقه الدولة السعيدة الأشرفية أتم الله سعودها ودمر عدوَّها وحسودها.
وفي العشر الأواخر من رمضان جاءَت كتب أهل الشحر يخبرون بهزيمة الخائن ابن نور وإنه خرج منها هاربًا وقبضها بعده غلام السلطان الشماسي.
وفي غرة شوال استمر الأمير شمس الدين علي بن محمد بن حسان واليًا في الثغر المحروس. وكان خروجه من زبيد متقدمًا إلى عدن في اليوم الثاني من شوال.
وفي الخامس من شوال استمر القاضي عفيف الدين عبد الله بن محمد الجلاد في شد الاستيفاء. واستمر القاضي وجيه الدين عبد الرحمن بن محمد العلوي أميرًا في المحالب وحمل له السلطان حملًا وعلمًا وأقطعه حرَض وجعل إليه النظر في الأعمال السرددية فتقدم إلى الجهات المذكورة آخر يوم الأحد الثامن من شهر شوال. وجرد السلطان معه عسكرًا جيدًا يستعين بهِ على طوائف المفسدين من عرب الجهات وغيرهم.
وفي هذا الشهر المذكور توفي القاضي وجيه الدين عبد الرحمن ابن محمد النظاري رحمة الله عليه يوم السابع من الشهر ودفن في مقبرة باب سهام غربي قرية النويدرة وجنوبي قبر الشيخ الصالح أحمد بن الخير الصياد نفع الله به وحضر دفنه كافة أهل المدينة ووجوه غلمان السلطان الوزير وممن دونه. وكان ﵀ رجلًا كاملًا لبيبًا عاقلًا شهمًا جوادًا مشاركًا في فنون العلم رحمه الله تعالى.
وفي يوم الثامن من شوال تقدَّم السلطان إلى محروسة تعز وقد استمر الأمير سيف الدين قيسون أميرًا في الجند عوَضًا عن الأمير فخر الدين ابن السنبلي. وكان دخول السلطان تعز يوم الأحد الخامس عشر من شوال.
وفي يوم الاثنين السادس عشر من شوال توفي الفقيه محمد بن شافع. وكان من أصحاب الشيخ الصالح إسماعيل بن إبراهيم الجبرتي. وكان قد حضر يومئذ
[ ٢ / ٢٠٦ ]
سماعًا للفقراءِ. فلما غنى المغني في السماع دخله شيءُ من الوجد فقام من موضعه وقعد عن المغنى ساعةً ثم رمى بنفسه على المغنى واعتنقه ساعة ثم فترث قواهُ مغشيًا عليه فتركوه ساعة ثم كشفوا عن وجهه فوجدوهُ ميتًا. وكان رجلًا خيرًا كثير السعي في قضاء حوائج الناس ويحب إدخال السرور عليهم. وكان بيته مأوى لمن أراد من الفقراء وغيرهم من الأصحاب ولم يكن له ولد ولا زوجة. وكان في بيته نحو من ثلاثين سنورًا ما بين ذكر وأنثى وهو يشتري لهم ما يأكلونه ويطعمهم ويهتم بهم رحمة الله تعالى. وكان دفنه يوم الثلاثاء السابع عشر من شوال وقبر عند قبر القاضي وجيه الدين النظاري رحمة الله عليهما.
وفي يوم الحادي والعشرين من شوال المذكور توفي أبو بكر السلاسلي وهو رجل من أهل زبيد. وكان قد تنسك وصحب الصوفية وجاهد نفسه وهام حتى ألقى الثياب التي عليه. وكان يسير في المدينة عريانًا لا شيءَ عليه وهو يدور في الشوارع والسكك على تلك الحالة وأن ألبسه أحد ثوبًا أو قميصًا فلا يبقى عليه أكثر من يوم واحد ويطرحه ولم يزل كذلك إلى التاريخ المذكور. فلما كان ليلة السبت الحادي والعشرين من الشهر المذكور وصل إلى بيت أختٍ له في المدينة ودق عليهم الباب ففتحوا له الباب فوجدوه وقد ألقى نفسه على الأرض فحملوهُ ودخلوا بهِ البيت فأشار لهم بيده إلى السرير فوضعوهُ عليه فأمسى عندهم ملقىً على ذلك السرير فأصبح ميتًا وقيل مات في أول يومه ذلك فدفن آخر يوم السبت في مقبرة باب القرتب قريبًا من الباب وحضر دفنه جمع كثير من أهل زبيد وحضر والي زبيد ورؤساؤُها ولم يكن مرض قبل تلك الليلة والله اعلم رحمه الله تعالى.
وفي يوم الأحد تاسع ذي القعدة وصل الأمير شهاب الدين أحمد بن علي بن الشمسي من المخلاف إلى تعز.
وفي الخامس عشر من ذي القعدة تقدم علم الحج المنصور إلى مكة المشرفة واستمرَّ الأمير بهاء الدين الشمسي في القحرية والمقصرية في يوم الجمعة سادس عشر ذي القعدة وسافر إلى جهاته المذكورة من زبيد يوم الخميس الثاني من ذي الحجة
[ ٢ / ٢٠٧ ]
فأوقع بالمقاصرة فقتل مهم نحوًا من عشرين وأسر جماعة آخرين ونهب من أموالهم شيئًا كثيرًا.
وفي الرابع من شهر ذي الحجة أسلم يهودي في مدينة زبيد وكان إسلامه في المدرسة الأشرفية في حضرة القاضي موفق الدين علي بن أبي بكر الناشري الحاكم يومئذٍ بزبيد فكساه القاضي ثم كساه الأمير عز الدين هبة ابن محمد الفخري وكان يومئذٍ أميرًا في زبيد.
وفي العشر الوسطى من ذي الحجة غلا البُر في مدينة زبيد خبزًا وحبًا ودقيقًا فأقام نحوًا من ثمانية أيام ثم جلب بعد ذلك ورخص رخصًا تامًا بحمد الله.
وفي الرابع والعشرين من ذي الحجة توفي القاضي زكي الدين أبو بكر ابن يحيى بن أبي بكر بن أحمد بن موسى بن عجيل بمدينة تعز وقبر في مقبرتها صبح يوم الرابع والعشرين من الشهر المذكور. وكان أوحد زمانهِ فطنةً وذكاءً لا يوجد له نظير. قرأ كثيرًا من فنون العلم وبرع في كل فن وأسند إليه السلطان القضاء الأكبر في أقطار المملكة اليمنية. فكانت مدته في القضاء ثلاث سنين وأربعة أشهر وثمانية أيام رحمه الله تعالى.
وفي هذه السنة توفي الفقيه الماجد رضيّ الدين أبو بكر بن عبد الغفار ابن الفقيه أحمد بن أبي المخير الشماخي. وكان رجل الزمان وسيد أهل بيته كلهم وأكثرهم مروءَةً وأرجحهم عقلًا وأكملهم فضلًا. وكان فيه نفع كثير لسائر الناس ومروءَة طائلة رحمة الله. عليه وحضر يوم دفنه خلق كثير الوزير فمن دونه. وكان دفنه يوم الخميس التاسع عشر من شهر صفر رحمه الله تعالى.
وفي سنة ست وتسعين أغارت المعازبة يوم الخميس من المحرم إلى نحو الأوشج وكان رجوعهم في اليوم السابع من الشهر فترصد لهم أهل وادي زبد في الطرق التي يعتادون المرور فيها فوقعوا في حد أهل الهرمة وكانوا ثلاثة عشر فارسًا. فقتلوا منهم فارسًا يقال له موسى بن العلس. وكان كبيرًا من كبرائهم ورئيسًا من رؤَسائهم وأخذوا فرسه وفرسًا آخر ودخلوا يوم الثامن بالرأس والفرسين إلى مدينة
[ ٢ / ٢٠٨ ]
زبيد فكساهم المشد ووهب لهم دراهم كثيرة.
وفي هذا التاريخ تقدم السلطان من تعز إلى محروسة زبيد فدخلها يوم الأحد الحادي عشر من الشهر المذكور فأقام في قصر بستان الراحة أيامًا ثم انتقل إلى قصر دار النصر بالقوز الأعلى.
وفي آخر الشهر قتل الأمير شهاب الدين مثقال. وكان واليًا في ناحية قرعد فقتله أهل بلده خديعة. وكان أميرًا جوادًا شهمًا حسن السيرة رحمه اله تعالى.
وفي سلخ الشهر المذكور قتل إسحق بن محمد بن إسحق الكاتب. وكان قتله في مدينة حَرض قتله جماعة من العسكر وبنو سبأ. وكان رجلًا شريرًا بذيء اللسان عفا الله عنه.
وفي هذا التاريخ تقدم القاضي شهاب الدين الوزير إلى الكدراء لاستخراج الأموال بها.
وفي يوم الثامن عشر من صفر توفيت الجهة الكريمة جهة الطواشي الأجل جمال الدين معتب بن عبد الله الأشرفيّ أم أولاد مولانا السلطان الملك الأشرف طول الله عمره. وكانت وفاتها في القصر من دار النصر ودفنت ضحى يوم الأربعاء التاسع عشر من الشهر المذكور في التربة المعروفة بها هنالك شرقي تربة الشيخ الصالح زين الدين طلحة بن عيسى الهتار. وفي يوم وفاتها وصل الصاحب من الكدراء وحصل في ليلة وفاتها ويوم دفنها مطر عظيم عام في البلاد. واستمرَّت القراءَة عليها سبعة أيام. فلما انقضت السبع رتب السلطان على قبرها مائة قارئ يقرءون ليلًا ونهارًا فأقاموا شهرًا وكساهم جميعًا وأجازهم ورتب عشرين قارئًا منهم مؤبدين وبنى لهم عشرين بيتًا هنالك يسكنونها ولحقه عليها حرز عظيم وأسف شديد وعقر على قبرها يوم وفاتها عدة رؤوس من الإبل والبقر وأتلف كثيرًا من البهائم. وكانت امرأة كثيرة الخير تفعل المعروف كثيرًا على يد غيرها خارجًا عما تتظاهر بفعله من أفعال البر وهي أم أربعة من أولاده الذكور وهم عبد الرحمن الفائز وأحمد الناصر والعباس الأفضل وعلي المجاهد. ولها من المآثر الدينية المدرسة المعتبية في الواسطة من مدينة تعز فيها
[ ٢ / ٢٠٩ ]
إمام ومؤَذن وقيم ومدرس وطلبة ومعلم وأيتام يتعلمون القرآن. ولها عدة سبل في مقاطع الطرق يردها السارح والرائح. كانت تأمر بإصلاح الطرق والمدرجات والعقبات ومما يتضرَّر بهِ المارُّون من الشجر وغيره.
ورثاها جماعة من الشعراءِ منهم الفقيه موفق الدين علي بن محمد الناشري والفقيه جمال الدين محمد بن علي الراعي والفقيه رضي الدين ابو بكر بن عبد الله الهبيري والفقيه شرف الدين إسماعيل بن أبي بكر المقرئ وغيرهم من الأفاضل البلغاءِ ولم يك على ذهني الساعة شيءُ من قصائدهم. وقد اثبت قصيدةً كنت قلتها يومئذٍ وجعلتها من عوز وهي:
تعزَّ ولا تجزع لنائبه الدهرِ وقابل عظيم الرزءِ بالحمد والصبر
ولا تكترث إن بان خطبُ فقد قضى بما قد قضى في الخلق ذو الخلق والأمر
لمل امرئ كأس من الموتِ مترع ولكننا نسري إلى أجل يسري
فحمدًا على حُلْو القضاءِ ومُرّةِ وصبرًا فان الصبر من شيمة الحرّ
على ذا مضى الناس اجتماع وفرقة وكل بذا يدري وان كان لا يدري
فكم من قرونٍ قد مضوا لسبيلهم فهم بين أطباق المهامة والقفر
وكم أمة خلت بعد أمةٍ كما قد خلى في الشهر أمس من الشهر
وكم من ملوكٍ قد مضوا وتتابعوا كمنتثر السلك العظيم من الدر
فعوّضك الرحمن صبرًا وعصمةً وأجرًا على عظم الرزية في القدر
ولا زال عفو الله يسقى ضريحها يهنون بالبشرى من الله والبشر
وكم من مليكٍ حافيًا من أمامها ومن خلفها يمشي وأدمعهُ تجري
لقد أوحشت منها قصور منيعةُ وكانت إذا ما أسفرت زينة القصر
بكتها السما والأرض يوم وفاتها وأمسى سحاب الأفق أدمعه تسري
فيا ليلةً ما كان أوحش بتها وقد كنت ذا بأسٍ شديدٍ وذا صبر
[ ٢ / ٢١٠ ]
فحسبي من يوم تقضي وليلة وحسبي من صدّ صُددت ومن هجر
وسقيًا لأيام تقضت عهودها ورعيًا لعصر قد تقضَّى من العصر
فيا أم عباسٍ ويا أم أحمدٍ ويا أم عبد الله يادرة النحر
لقد طال ليلى بعد ليلتك التي تمنيت فيها إنها ليلة الحشر
فإن كنت قد غيبت عني فلم يغب خيالك عن عيني وذكرك في فكري
وما أنت إلا الشطر مني حقيقةً وما شطر شيءٍ بالغنىّ عن الشطر
وما راقني من بعد وجهك رائقُ ولا شافني ما في العيون من السحر
ولم يلهني قرب الحبيب الذي دنا ولم يشفني طيف الخيالِ الذي يسري
على وجهك الميمون حيًّا وميتًا سلام يزيد العطر عطرًا إلى العطر
وما غرَّدَت وُزقُ وما حنَّ راعدُ وما لاح برقُ يستطير ويستشري
يهوّن جدي فيك إنك في الورى من الذاكرين الله في ساعة الذكر
وما فيك من نسكٍ وما فيكِ من تقىً وما فيكِ من سرٍّ وما فيكِ من بر
وعلمي بانَّ الموت لابدَّ واقعُ وأنىَ أجزى بالتجلُّدِ والصبر
ولاشك عندي ثم لا شك إنما تنقلتِ من قصرٍ منيفٍ إلى قصر
فلو جاز ان تُفدَى لما غلىَ الفدى ولو كان بالأعمار شطرًا إلى شطر
ولو جازان تحمى حميت من الردى بهنديةٍ بيضٍ وأرماحنا السمر
ومقربةٍ قبٍّ عتاقٍ شوازبٍ وأُسدٍ غطاريفٍ حجاحجةٍ غر
بها ليل من غسان من آل جفنةٍ فروعهم فرعي ونجرهم نجري
ولكن أمر الله للناس غالبُ وكلهم تحت الإرادة والقهر
قال علي بن الحسن الخزرجي عامله الله ولما كان بعد أسبوع من وفاة الجهة الكريمة توفيت الدار السعيد جهة حافظ بنت مولانا السلطان الملك المجاهد قدس الله سره في الجنة. وأقام السلطان الملك الأشرف بعد وفاة جهته المذكورة شهرًا كاملًا في قصره دار النصر لا يدخل ولا يخرج إلا في جوف الليل إلى التربة المرحومة يقرأ ما تيسر
[ ٢ / ٢١١ ]
من القرآن ويرجع. فلما كان يوم الأربعاء ثامن عشر ربيع الأول انتقل السلطان من دار النصر إلى الدار الكبير السلطاني بزبيد.
وفي هذا التاريخ تزوَّج السلطان بالجهة الكريمة جهة الطواشي جمال الدين مرجان الأشرفي. وأقام السلطان في مدينة زبيد شهرًا كاملًا. وفي آخر الشهر المذكور وصل علم الحج المبارك من مكة المشرفة إلى مدينة زبيد ثم بعد أيام انتقل السلطان إلى الدار الصلاحي فأقام فيه أيامًا ثم رجع إلى الدار الكبير لمضي ثمان من شهر ربيع الآخر.
فلما كان ليلة السادس عشر من الشهر المذكور أغار السلطان في العسكر المنصور إلى بلد المعازبة. وكانت جواسيسهم لا تبرح في المدينة. فلما عزم السلطان على غزوهم جاءَتهم جواسيسهم بالخبر فارتفعوا هاربين فلم يدرك منهم إلا من لا يؤْبه له فقتل بعضهم وسلم الباقون فنهب العسكر قراهم ومحالهم ولم يكونوا خرجوا إلا بالمواشي فقط فأقام السلطان والعسكر في بلادهم يومًا واحدًا ثم رجع إلى المدينة فدخلها يوم السابع عشر من الشهر المذكور عازمًا على العود إليهم والمحطة عليهم فأقام في زبيد بقية يوم السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر في إصلاح عدد الحرب وتفقد آلاتها وخرج يوم العشرين في جيش أجيش.
جياد تعجز الارسان عنها وفرسان تضيق بها الديار
بخف أغرّ لا قود عليه ولا ديةُ تساق ولا اعتذار
فحط في القرية المعروفة ببيت الفقيه ابن عجيل وأرسل الخازندار إلى زبيد وأمره بحمل مائة ألف دينار من المال وما أَمكنه من الدروع والكازغندات إلى زبيد والخوذ. فتقدم الخازندار إلى زبيد مبادرًا وحمل جميع ما طلب منه. فلما وصله الخازندار سار من بيت الفقيه بن عجيل في جملة عساكره المنصورة. وكانت الخيل يومئذٍ ستمائة لابس والرجل ألف وثمانمائة قوس خارجًا عن أصحاب التراس من الجلادة فحط على عبيد الخنكة. وكانت محطته في القرية المعروفة ببيت العقار فهرب العبيد عن بلادهم فنبههم العسكر نهبًا شديدًا.
[ ٢ / ٢١٢ ]
فلما كان يوم الثالث من يوم وصوله إليهم ركب في العسكر المنصور وسار معه بحملين من الطبلخانة والمزمار وراية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ورايته المنصورة فدخل بلاد العبيد وقد كانوا أرسلوا عيونًا لهم فلما سمعوا بركوب السلطان والعسكر ارتحلوا بنسائهم وأولادهم ودوابهم ولم يصبح في الهيجة منهم أحد. فنهب العسكر محلتهم ورجع السلطان أى محطة المنصورة.
وفي مدة وقوف السلطان في المحطة المذكورة وصل مشايخ الرماة إلى باب السلطان وأَحضروا ما عندهم من الخيل. وكانت خيلهم يومئذٍ ثلاثة عشر ووصل مشايخ الزيديين بالخيل التي معهم فعوضهم السلطان غيرها وأمر بأن يكتب لهم منشور كريم بتخفيف قطيعة الضاحي ورجعوا إلى محلتهم مسرورين فلما طال وقوف السلطان في المحطة أرسل العبيد بالخيل التي معهم جميعها وجملتها إحدى وعشرون رأْسًا. وكان جملة وقوف السلطان في بيت العقار اثني عشر يومًا.
وفي آخر الشهر المذكور أَوقع الأمير بهاء الدين الشمسي بالمقاصرة فقتل منهم نحوًا من ثلاثين نفرًا واخذ رؤوسهم وأرسل بها إلى السلطان فجاءَته وهو في المحطة المذكورة.
وفي غرة شهر جمادى الأولى انتقل السلطان من المحطة المذكورة إلى مدينة الكدراء. ثم تقدم إلى المهج فلقيه الأمير بهاء الدين الشمسي وعجلان بن الهليس وأخوه عيسى ونور الدين الصنعاني. وكانت الذبائح والفرش الحرير من العرج عرج حنيش إلى المهجم فأقام السلطان في المهجم نحوًا من عشرة أيام وانفق على العسكر نحوًا من خمسين ألف دينار.
وأحضر الشمسي خيل عرب السرددية وبنى حفيص وبني عبيدة وأهل الدويرة وبني زيد نحوًا من أربعين رأْسًا وودي أهل الغنيمة ستة رؤوس.
ثم انتقل السلطان إلى المحالب فلقيه القاضي وجيه الدين عبد الرحمن ابن محمد العلوي والأمير سيفد الدين قيسون ودخل السلطان إلى المحالب في جيش عظيم. وحمل القاضي وجيه الدين عبد الرحمن بن محمد العلوي من الضيافة
[ ٢ / ٢١٣ ]
ما حمله. وحمل مع الضيافة ثلاثة عشر ألف دينار وقاد من جياد الخيل حينئذٍ اثنين وعشرين رأْسًا ومن الثياب الفاخرة بألفي دينار.
ووصل عسكر حرض وصحبتهم من الخيل الجياد عشرون رأْسًا وأمر السلطان على الوزير بالركوب إلى بلد القائد وإحضاره فركب إلى المنصورة ووصل بالقائد أبي بكر بن أحمد بن علي ووصل معه أخوه وعمه فدخلوا على السلطان فأذمَّ عليهم وآنسهم من نفسه الشريفة وخلع عليهم وتقررت أحوالهم ورجعوا إلى بلادهم على ذمة السلطان فأرسل القائد أبو بكر بثلاثين رأْسًا من الخيل. ثم إن السلطان ركب يومًا إلى بلد القائد في عساكره فارتاع القائد لذلك فأمر أصحابه بالشد فشدوا وركبوا. فعلم السلطان بجمعهم فقصدهم فواجهه القائد فقبض عليه. ودخل السلطان المنصورة وصاحت صوائحه بالأمان فلم يمد أحد يده إلى شيء أبدًا فوقف السلطان في المنصورة إلى آخر النهار. ورجع إلى المحالب بالقائد معه تحت الاعتقال وطلب منه الخيل فاحضر من الخيل مائة واثني عشر رأْسًا وأحصر ستة وعشرين درعًا وأطلقه السلطان وقدم التزم ببقية ما عنده من الخيل.
وبرز أمر السلطان بطلب خيول عرب الجهة فأحضر الصميون تسعة وعشرين رأسًا. وأتى شيخ الواعظات بستة عشر رأْسًا. وأرسل صاحب جازان بستة رؤوس من الخيل.
وفي مدة إقامة السلطان في المحالب استمر القاضي جمال الدين محمد بن عمر بن شكيل مشدًّا.
وفي يوم الخامس عشر من جمادى الأولى توفي الأمير عز الدين هبة بن أبي بكر الفخر بن يوسف بن منصور. وكان يومئذٍ اميرًا في زبيد ودفن يوم السادس عشر من الشهر المذكور.
ولما علم السلطان بوفاته أمر ابن عمه نجم الدين محمد بن إبراهيم بن محمد الشرف بن يوسف بن منصور فسار سيرة ابن عمه.
وفي آخر يوم السادس والعشرين من الشهر المذكور أغار القرشيون من وادي
[ ٢ / ٢١٤ ]
رمع على المعازبة بني بشير إلى نخل المدني. وقد كان الخبر أتى إلى القرشيين بأن المعازبة هربوا ولم يكن ذلك صحيحًا بل كانوا في أَتم ما يكون من الجمع. فلما أتاهم العلم بغارة القرشيين إليهم خرجوا فاهتزم القرشيون آخر النهار فقتل منهم نحو من اثني عشر رجلًا واقتلعوا منهم أربعة أفراس وعقروا فرسين وأخذوا أربع رواحل.
وفي سلخ جمادى الأولى أغار المعازبة على فشال في جمع عظيم فسكرهم أهل فشال وطردهم وأخذوا لهم بحريين وجرحوا منهم جماعة.
وفي يوم الجمعة غرة جمادى الآخرة قتل الشيخ النهاري بن عيسى الأشعري شيخ بني الدريهم قتله أولاد علي بن العجمي بأبيهم وقتل معه الشيخ علي بن جهيض الأشعري أيضًا قتله جماعة من المالكيين في رجل قتل منهم قتله جماعة من عبيد الأشاعر.
وفي مدة إقامة السلطان في المحالب برز أمره العالي بكتب منشور بتنفيس القطيعة لأهل الضاحي ورغب للناس. وركب يومًا في عسكره المنصور إلى حدود حصن منائر فنهب العسكر أهل تلك الناحية نهبًا شديدًا وحرقوا بعض القرى. ورجع السلطان آخر يومه ذلك إلى المحالب. وكان مدة إقامته في المحالب شهرًا وثلاثة أيام.
ثم رجع السلطان من المحالب إلى الأعمال السرددية. وكان دخوله بيت حسين يوم الجمعة الثاني والعشرين من جمادى الآخرة فأمسى بها ليلة واحدة وسار إلى المهجم فدخلها يوم الثالث والعشرين من الشهر المذكور فأقام فيها ثلاثة أيام وكتب للرعية منشورًا بتخفيف القطيعة وأضاف الجهة إلى الأمير بهاء الدين الشمسي ثم سار يريد زبيد فدخلها يوم الخميس الثامن والعشرين من الشهر في عسكر ضخم نحو من خمسمائة لابس ومن الرجل نحو من ثلاثة آلاف راجل وأمامه الخيل التي قبضها من العرب المفسدين وهي مائتان وستة وتسعون رأْسًا وكان قد هلك منها شيءُ في الطريق فدخل مدينة زبيد في التاريخ المذكور دخولًا حسنًا وكان يومًا مشهودًا.
[ ٢ / ٢١٥ ]
وفي غرة شهر رجب وهو يوم السبت كان أول سبوت النخل فأقام السلطان في دار السرور يوم السبت ويوم الأحد ويوم الاثنين ثم انتقل إلى دار النصر فأقام فيه الثلاثاء والأربعاء ودخل زبيد يوم الخميس وصلى الجمعة في جامع زبيد يوم السابع من الشهر المذكور. وكان السبت الثاني كذلك وصل الجمعة يوم الرابع عشر في جامع زبيد.
ووصل يوم العشرين من رجب كتاب من مكة المشرَّفة يخبر عن تمرلنك الملك التركي بما وصل إليهم من الأخبار فذكروا إن تمرلنك جاءَت أوائل عسكره إلى بغداد في يوم السابع عشر من شوال سنة خمس وتسعين فلما وصلت أوائل عسكره كما ذكرنا انشمر صاحب بغداد ابن أويس وحمل جميع ما يقدر على حمله ممات قد ادخره وخرج في ألفي فارس إلى مصر. فلما كان يوم العشرين من شوال المذكور وصل الملك تمرلنك في عساكره وجيوشه إلى بغداد فنهبها وقتل أهلها قتلًا ذريعًا وأقام فيها أربعة أشهر من عشرين من شوال إلى بعد النصف من صفر سنة ست وتسعين وخرج من بغداد في أواخر صفر بعد أَن ترك فيها أميرًا وترك معه خمسة آلاف فارس. وكان عسكره عسكرًا عظيمًا يسير الراجل في محطته اثني عشر يومًا وغالبهم كفار وذكروا ان فيهم ثلاثين ألفًا يأكلون الناس وإنهم إذا أقبل الليل يجعلون في حظيرة ويبيت عليهم من يحرسهم لئلا يخرجوا إلى أحد من الناس فيؤْذونهم. ولما رجع الملك تمرلنك من بغداد كما ذكرنا سار نحو الشام. فيقال إنه قصد هادرين والسوس واستباح أهلها والله أعلم.
وأما ما كان من أبن أويس لما قصد مصر خرج إليه برقوق وتلقاه وأكرمه وأنصفه. وكان وصوله في شهر ربيع الآخر وخرج برقوق من مصر في عساكر عظيمة لا تحصى. وذلك إنه لم يترك في مصر أَميرًا ولا جنديًّا ولا فقيهًا ولا متنسكًا إلا سار معه. وسار معه جميع عرب الشام بني مهنا وغيرهم وسار معه بالحرافيش وسار معه ابن أويس وساروا جميعًا إلى الشام وأرسلوا إلى صاحب الروم ان يواجههم ويرجوا أن الله ينصرهم.
[ ٢ / ٢١٦ ]
وذكر صاحب الكتاب الواصل من مكة المشرفة إنه وصلهم كتاب من المدينة الشريفة من بعض المجاورين بها إلى بعض المجاورين بمكة فذكر فيه إن نائب حلب بلغه إن الملك تمرلنك أرسل مقدمةً من عسكره ثلاثين ألفًا إلى الشام. سمع بهم نائب حلب فجهز عسكره ومن قدر عليه من عرب الشام بني مهنا وغيرهم ثم ساروا جميعًا إليهم فلما التقوا انهزم أصحاب تمرلنك وقتل منهم مقتلة عظيمة ورجعوا إليه مكسورين وأَرسل الله عليهم الفناء فهلك كثير منهم.
وفي هذا التاريخ وهو آخر سنة ست وتسعين وسبعمائة لم يصل إلينا علم برقوق ومن انضم إليه من جموع الشام والروم والعراق وغيرهم وسيأتي خبرهم إن شاءَ الله تعالى.
وفي يوم السبت الثاني والعشرين من رجب من هذه السنة توفي مولانا الملك الفائز ابن مولانا السلطان الملك الأشرف وهو أكبر أولاده وكان عاقلًا ذا أناة وسكينة رحمه الله تعالى ودفن عند والدته في التربة المذكورة وحضر دفنه كافة أهل زبيد على اختلاف حالاتهم وسائر العسكر وعقر على قبره عدة من ذوات الأربع. وكانت القراءة عليه سبعة أيام آخرها سلخ شهر رجب المذكور.
وفي يوم الاثنين غرة شعبان نزل السلطان النخل فأقام فيه كجاري عادته وفي يوم الخميس الحادي عشر من شعبان استمر القاضي وجيه الدين عبد الرحمن ابن محمد العلوي في شد الاستيفاء وشد الحلال ووقف شد الخاص مع القاضي عفيف الدين عبد الله بن محمد الجلاد.
وتقدم السلطان إلى البحر يوم السادس عشر. وتقدم القاضي شهاب الدين الوزير إلى زبيد يوم الأربعاء السابع عشر من الشهر المذكور فأقام فيها ثلاثة أيام ثم سافر آخر نهار الجمعة التاسع عشر إلى الجهات الشامية فكانت إقامته في المحالب فعمَّر الدار الذي هنالك وعمرت به الجهة بأَسرها.
وفي يوم العشرين طلع السلطان من البحر إلى النخل ثم طلع إلى زبيد يوم الحادي والعشرين وتقدم إلى تعز يوم الأربعاء الرابع والعشرين. وكان دخوله يوم
[ ٢ / ٢١٧ ]
الأحد الثامن والعشرين من شهر شعبان المذكور وتهيأَ للصيام وأَخلى محلة دار النصر لحضور الفقهاء والقضاة والأمراء والوزراء ومن يعتاد حضور مجلسه للتشفية في شهر رمضان كما جرت العادة حفظه الله. وكان الحاضرون مجلسه الشريف في شهر رمضان يتنازعون في تفضيل الرطب والعنب أَيهما أَفضل من صاحبه فحصل الإجماع بتفضيل الرطب على العنب. وكان القائل بتفضيل الرطب على العنب فقهاء تهامة وأمراؤها. وكان القائلون بتفضيل العنب على الرطب فقهاء الجبال وأمراؤها وقد أسند أهل الجبال أمرهم إلى الفقيه صفي الدين أحمد بن موسى التعزي الشافعي وكان فقيهًا عارفًا مدققًا بحاثًا محجاجًا. وأسند أهل تهامة أمرهم إلى الفقيه شرف الدين إسماعيل بن أبي بكر عبد الله المقري الحسيني. وكان يتوقد ذكاءً وكان حاضر هذه الواقعة حاكم الشرع الشريف القاضي عفيف الدين عبد الله بن محمد بن عبد الله الناشري وكان أكمل أهل زمانه لا يوجد له نظير في أبناء جنسه أَحق الناس بقول أبي الطيب المتنبي حيث يقول
قاض إذا التبس الأمران عنَّ له أمرُ يفرّق بين الماء واللبن
القائل الصدق فيه ما يضرُّ بهِ والواحد الحالتين السرّ والعلن
وفي يوم الأربعاء التاسع من شهر رمضان أَسلمت امرأَة من اليهود ودانت بدين الحق وتبرأَت من كل دين خالف دين الإسلام. وكان زوجها من الإسرائيليين فالزمه حاكم الشريعة المطهرة بتسليم صداقها الذي تستحقه عليه فسلمه في مجلس الحكم وفرَّق الحاكم بينهما فرقة لا اجتماع بعدها إلا أن يسلم هو والله على ما يشاءُ قدير.
وفي هذا التاريخ تقدم الأمير بدر الدين محمد بن بهادر السنبلي أميرًا في أبين وانفصل عنها الأمير بهاء الدين بهادر اللطيفي.
وفي اليوم الرابع والعشرين وصل الفقيه الإمام العلامة القاضي الأجل مجد الدين محمد بن يعقوب الشيرازي من الثغر المحروس مطلوبًا إلى الأبواب الكريمة. فلما وصل إلى الباب الكريم أكرمه السلطان وأنصفه وأنزله منزلة تليق بحاله وحمل
[ ٢ / ٢١٨ ]
إليه للفور أربعة آلاف درهم جدد برسم الضيافة. وكان قد أرسل له إلى عدن بمصروف أربعة آلاف درهم يتزوَّدها ويتجهز بها للوصول إليه ولم يزل مقيمًا عنده على الإعزاز والإكرام. وانتفع به الناس انتفاعًا عامًا وكان في عصره شيخ الحديث والنحو واللغة والتاريخ والفقه ومشاركًا فيما سوى ذلك مشاركة جيدة. وله مصنفات مفيدة وشرح الجامع الصحيح للبخاري شرحًا ممتعًا. وكان صيام السلطان رمضان هذه السنة في محروسة ثعبات المعمورة. ووصل الأمير بهاء الدين بهادر اللطيفي من مدينة أَبين إلى باب السلطان. وكان وصوله يوم السادس والعشرين من الشهر المذكور.
وفي يوم السابع والعشرين وصل الشريف شمس الدين علي بن القاسم صاحب جهران في نحو من ثلاثين فارسًا يريدون الخدمة على الباب السلطاني فأكرمهم السلطان وأَنصفهم كما جرت عادته رحمه الله تعالى.
وعيَّد السلطان عيد الفطر في ثعبات المعمورة. وركب ولده الملك الناصر في جملة العسكر المنصور نائبًا عن والده فصلى في مصلى العيد بعد أَن عبر العسكر في الميدان السعيد على جاري عادتهم وكان يومًا مشهودًا.
وفي شهر رمضان المذكور أَمر السلطان رحمه الله تعالى أن يندب جماعة من القراء يشفعون في التربة المباركة تربة موالينا جهة معتب تغمدهم الله برحمته وأَمر أن يعمل في كل ليلة من الشهر سماط نفيس يحضر عليه القراء والمرتبون على التربة المذكورة وعلى تربة مولانا الملك الفائز وكانوا أربعة وعشرين قارئًا وكسا الجميع منهم لكل نفر منهم نصف مقطع بياض وثوب خام وأمر لكل نفر منهم أربعين درهمًا وربع مد طعام وربع مد من التمر وترك ثلاثين رأسًا من البقر يكون ما تحصل من لبنها للمذكورين ومن ينخرط في سلكهم من المأذنة والسرادالية وغيرهم.
وفي يوم التاسع عشر من شهر شوال حصل في مدينة تعز ونواحيها مطر ورعد وبرق فاصاب البرق جماعة مات منهم أربعة نف في ساعة واحدة حتى قيل أن أحدهم كان في تلك الساعة يؤَذن فأصابه البرق وهو في أثناء الأذان فلم يتم كلمته التي هو فيها.
[ ٢ / ٢١٩ ]
وفي يوم التاسع والعشرين تقدم علم الحج إلى مكة المشرَّفة من مدينة زبيد وفي هذا التاريخ استمرَّ الأمير بهاءُ الدين بهادر اللطيفي مقطعًا في حرَض وكان تقدمه إليها في غرة ذي القعدة.
وفي يوم العشرين من ذي القعدة ركب القاضي شهاب الدين أحمد بن عمر بن معيبد من مدينة المحالب يطلب من القائد القطعة التي عليه فامتنع عن تسليم ما يتوجه عليه وخرج في عسكره مواجهًا للوزير فأمر الوزير العسكر بقتاله فانهزم هزيمة شنيعة ودخلت بلاده التي هو فيها التي تسمى المنصورة ونهبها العسكر نهبًا شديدًا وما ترك للقائد ولا لغيره شيء وأخذت بقية دوابه التي في إصطبله وأصابته جراحه مؤلمة وهرب عن البلاد وتركها فأمر الوزير في بلاده بعض اخوته وقرر أحوال الناس فأقام فيها أيامًا. ووصل كتاب القائد بتسليم ما يجب عليه وطلب ذمة عليه وعلى كافة أهل بلده فأُجيب إلى ذلك ورجع إلى بلاده فأقام فيها.
وفي يوم الرابع والعشرين من ذي القعدة أَغار القرشيون والأشاعر بوادي رمع على المعازبة وقتلوا منهم نحواَ من ثلاثين رجلًا كما أخبرني رجل منهم. وكان جملة من احتزَّ من المعازبة في هذه الغزوة ستة عشر رأسًا وطلعوا بها إلى السلطان فكساهم وأنعم عليهم.
وفي يوم الحادي عشر من ذي الحجة أَغارت المعازبة على أموال أهل الوادي زبيد في ناحية الحازة فنهبوا منها شيئًا كثيرًا من البقر وسائر المواشي وكان الناس مشغولين فأغارت الأشاعر والعسكر المنصور من فشال على المعازبة عقيب غارتهم على وادي زبيد فنهبوا لهم مالًا جزيلًا وخرجت المعازبة في طلبهم فعجزوا عن استنقاذ المال.
وفي العشر الأواخر من ذي الحجة برز مرسوم السلطان بطلب الوزير من المحالب طلبًا حثيثًا. فكان تقدمه من المحالب يوم السابع والعشرين من ذي الحجة وترك أخوته في المحالب وهو الشرف أبو القاسم بن عمر معيبد وترك الآخر في المهجم وهو إسماعيل بن عمر معيبد. وكان وصوله إلى زبيد يوم الاثنين آخر يوم من ذي الحجة.
[ ٢ / ٢٢٠ ]
وفي هذه السنة المذكورة حصل في قرية موزع ونواحيها رجفات متتابعة نحوا من أربعين رجفة في يوم واحد وذلك في جمادى الأولى أو الأخرى. أخبرني بذلك الفقيه أبو بكر بن سليمان الأصابي عن مشاهدة لا عن رواية غيره والله أعلم.
وفي سنة سبع وتسعين وسبعمائة تقدم الوزير من محروسة زبيد إلى باب السلطان مصحوب السلامة فقابله السلطان بالقبول فأمر السلطان على كافة العسكر أن يخرجوا في لقائه وخرج في لقائه أيضًا مولانا الملك الناصر إكرامًا له وإعظامًا. فلما وصل إلى الباب الشريف قابله السلطان مقابلة جيدة وكساه كسوة سنية وقاد له بغلة بزنار وأعطاه خمسة آلاف دينار. وعزم السلطان على النزول إلى تهامة فكان خروجه من تعز يوم العاشر من المحرم ودخوله زبيد يوم الاثنين الرابع عشر منه.
فلما استقر السلطان في زبيد أَمر الوزير بالتقدم لجباية الأموال بالجهات الشامية فبينما هو يتجهز لذلك إذ وصل العلم بقتل الأمير بهاء الدين اللطيفي وكان الذي قتله أهل الجثا في حدود حرض. وكان قتله ليلة الأربعاء السادس عشر من المحرم ووصل علم قتله إلى زبيد يوم السبت التاسع عشر فتقدم الوزير يوم الأحد العشرين من الشهر المذكور. واستر عوضه الأمير فخر الدين أبو بكر بن بهارد النسبلي واستمر الأمير علم الدين سنجر في القحمة عوضًا عن ابن السنبلي. وأقام الوزير في الكدراء أيامًا يقرر أحوال الرعية هنالك. ثم أرسل في يوم من الأيام جماعة من الديوان إلى بعض جهات الرماة فامتنعوا عن الوصول وبطشوا بالديوان فرجع الديوان واخبروا بامتناعهم فامر الوزير جماعة من العسكر بالغارة عليهم فخرجوا نحوهم وكان مقدمهم الأمير سيف الدين قيسون وتبعه الأمير فخر الدين أبو بكر السنبلي فأوقعوا بالعرب فقتلوا منهم بعضًا وثلاثين رجلًا من مشاهيرهم ونبهوهم نهبًا شديدًا لأن العسكر بغتتهم وهم على غير أهبة واحتز من القتلى نحو من سبعة عشر أو ثمانية عشر رأسًا وأسر مهم أربعة أنفار من أكابرهم. ثم وصلت رسلهم إلى الوزير يطلبون الذمة ويتحرجون عما يجب عليهم من الواجبات السلطانية فأجاب الوزير إلى ذلك وأطلق الأسارى وكساهم وحلفهم على حسن
[ ٢ / ٢٢١ ]
الطاعة وترك العصيان.
فلما كان السبت الرابع من صفر أمر السلطان على العسكر أن يتهيئوا للغزو إلى بلد المعازبة وأرسل إلى الوزير يأمره بان يلقاه بمن معه من العسكر صبح الأحد الخامس من الشهر المذكور فخرج السلطان من زبيد آخر يوم السبت ولم يعلم بخروجه أحد من العرب. وخرج الوزير بمن معه من العسكر. وكانت المعازبة قد انتقلت من مواضعهم خوفًا من السلطان ودخلوا في بلاد الحجنبة وبنى عباس في موضع آخر يسمى الردم بفتح الدال المهملتين فوصلهم الوزير أولًا فقاتلوه قتالًا شديدًا وهربوا بأموالهم إلى الناحية التي أتاهم فيها السلطان وفي ظنهم أن السلطان لا يغير إلى ذلك الموضع لبعده عنه فما عملوا حتى أشرقت عيلهم العساكر فنبهوا أموالهم بأسرها واشتد القتال ساعة جيدة فقتل من العرب ساعة القتال طائفة وكثر فيهم النشاب فانهزموا بعد ما كثر فيهم القتال. وفشت الجراح فيهم فيقال إن الذين قتلوا في ذلك اليوم أكثر من مائة بشيء كثير وقتل بعض أولادهم وبعض نسائهم من النشاب وانتهبوا نهبًا شديدًا وكانت الواقعة يوم الأحد الخامس من شهر صفر من السنة المذكورة ورجع السلطان إلى زبيد يوم الاثنين السادس من الشهر. ورجع الوزير في خدمة الركاب العالي إلى زبيد. ثم رجع الوزير نحو الجهات الشامية. كان تقدمه ليلة الأربعاء الثامن من صفر فأقام في الكدراء أيامًا ثم خرج مسيرًا إلى وادي سهام فاخبر عن المقاصرة إن منهم جمعًا كبيرًا منتشرين في الوادي سهام فقصدهم الوزير فلزم منهم جماعة ودخل بهم الكدراء فأمر بقتل من عرف بالفساد منهم فكانوا ستة عشر رجلًا وأرسل برؤوسهم وبقية الملزمين إلى باب السلطان بزبيد وأرسل صحبتهم بخزانة جيدة وكان ذلك كله في العشر الأواخر من صفر من السنة المذكورة.
وفي شهر صفر المذكور استمر الأمير فخر الدين أبو بكر بن بهادر العدني أميرًا في الثغر المحروس عوضًا عن الأمير شمس الدين علي بن محمد بن حسان، واستمر ابن حسان المذكور ناظرًا به عوضًا عن الجمال الشتيري وتقدم الجمال الشتيري إلى
[ ٢ / ٢٢٢ ]
الشحر ناظرًا هنالك.
وفي آخر يوم الأربعاء سلخ صفر المذكور خرج السلطان غازيًا من زبيد إلى بلد المعازبة فقتل مهم أربعة رجلًا فنهب العسكر أموالهم نهبًا شديدًا. وأقام السلطان والعسكر في بلادهم يوم الخميس غرة ربيع الأول ويوم الجمعة. ورجع إلى زبيد يوم السبت الثالث من شهر ربيع المذكور مؤيدًا منصورًا. ووصل معه الأمير بهاء الدين الشمسي وكان دخوله زبيد في عسكر جيدٍ من الخيل والرجل.
وفي غرة شهر ربيع الآخر توفي الفقيه شهاب الدين أحمد بن الفقيه وجيه الدين عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن الخير بن منصور الشماخي. كان فقيهًا عارفًا متفننًا وحضر دفنه والقراءة عليه جمع كثير من أهل زبيد وغيرهم وكان يوم وفاته يومًا مشهودًا.
وفي ليلة الأربعاء السابع من شهر ربيع الآخر توفي الشيخ معروف ابن الشيخ الجليل إسماعيل بن إبراهيم الجبرتي وقبر في تربة باب سهام الغربية مما يلي المدينة.
وفي ذلك اليوم تقدم الركاب العالي إلى سرياقوس وتبعه كافة العسكر. وفي ذلك اليوم بنيت القنطرة الشرقية التي هي قبلي بستان الراحة لطريق الزربية والمرشدية ولم يك قبل ذلك هنالك قنطرة. وكان الذي أمر ببنائها القاضي سراج الدين عبد اللطيف بن محمد بن سالم وكان مشدًا بوادي زبيد يومئذٍ. وكان رجوع السلطان من سرياقوس يوم الأحد الحادي عشر من الشهر المذكور لصيد حمير الوحش فاصطاد منها في يوم الاثنين السادس والعشرين ستة رؤوس وقيل سبعة وأَقام هنالك يوم الثلاثاء ودخل زبيد يوم الأربعاء الثامن والعشرين.
وفي يوم السبت غرة شهر ربيع الآخر أغار سنجر على المعازبة فقتل منهم جماعة فيهم رجل يقال له إبراهيم بن مذكور وكان من شياطينهم واحتز من القتلى رؤوس وأرسل بهم إلى زبيد.
وأغار الأمير بدر الدين محمد بن علي بن الشمس على المعازبة يوم الثلاثاء الرابع من الشهر المذكور فنهب العسكر أموالهم واستمروا راجعين بما قد نهبوه.
[ ٢ / ٢٢٣ ]
واجتمعت خيول العرب وخرجوا في آثارهم وقد افترق العسكر فأدركوا الأمير بدر الدين في جماعة من الخيل والرجل فغشيهم العدو من كل جانب فقاتل الأمير ومن معه قتالًا شديدًا حتى كلَّت الخيل ولم يعطف عليه أحد من العسكر فوقف به فرسه فقتل وقتل معه حمزة بن الأنف وعلي بن محمد بن الأنف ومملوك من العسكر وأْحد عشر رجلًا من الرجل في التاريخ المذكور فجرد السلطان حينئذٍ الأمير بدر الدين محمد بن بهادر اللطيفي في عسكر من الباب فأقاموا في فشال. واستمرَّ الأمير بدر الدين محمد بن علي الريمي في فشال في التاريخ المذكور.
وفي يوم الخميس الخامس من شهر جمادى الأولى وصل القاضي وجيه الدين عبد الرحمن بن محمد العلوي بخزانة جيدة من لحج وأَبين. وكان السلطان قد ندبه لجباية الأموال في تلك الناحية.
وفي ليلة الثلاثاء العاشر من جمادى الأولى كانت ولادة الملك الصالح حسن بن مولانا السلطان الملك الأشرف ووصل القاضي شهاب الدين الوزير من الجهات الشامية يوم السادس عشر. ووصل صحبته بخزانة جيدة ووصل بنيف وأربعين رأسًا من الخيل.
وفي هذا التاريخ أغار الأمير بدر الدين محمد بن بهادر اللطيفي من فشال إلى بلد المعازبة فقتل منهم جماعة احتز منهم تسعة. ووصل بالرؤوس إلى باب السلطان في التاريخ المذكور.
وفي يوم العشرين من الشهر المذكور تقدم السلطان إلى سرياقوس فاصطاد ستة من حمير الوحش أيضًا ورجع يوم الحادي والعشرين إلى زبيد فأقام إلى يوم الخميس الثالث من جمادى الآخرة ثم تقدم إلى النخل ثم إلى البحر وأقام هنالك إلى يوم الأحد السادس من الشهر. ثم ارتفع عن البحر فكان دخوله زبيد يوم الاثنين السابع من الشهر المذكور فأقام في زبيد الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة والسبت وتقدم يوم الأحد لمباشرة أملاكه السعيدة في جهات الوادي زبيد في شريج المنقار وأبي
[ ٢ / ٢٢٤ ]
الروم وغيرهما وأمسى في النخل ثم دخل زبيد يوم الاثنين الرابع عشر من الشهر المذكور.
وفي يوم الخامس عشر من الشهر المذكور أمر الشيخ إسماعيل ابن إبراهيم الجبرتي برجل من فقرائه فضرب بالسياط وأخرج عن مدينة زبيد بسبب أوجب ذلك.
وفي يوم السادس عشر من الشهر المذكور أمر الشيخ إسماعيل بن إبراهيم الجبرتي بضرب الشيخ صالح المكي فضرب بالسياط ضربًا مبرحًا. ثم إن الشيخ إسماعيل استأذن السلطان في إخراجه من اليمن فأجابه إلى ذلك وصرف أَمره إلى أمير البلد فأرسل به الوالي إلى البحر وأمر نوابه أن يسافروا به إلى بر العجم. فلما صاروا به في البحر وكان يومًا شديد الرياح صرفتهم الرياح عن مقصدهم وألقتهم في ساحل الحديدة: ساحل من سواحل الوادي سهام. فأقام هنالك متسترًا.
وفي يوم العشرين من الشهر المذكور أمر السلطان بعمارة الدار المسمى دار الذهب بزبيد وهو الركن اليماني من الدار السلطاني. واهتم به السلطان اهتمامًا شديدًا ففرغ في أقرب مدة.
وفي شهر رجب أصلحت المعازبة جميعًا وردوا ما عندهم من الخيل ووصل بهم الأمير سيف الدين سنجر صاحب القحمة في يوم السبت الثالث من رجب ووصل في عسكر جيدٍ من الخيل والرجل ووصل صحبته تسعة عشر رأْسًا من الخيل. وكان ذلك اليوم أَول سبت من السبوت المعتادة.
وفي يوم السبت الرابع والعشرين من رجب وصل الأمير الكبير الشريف صلاح بن علي بن مظهر بن محمد بن مطهر بن يحيى إلى الأبواب السلطانية وسلم لمولانا السلطان حصن ذروان فكساه السلطان وأنعم عليه وأعطاه أربعين ألف درهم.
ونزل السلطان النخل يوم الثاني من شعبان. وقد عمرت الدورات والعراريش والإصطبلات وجعل السلطان لحوية باب الدار أربعة أبواب شرقي
[ ٢ / ٢٢٥ ]
وغربي وشمالي وجنوبي فاحتوت الحوية على آلات السلطان كلها من الخيل والبغال والحمير والأفيال وسائر البيوتات كالخزانة والفرشخانة والطشتخانة والشربخانة والركبخانة والطبلخانة فازدان بها الموضع وحسن حسنًا تامًا.
وفي يوم السبت التاسع من شعبان توفي الفقيه الإمام وجيه الدين عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن أبي الخير الشماخي. وكان دفنه يوم الأحد العاشر من الشهر المذكور وحضر دفنه عالم كبير. وكان شيخ الحديث في مدينة زبيد رحمه الله تعالى.
وفي يوم الأحد العاشر من الشهر المذكور تقدم السلطان إلى البحر فأقام هنالك في نزهته وفرجته إلى آخر يوم الثلاثاء التاسع عشر من الشهر المذكور ثم ارتفع إلى النخل فأقام فيه إلى يوم الأربعاء. وكان دخوله زبيد يوم الخميس الحادي والعشرين فأقام في الدار الجديد يوم الخميس ويوم الجمعة ويوم السبت وتقدم إلى محروسة تعز يوم الأحد الرابع والعشرين فدخلها يوم الخميس الثامن والعشرين من الشهر المذكور. وصام السلطان رمضان هذه السنة المذكورة في تعز المحروس. وكانت إقامته في دار الوعد.
وفي يوم الجمعة السادس من شهر رمضان توفي القاضي جمال الدين محمد ابن علي الجنيد. وكان فقيهًا فاضلًا حسن السيرة ولاه السلطان القضاءَ في مدينة تعز. فكان مشكور الثناء حسن السيرة محبوبًا عند سائر الناس. ثم فصله السلطان فأقام أيامًا ثم ولاه السلطان القضاءَ في مدينة عدن فأقام هنالك مدة ثم انفصل وأَراد السلطان أن يوليه القضاءَ الأكبر فاخترمته المنية قبل ذلك التاريخ المذكور رحمه الله تعالى.
وفي اليوم الحادي عشر من الشهر المذكور وصل الأمير عماد الدين يحيى بن أحمد الشريف الحميري إلى باب السلطان فقابله السلطان بالقبول وصام الناس رمضان هذه السنة تسعة وعشرين يومًا وعيَّد السلطان عيد الفطر في دار الوعد. فلما انقضت أيام العيد هذه تقدم الأمير بدر الدين محمد بن زياد الكاملي إلى الثغر المحروس وسار صحبته بخيل الموسم. وكان تقدمه من تعز يوم الخميس الرابع من شهر شوال.
[ ٢ / ٢٢٦ ]
وفي ليلة الرابع أو الخامس جرَّد الوزير عسكرًا من المحالب لحصن منابر وأمرهم أن تكون محطتهم في قلعة حسن. فلما اصبح تبعهم في عسكر جيد من الخيل والرجل فأحاط بالحصن من سائر جهاته وحصره العسكر حصرًا شديدًا.
فلما كان يوم الثلاثاء أذعن أصحاب الحصن وبذلوا تسليمه وسألوا ذمة شاملة من الوزير فأَذم عليهم. فلما وصلوا إليه كساهم وأحسن إليهم فنزلوا بأولادهم ونسائهم وأثاثهم. وكان في الحصن طعام مشحون أرادوا أن ينزلوا به فاشتراه الوزير منهم وقبض الحصن ورتب فيه عسكرًا يحفظونه.
وفي يوم الخميس الحادي عشر من شوال تقدم السلطان إلى الجوة فأقام هنالك إلى يوم الخميس الثامن عشر من شوال. ثم طلع الدملؤة يوم الجمعة التاسع عشر منه.
وفي أثناء إقامته في الجوة وصل العلم بان الجحافل أغاروا هنالك فخرج إليهم الأمير بدر الدين محمد بن زياد في العسكر السلطاني الذي نزل معه فقتل منهم جماعة حزمن رؤوسهم أربعة وأسر أربعة واستقلع خمس رؤوس من الخيل. وأقام السلطان في حدود الدملؤَة إلى آخر الشهر.
وفي آخر الشهر المذكور قتل علي بن القائد وأُسر أخوهُ عبد الله. وكان السبب في ذلك لما تقدم الوزير إلى المحالب لاستخراج الأموال بالجهات الشامية هرب جماعة من الصميين إلى بلد القائد بما عليهم من الواجبات السلطانية فكتب الوزير إلى أبي بكر القائد وأخيه علي ابن القائد أن يمنعوا من أَتاهم من رعية السلطان ولا يؤووهم. فلما وصل كتاب الوزير إليهم طرد أبو بكر من كان معه من الرعية المذكورين فآواهم على أخوه فكتب إليه الوزير يتوعده فأرسل إلى أخيه أبي بكر يعلمه إنه واصل إليه خائف من الوزير. ثم انتقل إلى ناحية أخيه فما أعلم أخوه أبو بكر حتى قد صار عليّ معه في القرية على حين غفلة فأَحاط هو وعسكره بدار أخيه أبي بكر وحالوا بينه وبين عسكره ثم هجم على أخيه فأخذه برقبته واستولى على بلاده وبلاد أخيه وكتب إلى الوزير يعلمه إنه قد أَخذ البلاد وأَن أخاه قد صار معه تحت الاعتقال فأمر الوزير أن
[ ٢ / ٢٢٧ ]
يرسل به إليه فعزم على ذلك فدخل عليه بعض أهله وأكابر بلده وفندوا رأْيه وقبحوا فعله وقالوا له لا يحسن منك أن تسلم أخاك ولكن اسجنه عندك فأنت أحق به فقيد أخاه بكر حينئذٍ وأرسل به إلى موضع آخر من بلاده سجنه فيه. فلما علم الوزير بفعله سار إليه في العسكر المنصور.
فلما صار قريبًا منه أرسل إليه يقول له إِما أن ترسل بأَخيك إليَّ وأما أن تطلقه فلما علم بخروج الوزير خرج في عسكره متنحيًا عن القرية فتبعه العسكر فعطف بعض عسكره على رجل من العسكر فطعنه طعنة قتلته فحمل عسكر السلطان على عسكره فقتلوا من أصحابه شريفًا يقال له مطرف كان فارسًا مشهورًا. فلما علم القائد بقتل الشريف مطرف حمل هو وعسكره وكانوا نحوًا من مائتي فارس على العسكر السلطاني فثبت لهم العسكر ثباتًا حسنًا ورد عليهم عسكر ردة صادقة فقتل علي ابن القائد وقتل معه جماعة وأُسر عبد الله ابن القائد ودخل العسكر المنصورة ونهبها نهبًا شديدًا واستولى على ما هنالك من دواب وسلاح وقماش وغير ذلك. وفي يوم الرابع عشر من ذي القعدة وقع في تعز ونواحيها وسائر المخلاف مطرُ شديد قيل إنه من بعد صلاة الجمعة إلى أن مضي جزءُ من الليل فأتلف في تعز بيوتًا كثيرةً وتهدمت عدة دكاكين على ما فيها ونزل في تلك الليلة في وادي زبيد مياه عظيمة أتلفت مواضع كثيرةً في أعلى الوادي وفي أسفله وتتابعت السيول ولم تنقطع وتكرر الماءُ في المحارث مرَّة بعد مرَّة وسقى في وادي زبيد مواضع كثيرة لا عهد لها بالسقي وسقيت الضواحي بماء الوادي. وفي يوم الأحد السادس من القعدة رجع السلطان من الجوة إلى محروسة تعز. وفي يوم الأربعاء التاسع من القعدة تقدم علم الحج المنصور إلى مكة المشرفة. فكان دخوله زبيد يوم الأحد الثالث عشر. وتقدم من زبيد يوم الاثنين الرابع عشر من الشهر المذكور صحبة القائد علي ابن سعيد. وفي يوم الاثنين الرابع عشر من الشهر المذكور وقع في التهائم مطر عظيم عام وهاجت رياح شديدة. وغرق في ذلك خمس سفائن من سفن الحجاج على ساحل المخلاف السليماني. وفي اليوم الثاني والعشرين من ذي القعدة وصل العلم إلى زبيد بقتل الشريف علي بن عجلان صاحب مكة المشرفة. وكان الذي قتله بنو عمه. ويقال
[ ٢ / ٢٢٨ ]
إن قاتله قتل يومئذ قتله عبيد المقتول علي بن عجلان. وكان قتله في ناحية الوادي من يوم السابع من شوال. والله أعلم. وفي يوم السبت السادس والعشرين من ذي القعدة المذكورة تقدم القاضي شهاب الدين الوزير من قرية المحالب يريد الباب الشريف السلطاني بما صحبته من أموال الخراج وغيرها وبما جمعه من التحف والهدايا. فكان دخوله زبيد يوم الخميس عشرة ذي الحجة وكان خروجه من زبيد بعد صلاة الجمعة من يوم الجمعة الثاني من الشهر المذكور. ودخل تعز يوم الاثنين الرابع من ذي الحجة. ووصل صحبته من الخيل والهدايا والتحف شيء كثير وكان عدة الخيل ثمانية وعشرين رأْسًا فأَمر السلطان ولده مولانا الملك الناصر أَن يتلقاه في كافة العساكر فخرج في لقائه وخرج معه من الأمراء الأمير بهاء الدين الشمسي، والأمير بدر الدين محمد بن بهادر اللطيفي، والأمير بدر الدين محمد بن زياد. ووصل إلى الباب الشريف في كافة العسكر فقبله السلطان مقابلة رضية وكساه صيفية ملوكية. وصرف له بغلة بزنار ووهب له ألفي دينار.
وفي يوم السادس من ذي الحجة استمر القاضي الأجل مجد الدين محمد ابن يعقوب الشيرازي في القضاء الأكبر وكتب له منشور بذلك في أقطار المملكة اليمنية. وكان من الحفاظ المشهورين والعلماء المذكورين وهو احق الناس بقول أبي الطيب المتنبي حيث يقول
أديب رست للعلم في أرض صدره جبال جبال الأرض في جنبها قف
وفي هذا التاريخ وصل العماد يحيى بن علي السقيم وهو يومئذ أمير مدينة حيس بطير من الجوارح أمسكه المخابنة من ساحل حيس وفي رجله شكال من حرير فيه لوح من ذهب مكتوب فيه اسم صاحبه يقال إنه من طيور صاحب مصر أو لبعض أمرائها الكبار ففرح به السلطان وكسا الذي وصل به كسوة سنية. ولما انقضى عيد النحر عزم السلطان على الطلوع إلى المخلاف فأنفق على العسكر نفقة شهرين في آخر ذي الحجة وفي شهر محرم من سنة ثمان وتسعين.
وفي سنة ثمان وتسعين وسبعمائة وصل ولد السيري إلى الباب السلطاني فكساه السلطان وأنعم عليه وصرف له حصانًا اخضر وبغله وانصرف راجعًا إلى أبيه.
[ ٢ / ٢٢٩ ]
وفي هذا التاريخ برز أمر السلطان بالسفر وأمر الفراشين يحملوا ثمانين حملًا من الخام وخرجت الزردخانة وكان خروج الطبلخانة يوم الثالث من المحرم وهو يوم الثلاثاء وتقدم آخر يومه ذلك في كافة العسكر المنصور.
جيش كأَنك في أرض تطاوله فالجيش لا أمم والأرض لا أمم
إذا مضى علم منه بدا علم وإن مضى علم منه بدا علم
فأقام في قرية المقادمة أَيامًا وأرسل إلى ابن السيري من يجس مخاضته فوجده على أقبح سيرة وأخبث سريرة فارتحل السلطان عن المقادمة فكان دخوله دار السلام من جبلة يوم الجمعة الثالث عشر من المحرم فأقام في دار السلام ووصلت إليه القبائل من كل ناحية. واستخدم الرجال وبث الأموال. وأرسل ابن السيري صاحب بعد أن يطلب منه عسكرًا بالجامكية فكره وامتنع عن تصدير عسكره إلى السلطان فتحقق السلطان فساده وإفساده ومكره وعناده. وكان جملة من تخلف عن الوصول إلى السلطان من القبائل يومئذ ابن السيري صاحب بعدان وعبد الباقي الصهباني. وعلي ابن داود الحبيشي صاحب الخضراء من حبل الشوافي. ثم إن السلطان تولاه الله يسير يومًا إلى ناحية اب. وكان ابن السيري قد رتب فيها نحوًا من ألفي راجل. فلما قرب السلطان من المدينة أغلقوا باب المدينة وظهر منهم ما لم يكن في ظن أحد من الناس من السفه وقلة الأدب فرجع السلطان عنهم ولم يكن يومئذ قصده قتالهم فأقام في دار السلام أيامًا ثم قصدهم يوم السبت الحادي والعشرين من المحرم فأغلقوا الأبواب وقاتلوا ساعة من نهار قتالًا شديدًا فانهزم العسكر السلطاني هزيمة شديدةً. وثبت السلطان وولده أحمد الناصر ثباتًا حسنًا. وتراجع الأمراء الكرام ثم حمل السلطان والعسكر حملة صادقة. وكانوا قد أرسلوا إلى ابن السيري يطلبون منه زيادة في العسكر فتأَخرت عنهم العادة فكسبهم السلطان ودخل عليهم العسكر المدينة قهرًا وأخربها العسكر خرابًا كليًا ونهبوا ما وجدوه فيها وقتلوا من أهلها جماعة ورجع السلطان إلى دار السلام ظافرًا منصورًا.
وفي آخر الشهر المذكور أمر السلطان الطواشي جميل في قطعة من العسكر
[ ٢ / ٢٣٠ ]
المنصور إلى ناحية من بعدان فقاتلوا أهلها قتالًا شديدًا وأخربوا عليهم خمس قرى. ونهبوا من أموالهم شيئًا كثيرًا ورجع العسكر المنصور إلى السلطان سالمين غانمين ووصل الشيخ عبد الباقي بن عبد الملك الصهباني إلى باب السلطان في عسكر جيد فقابله السلطان مقابلة جيدة وكساه. ثم إن السلطان أمر بالمحطة على الشيخ علي بن داود الحبيشي. وعلى حصنه المعروف بالخضراء من بلد الشوافي فسار إليه السلطان والعسكر وحط عليه العسكر وضيقوا عليه ضيقًا شديدًا. وكان طلوع السلطاني إلى الشوافي والمحطة هنالك يوم الاثنين الثاني من صفر. فأقام السلطان في محطته المنصورة يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء وفتح الحرب عليهم يوم الخميس من كل ناحية. وكان علي بن داود الحبيشي قد جمع جمعًا عظيمًا من أهله وغيرهم. فلما وجد الضيق الشديد جمع جمعه الذي معه وخرجوا يقاتلون العسكر فانهزمت الناحية التي هو فيها فقتل وقتل معه جماعة من قرابته وآخرون من غيرهم وقتل معه ولد من أَولاد وهو الذي يسمى الأسد وقتل عماد الحفاء وكان عظيمًا من عظمائهم واسر ولده إدريس بن علي وأبو القاسم بن داود الحبيشي. وأخرب دار علي بن داود وبساتينه ونهبت أمواله ونهبت البلاد نهبًا شديدًا. وحرقت المنازل والقرى وكان ذلك يوم الخميس الخامس من صفر واحتزت رؤوس القتلى وحملت إلى بين يدي السلطان. ولم تزل المحطة على الخضراء حتى أثر فيها الخراب من المنجنيق والعرادات فضاق أهلها من شدة الحصار وطلبوا الذمة وبذلوا تسليم الحصن فأجابهم السلطان إلى ذلك. فنزل الشيخ محمد بن داود الحبيشي إلى باب السلطان. فكساه السلطان وأنعم عليه وأسلم الحصن وطلع نائب السلطان فقبض الحصن يوم الخميس الثاني عشر من صفر. وارتفعت المحطة وقد دانت القبائل وسلموا الرهائن من أولادهم واخوتهم. وكان جملة الرهائن ثمانية وعشرين رهينة. ورجع السلطان إلى دار السلام يوم السبت الرابع عشر من صفر. فأقام في دار السلام أيامًا ورجع إلى تعز ظافرًا منصورًا. فدخلها يوم الأحد الثاني والعشرين من صفر. فكانت غيبته عن تعز في غزوته هذه ستة وأربعين يومًا. ولما دخل تعز في التاريخ المذكور أقام فيها إلى
[ ٢ / ٢٣١ ]
يوم الخميس السادس والعشرين. ثم تقدم إلى مدينة زبيد. فكان دخوله زبيد يوم الاثنين آخر يوم من صفر من السنة المذكورة في عسكر جرار. ورؤوس القتلى أمام العسكر المنصور. ولسان الحال ينشد
بلغنا ما نشاءُ من المرد وحزنا ما نريد من البلاد
وفلقنا رؤوسًا عاصيات بأَسياف مهندة حداد
وصلنا صولةً يوم الشوافي فدانت عند صولتنا الأعادي
أتيناهم بكل اقب نهد شديد أسره سلس القياد
وفرسان كأسد الغاب بأْسًا ورجل مثل منتشر الجراد
فزلزلنا الجبال وساكنيها وكادت أن تطير من البلاد
وقد ظلت سراة القوم صرعى يشق القواضب والصفاد
وكل مقوم لم يعص أمرًا يشق إذا انبرى قلب الفؤاد
طغوا وسعوا فسادًا فانتقمنا بحزب الله من حزب الفساد
فأضحت دورهم منهم خلاء بلاقع لا مجيب ولا منادي
أبحناها اغتصابًا ثم جدنا عليهم بالطريف وبالتلاد
وعدنا ظافرين إلى تعز على القب المطهمة الجياد
فقل لمحمد السيري عني إذا واجهته يومًا وناد
أفق من قبل أن يغشاك بأس وإن يلحق ثمود بقوم عاد
فإني يا محمد عن قريب إليك بعاديات الخيل غاد
وبالسمر المثقفة العوالي وبيض المشرفيات الحداد
وأبطال يرون الموت غنمًا جلاد سيما يوم الجلاد
وشم من ذري عثان غر على غر محجلة جياد
وبالجيش الأجش وكل قرم طويل الباع مسترخي النجاد
وما زال الإله لنا معينًا وهادينا إلى سبل الرشاد
أنا الملك الممهد ذو المعالي سليل الأفضل الملك الجواد
[ ٢ / ٢٣٢ ]
أما الملك الرسولي اليماني هزبر الملك وكاّف الأيادي
كريم الفرع زاكي الأصل لا من قالاوون ولا من آل شاد
أجود بكل ما ملكت يميني ولا يغني طريفي عن تلادي
وتعنوا لي القبائل في ذراها ولو كانت على السبع الشداد
وتخدمني ملوك الأرض طرًّا وسل من شئت من قار وباد
ولما دخل السلطان زبيد في التاريخ المذكور سكنها واستوطنها واخترع فيها القصور العجيبة. والمنازل الرحيبة. وفي يوم الأحد السابع والعشرين من صفر المذكور توفي الفقيه الإمام العلامة موفق الدين علي بن عبد الله الشاوري الفقيه الشافعي. وكان أحد من تدور عليه الفتيا في زبيد تفقه بالفقيه إسحاق ابن أحمد بن زكريا وبالفقيه جمال الدين الريمي وتفقه به عدة من أهل زبيد وكان باذلًا نفسه للطلبة ﵀.
وفي يوم الثاني عشر من شهر ربيع الأَول تقدم السلطان إلى النخيل وباشر الأرض التي اشتراها من ورثة الفقيه جمال الدين الريمي وغيرهم في ناحية التحيتاء وهي التي تسمى سرياقوس الأسفل ورجع آخر يومه إلى مدينة زبيد. وفي يوم الثالث والعشرين من شهر ربيع المذكور كان ابتداءُ عمارة المتجر بزبيد المحروس على يد القاضي سراج الدين عبد اللطيف بن محمد بن سالم وفي شهر ربيع الآخر تقدم السلطان إلى سرياقوس الأعلى واصطاد من هنالك ورجع إلى محروسة زبيد. وفي اليوم الخامس من جمادى الأولى أرسل السلطان بهدية سنية إلى الديار المصرية صحبة القاضي برهان الدين إبراهيم بن عمر المحلى وذلك في مقابلة ما وصل من هدية السلطان الملك الظاهر سيف الدين برقوق.
وفي هذا التاريخ توفي الفقيه شرف الدين أبو القاسم بن الحضرمي. وكان يومئذ ملتزم الوادي زبيد. وكانت له مكانة عند السلطان فسار بالناس سيرةً صعبةً. وغير على الرعية كثيرًا مما يعتادونه ونفع آخرين. وكان سبب موته انه خرج يباشر في شريج أبيرة ومعه جماعة من المساح والذراع وغيرهم. فلما انقضى النهار
[ ٢ / ٢٣٣ ]
رجع الجميع إلى المدينة فركب حصانًا معه وسار يريد المدينة فلما صار في حلة الوادي زبيد شب به الحصان. وكان ﵀ ضعيف الفراسة فلما شب به الحصان جذب عنانه إليه جذبًا شديدًا. فألقاه الحصان عن ظهره ثم وقع الحصان عليه فوقع السرج على قلبه بقوة الحصان فغاب ذهنه ساعة من نهار. ثم أفاق فحمل إلى بيته على ظهر دابة فأمسى ليلته أليمًا وظل كذلك إلى نصف النهار ثم توفي رحمه الله تعالى.
وفي يوم التاسع من شهر رجب استمر الأمير شجاع الدين عمر بن سليمان الابي أميرًا في زبيد عوضًا عن الأمير نجم الدين محمد بن إبراهيم الشرف.
وفي هذه السنة ظهر جراد عظيم فاتلف شيئًا من الزراعة. واخبرني من يحكى عن الفقيه شهاب الدين أحمد الحرضي نفع الله به والفقيه صارم الدين إبراهيم بن وهاس وجماعة من الثقات إن رجلًا من أهل البادية بينما هو يحرث في ذهب له إذ انبعث من السحب والعود جراد عظيم صغار يهول من رآه. وآخر إنه رأى جرادة تبيض في الأرض فنزعها فانقطع بطنها فخرج منه بيض كثير جدًا. ويروى إن رجلًا أَراد أن ينفر الجراد عن أرضه فوقع عليه الجراد حتى غشيه فخاف أن يأكله الجراد فتركها وهرب وكان ذلك في شهر رجب من السنة المذكورة.
وفي يوم الثامن من شعبان تقدم السلطان إلى النخل في عساكره وآلته وفي هذه السنة جعل القاضي سراج الدين عبد اللطيف بن محمد بن سالم على حوية باب دار الشوخين وجعل فيه أربعة أَبواب فكانت الجمال والخيل والطبلخانة والخزانة وسائر البيوتات كلها من داخل الدرب وكان نزول السلطان النخل لاستخراج الأموال يوم الثاني عشر من شعبان وصام السلطان رمضان هذه السنة في النخل وكان صيامًا حسنًا ولم يذكر إن سلطانًا قبله صام رمضان في النخل أبدًا والله اعلم.
وفي أول يوم من شهر رمضان هذه السنة قتل الأمير بدر الدين محمد ابن سيف الدين قتله الأهمول وكان يومئذ أميرًا لجهات الموزعية وكان سبب قتله انه لزم رجلًا منهم فحبسه فمات في الحبس من غير ضرب ولا تعذيب.
وفي أثناء شهر رمضان المذكور وصل إلى باب السلطان ولد سلطان دلي
[ ٢ / ٢٣٤ ]
فأكرمه السلطان إكرامًا حسنًا وكساه كسوة سنية وقاد له رأسًا من جياد الخيل كامل العدة والآلة. ووهب له أربعة آلاف درهم وآنسه من نفسه أنسًا تامًا. وكان يحضر مجلس التشفيع في كل ليلة من شهر رمضان أسوة الجماعة المندوبين لذلك. وكان اسمه كوجر شاه بن طغرخان بن فيروزشاه سلطان الهند. وكان لفيروزشاه المذكور عدة أولاد. فلما توفي ولي الملك منهم طغرخان والد هذا الولد المذكور فأقام طغرخان في الملك أيامًا ثم نازعه أحد اخوته وقتله وقتل عدة من أولاده واستولى على الملك. وكان هذا الولد يومئذ صغيرًا ولم يعلم به عمه فلما شب خشي على نفسه فخرج من الهند وأعمالها إلى اليمن.
وفي أثناء شهر رمضان المذكور وصل الملك الفائز ابن السلطان الملك المظفر. صاحب ظفار الحبوضي مستوفدا للصدقات السلطانية.
وفي يوم الثاني والعشرين انفصل شهاب الدين أحمد بن علي بن الشمسي من الجثة. ووصل الوزير من الجهات الشامية بنحو من ستين رأسًا من خيول العرب في جملتها حصان اصفر كان صاحبه يسميه بريم الجهة.
وفي يوم الثاني والعشرين من شهر رمضان خرج جماعة في طريق النخل فنهبوا المتخلفين في الطريق من زبيد إلى النخل. فلما اصبح الصبح قصوا أثرهم فسار بهم الأثر إلى قرية الحجوف. فألزم أهل القرية إحضار الخصوم فما زال أهل القرية يبحثون حتى دخلوا موضعًا وجوا فيه جماعة من الرجال يظهرون انهم من الفقراء يظلون يطلبون الناس فإذا جن الليل انتشروا في المواضع وفيهم من يقصد السرقة وفيهم من يقصد الطرق للنهب ففتشوا مساكنهم فوجدوا فيها عدة من الثياب الفاخرة. ووجدوا معهم طعامًا مصنوعًا مهيئًا للأَكل فظهر للناس أنهم لا يصومون وانهم يتزيون بزي الفقراء أهل الفاقة وأفعالهم كلها غير مستحسنة فأخذوا أمر السلطان بتلفهم.
وفي شهر رمضان من هذه السنة سمع السلطان صحيح البخاري من حديث رسول الله ﷺ على القاضي مجد الدين يومئذ وكان ذا سند عال من
[ ٢ / ٢٣٥ ]
طرق شتى. وعيد السلطان عيد الفطر في النخل. فكان عيدًا لم يكن مثله في كثرة الناس وحسن الهيئة واجتماع العسكر.
وفي يوم الثالث من شوال نزل السلطان البحر فأقام هنالك إلى يوم الثالث عشر من الشهر المذكور ثم ارتفع إلى النخل. ثم دخل زبيد يوم الرابع عشر فأقام فيها إلى يوم العشرين. ثم تقدم إلى تعز آخر ليلة الحادي والعشرين. فكان دخوله تعز يوم الخميس الثاني والعشرين من الشهر المذكور.
وفي يوم الحادي عشر من ذي القعدة توفي الأمير هيصم الدين إبراهيم ابن الأمير أسد الدين محمد ابن الملك الواثق بن يوسف بن عمر بن علي بن رسول وكان وفاته في زبيد ودفن في مقبرة باب سهام عند القرية المعروفة بالمرزوقية. وفي عشية الجمعة الرابع من ذي الحجة قتل الشيخ عمر بن حنان في قرية الهرمة بوادي زبيد وقتل معه جماعة من قرابته وقتل أولاده وقرابته جماعة من أعدائهم بني نمر.
وحصل في هذه السنة المذكورة وهي سنة ثمان وتسعين وسبعمائة برق في قرية من قرى مور. يقال لها المدلة " بضم الدال المهملة وتشديد الميم امفتوحة وبعد اللام هاء تأنيث " فأحرق كل دابة فيها. وماتت دوابها من البقر والغنم والحمير والجمال. ولم يحرق من القرية شيءُ لا من بيوتها ولا من أهلها ولا أصاب إحداهن ساكنها ضرر في جسمه أبدًا إلا اثنين كانا خارج القرية منفردين عن القرية فحرقا. اخبرني بذلك الفقيه علي بن محمد الناشري. قال وكان البرق في شعبان من السنة المذكورة.
وفي شهر المحرَّم أول سنة تسع وتسعين وسبعمائة نزل السلطان تهامة فكان دخوله زبيد يوم الخميس الثالث والعشرين من المحرم المذكور.
وفي يوم الأربعاء التاسع والعشرين انفصل الأمير شجاع الدين عمر بن سليمان الأَبي عن ولاية زبيد. ورجع الأمير نجم الدين محمد بن إبراهيم بن الشرف على ولايته وكان الأمير نجم الدين المذكور محبوبًا حسن السيرة وكانت مدة ولاية الشجاع الأبي ستة أَشهر وثمانية عشر يومًا.
[ ٢ / ٢٣٦ ]
ولما فصل من الولاية صودر مصدرة شديدةً وقبضت دوابه وصودر نقباء بابه وضرب ضربًا شديدًا أفضى به إلى الموت. وفي يوم الثاني عشر من صفر تقدم السلطان إلى رأس وادي زبيد بسبب الصيد فأقام هنالك عشرة أيام.
وفي أثناء إقامته وصل صاحب ظفار. وكان رجوع السلطان إلى زبيد يوم الجمعة الثاني والعشرين من صفر المذكور.
وتوفي الأمير شجاع الدين عمر بن سليمان الابي ليلة الأحد الرابع والعشرين من الشهر المذكور. وفي شهر ربيع الأول توفي القاضي صفي الدين أحمد بن محمد بن عمر بن أبي بكر العراف الحاكم بمدينة حيس. فاستمر عوضه في القضاء هنالك الفقيه جمال الدين محمد بن إسماعيل بن علوان.
وفي التاريخ المذكور استمر القاضي بن علي بن محمد بن إبراهيم الجلاد مشدا لأعمال الحيسية عوضًا عن العماد المستقيم. واستضاف الجهة القاضي سراج الدين عبد اللطيف بن محمد بن سالم.
وفي غرة شهر ربيع الآخر تقدم السلطان إلى النخل بوادي زبيد فأقام هنالك ثلاثة أيام ثم رجع إلى زبيد فكان رجوعه ليلة التاسع من الشهر المذكور.
وفي شهر جمادى الأولى تقدم السلطان إلى الجهات الشامية. وكان تقدمه من زبيد يوم الرابع منه.
وفي هذا التاريخ المذكور نهبت قافلة عدن نهبها الأحيوق يقال إن عدتها ثمانون جملًا عليها من الذهب والفضة اكثر من عشرة لكوك.
وفي اليوم الثامن من جمادى الأولى دخل السلطان مدينة المهجم فأقام فيها إلى يوم الثامن عشر من الشهر المذكور. ثم انتقل إلى المحالب بعد أَن أَطلق مشايخ الصميين المعتلقين ورهنوا رهائنهم وأغار العسكر على بلاد العتابد فنهبها نهبًا شديدًا.
وفي يوم الخميس الثامن من جمادى الآخرة حرقت قرية الحمى من وادي زبيد بأَسرها ولم يبق فيها شيءُ من المساكن.
[ ٢ / ٢٣٧ ]
وفي يوم العاشر من الشهر المذكور وصلت هدية من ولد الإمام صلاح ابن علي صاحب صنعاء. وهي خمسة أحمال مما يستطرف وخمس رؤوس من جياد الخيل. وتقدمت الهدية من زبيد إلى السلطان يوم الثاني عشر من الشهر المذكور.
وفي هذا التاريخ أَمر السلطان بقبض العمادين فقبض من موزع ووصل به إلى زبيد جماعة من الخيل والرجل فأقام معتقلًا عند القاضي سراج الدين إلى أن وصل السلطان من الجهات الشامية.
وكان رجوع السلطان من المحالب إلى المهجم يوم الثلاثاء العشرين من جمادى الآخرة. فأقام في المهجم يوم الأربعاء والخميس والجمعة ثم سار إلى زبيد فدخلها يوم التاسع والعشرين منه فأقام فيها إلى يوم الرابع من رجب ثم تقدم إلى النخيل ورجع آخر يومه ذلك. ووصل خزانة من عدن فيها أموال ووحوش وتحف.
وفي يوم الثاني عشر من الشهر المذكور وقع حريق في ناحية المرباع من زبيد أخذ من سوق المرباع إلى مسجد نوفلة وانضر أهل تلك الناحية ضررًا شديدًا. وفي يوم الجمعة الخامس عشر ركب السلطان إلى الجامع بزبيد وصلى الجمعة وكان أول السبوت يوم الثاني والعشرين من الشهر المذكور.
وفي اليوم الثالث والعشرين من شهر رجب المذكور برز مرسوم السلطان إلى القاضي مجد الدين قاضي الأقضية يومئذٍ بأَن يندب لمسجد الأشاعر بزبيد إمامًا شافعيًا. وكان المسجد المذكور لأصحاب الإمام أبي حنيفة ﵀ من قديم زمانه فيما رأَيناه وسمعنا به. فعين القاضي مجد الدين جماعة اختار منهم السلطان الفقيه موفق الدين علي بن محمد بن فخر فاستمر في إمامة المسجد المذكور من التاريخ المذكور.
وفي ليلة الأربعاء السابع والعشرين من الشهر المذكور. وضع السلطان ولد وهو يومئذ في مدينة زبيد وكان ميلاده عند طلوع الفجر من الليلة المذكورة وهو المسمى حسين.
وكان نزول الصندوق لاستخراج مال النخل يوم الثالث والعشرين من
[ ٢ / ٢٣٨ ]
شعبان. ونزل الس لطان النخل يوم الرابع والعشرين. وصام في النخيل وكان صيامًا حسنًا. وكانت التخمة ليلة الثالث والعشرين من الشهر كجاري عادته. وأثاب الحاضرين بسبب التشفيع من الفقهاءِ والأمراءِ وغيرهم.
وفي أول يوم من شوَّال حرقت مدينة فشال حريقًا شديدًا. وحرق في ذلك اليوم أولاد القاضي عفيف الدين عبد الله بن محمد بن موسى الدوالي وجاريته وكان يومئذ حاكم الشرع في مدينة فشال.
وفي يوم الخامس أَو السادس من شوال لزم خمسة من مقاصرة الشام فأمر السلطان بشنقهم فشنقوا.
وفي يوم الأربعاء السادس عشر من شوال تقدم السلطان إلى البحر فأقام هنالك خمسة أيام ثم رجع إلى النخل فأقام فيه إلى آخر الشهر.
وفي أَول يوم من القعدة تقدم السلطان إلى البحر.
وفي هذا التاريخ قتلت امرأَة في قرية النويدرة التي علي باب سهام بزبيد قتلها رجلان من أهل المملاح ورمياها في بئر بين القبور. فظهر ريحها بعد ثلاثة أَيام. فأخرجت من البئر وغسلت وكفنت ودفنت. وبحث الأمير نجم الدين محمد ابن إبراهيم الشرف عن الخصوم. ورسم على أهل المملاح وضيق عليهم في إحضار الخصوم فبحثوا عنها اشد البحث. فلقة أحدهما في النخل فأُخذ وأُرسل به إلى زبيد. ثم لقي الآخر في قرية القرشية. فأخذ وأرسل به إلى زبيد أيضًا. فكتب الأمير إلى السلطان وهو على البحر يخبره بحديث المرأَة التي قتلت وخصومها فأَمره السلطان بتلفهما فأخرجهما الأمير من السجن وسمرهما وأركبهما جملين ودار بهما فشوارع زبيد. ثم أخرجهما إلى قبر المرأَة التي قتلت وأمر بتوسيطهما هنالك وعلقهما على أربع خشبات حول القبر وأقاما معقلين هنالك إلى آخر يومهما.
وفي يوم الرابع من العقدة وقع مطر عظيم في الجبال وقد صارت جمال القافلة تحت عقبة نخل فنزل سل عظيم زائدًا على ما يعتاده الناس فسحب السيل الجمال
[ ٢ / ٢٣٩ ]
وما عليها من الحمل والركبان. فحقق الذين هلكوا من الآدميين فكانوا تسعة عشر نفسًا ما بين صغير وكبير ورجل وامرأة. ومن جملة من سال به السيل سليمان الخنبوق أحد الجمالة المتكررين في تلك الطريق. وكان ثقة حسن السيرة رحمه الله تعالى. وقيل أن الذين هلكوا نحو من خمسة وعشرين نفسًا والله أعلم.
قال علي بن الحسن الخزرجي وأخبرني الأمير نجم الدين محمد بن إبراهيم الشرف عمن أخبره ممن حضر القضية إنه كان وصول السيل وانقطاعه عنا في سويعة يسيرة. ثم انقطع السيل وكأَنه لم يكن وقد هلك من هلك وسلم من سلم قال وكان الأمر فيما بين صلاتي الظهر والعصر والله أعلم.
وفي يوم الخميس الخامس عشر من الشهر المذكور ارتفع السلطان من البحر إلى النخل ثم ارتفع يوم الجمعة. وكان دخوله زبيد يوم السبت السابع عشر من الشهر المذكور.
وفي ذلك اليوم دخل الصندوق زبيد وارتفع رسم النخل فأقام السلطان في زبيد إلى يوم العشرين من الشهر المذكور.
ثم جرَّد عسكرًا لأهل الحنكة خيلًا ورجلًا فأَوقعوا بأهل الحنكة وقتلوا منهم جماعة ونهبوا القرية وظن أهل القرية إن السلطان داهمهم فولوا هاربين. فلما ظهر لهم إنها جريدة من العسكر عطفوا على العسكر. ولزموا الطرق فقتل من الغز جماعة. ومن الرجل آخرين. فعزم على غزوهم والمحطة عليهم فلم يساعده الوقت لكثرة الأمطار والرياح الشديدة فتقدم إلى تعز صبح يوم الاثنين السادس والعشرين من الشهر المذكور فأقام في حيس أيامًا ثم تقدم إلى تعز فدخلها يوم الثلاثاء الرابع من ذي الحجة.
قال علي بن الحسن الخزرجي ومما ظهر في هذه السنة من العجائب إن راعيًا من رعاة الغنم خرج يرعى غنمه في ناحية صنعاء في جبل يقال له مدبج. فبينما الغنم ترعى إذ نفرت منهن شاة فنزلت في حيد هنالك وهي تتبع الحشيش من مكان إلى مكان ذلك الحيد حتى بعدت عن الغنم على نحو من أربعين قامة فنزل بعدها
[ ٢ / ٢٤٠ ]
الراعي قليلًا قليلًا حتى انتهى في ذلك الحيد إلى كهف فرأَى فيه رجلًا ميتًا. فلما رآه فزع وهاله ما رأَى فطلع قليلًا قليلًا كما نزل. وأعلم أهل تلك الناحية بما رأَى في ذلك الموضع فقصد الموضع جماعة منهم وفي جملة من وصل ذلك الموضع منهم رجل يقال له غازي بن محمد الربيدي هو الذي وصل كتابه إلى بعض معاريفه من أهل تعز. يذكر في كتابه أنه وجد في الكهف المذكور رجلًا ميتًا عليه سبعة أكفان. وتحته نحو من أربعين ثوبًا. وعليه عمامة طويلة طولها خمسة وثلاثون ذراعًا في عرض ذراع قال وفتشت على جسمه فرأَيته كأَنه مات قبل ذلك اليوم بيوم واحد. ووجهه أبيض، وأنفه مستقيم. كأَنه راقد مستقبل القبلة. وساعده الأيمن تحت خده. ويده اليسرى على صدره. وشعر رأسه كأَنه حلق منذ ثلاثة أيام. ورأْسه مثل الطاسة. وهو قصير الظهر عريض الحقو غاية طول ساعده ذراع حديد. وطول أصابع يديه كل واحدة نحو من شبر. وطول ساقه ذراع ونصف. وطول أصابع رجليه كل واحدة نحو من كف. قال وفتشت وجهه فوجدت في جبهته ضربة خفيفة أسفل من مقص الشعر. وفي صدغه الأيمن ضربة جيدة قد كسرت جفنه. ومن ورائه كذلك. وفي ساعده الشمال طعنة تطير بين المزمارين. يعني العظمين الممتدين في الذراع.
قال وأجمع أهل تلك الناحية على إنه علي بن أبي طالب ﵁. قال ورأَيت من فضله إن رجلًا وصل إليه وهو أعمى وزاره وأنا حاضر فخرج من عنده في عافية. وقال أشهد بذلك.
قال علي بن الحسن الخزرجي أَما قولهم إنه علي بن أبي طالب فغير صحيح لأَن عليًا ﵁ قتل في الكوفة وقبر فيها بلا خلاف ولكنهم أخفوا قبره والغالب إن هذا أحد العلماء المتقدمين أو أحد ملوك حمير والله سبحانه أعلم.
وفي يوم الخميس الرابع من المحرم أول سنة ثمانمائة قطعت يد ابن الرياحي نقاش السكة في تعز لسبب أوجب ذلك فيما رآه السلطان.
وفي يوم السابع منه وصلت هدية الشيخ علي بن أبي بكر بن زيد صاحب
[ ٢ / ٢٤١ ]
أبيات حسين ووصل ببغلين ونعامة وزرافتين وأسد صغير وحمار وحش وعشر رؤوسٍ من الإبل الصهب وعشر جوار حسان. وعشرة عبيد يحملون السلاح فوهب له السلطان ثلاثة آلاف دينار وكساه كسوة فاخرة وشيخه في بلاده وسمح له في خراجها عمن تقدمها وشفعه في عدة مشايخ العرب كانوا معتقلين فأطلقوا.
وفي شهر صفر وصلت الهدية من الديار المصرية إلى ساحل الحردة فلما وصل العلم بذلك إلى السلطان نزل إلى زبيد فكان دخوله زبيد يوم الاثنين الرابع عشر من شهر صفر. فلما استقر في زبيد ارسل الطواشي جمال الدين جميلًا بثلاثمائة رجل إلى ساحل الحردة وجرد معه السلطان قطعةً من العسكر يسيرون صحبة الهدية المذكورة.
فكان وصول الهدية إلى زبيد يوم الخميس الرابع والعشرين من شهر صفر المذكور وكانت هدية جليلة فيها من المماليك نحو من ثلاثين تركيًا ومن جياد الخيل اثنا عشر رأْسًا بسروج مغرقة وآلة حسنة وعدة جوار من الروميات والأرمنيات وطبيب ماهر من يهود مصر. ومن الملبوس والمشموم والمطعوم شيءُ كثير لا يدخل تحت الحصر ووصل في الهدية ولد القاضي شهاب الدين أحمد بن إبراهيم المحلي. وكان يوم وصول الهدية يومًا مشهودًا.
وفي يوم الأربعاء سلخ شهر صفر أرسل الأمير سيف الدين سنجر صاحب القحمة جماعة من المعازبة فيهم إبراهيم بن كليب وكان من أعيان المعازبة فراسة ورياسة وآخر يقال له الكران فأَمر السلطان بقتلهم فضربت أعناقهم صبرًا. وقتل معهم رجل من الأهمول يقال له ناخس يقال انه الذي قتل الأمير محمد بن سيف الدين صاحب موزع وقد تقدم تاريخ يوم قتله.
وفي شهر ربيع الأول تقدم السلطان إلى سرياقوس فاصطاد من هنالك ورجع آخر يومه ذلك وهو العاشر من الشهر المذكور.
وفي اليوم الثاني عشر منه نفق الحصان المسمى صعودًا فأسف عليه السلطان وأمر بتكنيفه وحفر له في ناحية المناخ من زبيد وقبر هنالك.
[ ٢ / ٢٤٢ ]
وفي يوم العشرين توفي الطبيب اليهودي الذي وصل من مصر بصحبة الهدية.
وفي يوم الحادي والعشرين توفي القيه تقي الدين عمر بن عبد الرحمن الدملوي الخطيب بجامع زبيد. وكان أوحد أهل زمانه في الخطابة لم يكن في عصره مثله في ناحية من أقطار اليمن أقام خطيبًا في جامع زبيد نحوًا من خمسين سنة والله أعلم.
وفي يوم الأحد ثاني شهر ربيع الآخر تقدم السلطان إلى الجهات الشامية فأقام في الكدراء إلى يوم الخامس عشر.
وفي يوم الخامس عشر غزا بلاد العرب المفسدين فحرق الزبير والمصفاة وقرية الشجرة.
وفي يوم الأحد السادس عشر حرق القنبور وأخربها.
وفي يوم الثاني والعشرين حط على البجليين حتى استذموا ودخلوا تحت الطاعة ثم تقدم السلطان إلى المهجم فأقام هنالك.
وفي ليلة السبت السادس من جمادى الأولى توفي الفقيه رضي الدين أبو بكر بن الحداد في مدينة زبيد. وكان فقيهًا عارفًا كبيرًا متفننًا ورعًا صالحًا. وكان يومئذ أكبر أصحاب أبي حنيفة رحمه الله تعالى. وله مصنفات حسنة وبه تفقه طائفة من أهل زبيد وانتفع به الطلبة نفعًا عظيمًا.
وفي ليلة الاثنين الرابع والعشرين من جمادى الأولى قتل في زبيد رجل غريب من الديار المصرية يقال له الحاج علي الموازيني. والدي قتله غريب أيضًا من مصر يقال له الشرايطي. فأخذ القاتل وأودع السجن إلى أن وصل السلطان من الجهات الشامية.
فلما علم الشرايطي المذكور انه مطلوب بالقصاص طلب حكم الشرع وأنكر أن يكون هو القاتل ولم تقم عليه بينة بالقتل المطلق.
وكان وصول السلطان إلى زبيد من الجهات الشامية يوم السبت السابع والعشرين من جمادى الأولى ووصل بنحو من مائتي رأس من خيول العرب،
[ ٢ / ٢٤٣ ]
فلما كان أول يوم من رجب صرف منها السلطان مائة رأس للقرشيين والأشاعر.
وفي يوم السابع عشر من رجب وصل الشريف صاحب النجيمية إلى الأبواب الشريفة السلطانية فقابله السلطان بالقبول وكان أول السبوت يوم الخامس والعشرين من رجب.
وفي اليوم الخامس عشر من شعبان افرغ القاضي مجد الدين محمد بن يعقوب الشيرازي كتابه المسمى بالأصعاد وحمل إلى باب السلطان مرفوعًا بالطبول والمغاني وحضر سائر الفقهاءِ والقضاة والطلبة وساروا أمام الكتاب إلى باب السلطان وهو ثلاثة مجلدات يحمله ثلاثة رجال على رؤوسهم فلما دخل على السلطان وتصفحه أجاز مصنفه المذكور بثلاثة آلاف دينار.
وفي السادس عشر وصلت هدية من صاحب سيلان إلى باب السلطان ومن جملتها أربعة أَفيال وتحف كثيرة وشجرة من العنبَاء ووصل منه كتاب إلى السلطان يتضمن ما صدر في ورقة من الذهب الخاص فقابل السلطان رسوله بالقبول وأَدخله الإِصطبل فانتقى منه خمسة رؤوس من جياد الخيل وكساه كسوة فاخرة.
وفي يوم الثاني والعشرين تقدم الأمير بهاء الدين بهادر الشمسي إلى بلاده حرض.
ونزل السلطان النخل يوم الخامس والعشرين من شعبان وصام رمضان هذه السنة في النخل وحضر مقام التشفيع عدة من وجوه أهل دولته وحضر السفراء من سائر الجهات. سفير صاحب مصر وسفير صاحب الهند وسفير صاحب مكة وهو أخو محمد بن عجلان والشرفاءَ من أصحاب المشرق أحدهم الشريف فخر الدين عبد الله بن إدريس بن محمد بن إدريس بن علي بن عبد الله ابن الحسن بن حمزة بن سليمان بن حمزة وصاحب دمرمر وهو الذي يقال له عبد المطلب أحد بني الأنف وكان وصوله إلى باب السلطان يوم الرابع عشر من رمضان وغيرهم فكانوا يحضرون السماط في كل ليلة.
[ ٢ / ٢٤٤ ]
وفي الثامن والعشرين وصل الشريف صاحب تلمص في نحو من مائة نفر ما بين فارس وراجل وحصل في ليلة الحادي والعشرين من رمضان ريح شديدة من مضى الثلث الأول إلى مضى الثلث الثاني تقريبًا وكانت الريح اشد ما تكون حرارة كأَنها تحمل لهب النار لشدة حرارتها وكانت الختمة ليلة الثالث والعشرين من الشهر وعمل السلطان سماطًا من الحلوى فيه شيء كثير ومن الشموم وسائر أنواع الطيب.
وفي يوم السادس والعشرين زف محمل الحج في مدينة زبيد وساروا به إلى النخل يوم السابع والعشرين فدخل النخل في جمع عظيم من الفقهاءِ وغيرهم وصام الناس رمضان هذه السنة تسعة وعشرين يومًا وأفطروا نظرًا لا خبرًا.
وفي يوم العيد ركب مولانا الملك الناصر إلى المصلى نائبًا عن أبيه في كافة العسكر.
وتقدم السلطان إلى البحر يوم الثامن من شوال فأقام فيه اثني عشر يومًا ثم ارتفع إلى النخل ومن النخل إلى زبيد فأقام في دار السرور وجهز محمل الحج إلى مكة المشرفة بما لابد مه من المال والكسوة والعسكر والأزواد ووهب للشريف محمد بن عجلان مائة رأْس من كرام الإبل خارجًا عما يعتاده من العادة القديمة وسار المحمل صحبته.
وكان تقدم المحمل إلى مكة المشرفة من زبيد يوم الخميس السادس والعشرين من شوال وسار صحبته من الحاج قافلة عظيمة ودخل السلطان زبيد يوم الأحد التاسع والعشرين من شوال فأقام في دار السلطنة بزبيد إلى اليوم السابع من القعدة ثم تقدم إلى مدينة تعز يوم الثلاثاء الثامن من الشهر المذكور. وفي يوم الخميس السابع عشر من القعدة توفي القاضي سراج الدين عبد اللطيف بن محمد بن سالم في مدينة زبيد ودفن يوم الجمعة الثامن عشر عند تربة الشيخ أحمد الصباد من قبليها. وحضر دفنه من الناس عالم لا يحصون كثرة وكان من أفراد الزمن حازمًا عازمًا عاقلًا كاملًا حسن السيرة طاهر السريرة رحمه الله تعالى واستمر عوضه في جميع وظائفه القاضي عماد الدين أبو الغيث ابن أبي بكر بن علي الميت وكان استمراره يوم العشرين من
[ ٢ / ٢٤٥ ]
الشهر المذكور وكان أكمل الموجودين بعد المتوفى إلى رحمة الله تعالى. وفي هلال ذي الحجة وقع على حجاج اليمن سموم عظيم في ناحية يلملم فهلك منهم طائفة عظيمة في يوم واحد يقال إن الذين هلكوا في ذلك اليوم أكثر من ألف وخمسمائة إنسان والله أعلم. وفي هذا الشهر المذكور أمر السلطان بعمارة الزيادة في الدار السلطاني بزبيد وهو القصر اليماني الذي هو قبالة مدرسة الميلين إلى ما يوازيها من الغرب. وفي يوم الثامن والعشرين من ذي الحجة حرقت قرية القرشية حريقًا عظيمًا ولم يسلم منها إلا القليل من القرية السفلى. وفي سلخ الشهر المذكور وصلت هدية من الديار المصرية صحبة الحاج أحمد الخفاني.
وفي أول سنة إحدى وثمانمائة أَغار المعازبة على قرية فشال فقتل منهم حشيبر بن علي بن حشيبر وأخذ فرسه وكان الذي قتله ولد الشريف داود بن مطهر. وفي يوم الخامس من الشهر المذكور أَغار الشريف والقرشيون على بلد المعازبة فقتلوا منهم ثلاثة أنفار وأُخذت رؤوسهم وحملت إلى زبيد ثم أغار المعازبة على أهل المخيريف بعد ذلك فقتل منهم جماعة اجتز منهم ثمانية نفر ودخلوا برؤوسهم إلى زبيد ثم جمعوا جمعًا آخر وأَغاروا على المخيريف أيضًا يوم العاشر من صفر فقتل من المعازبة نحو من ثلاثين رجلًا. وفي يوم الثالث عشر من شهر صفر خرج السلطان من تعز إلى زبيد وكان خروجه يوم الخميس عند طلوع الشمس فدخل المدينة حيس بين المغرب والعشاء من ليلة الجمعة ثم سرى فدخل زبيد عند طلوع الفجر من يوم الجمعة الرابع عشر من صفر المذكور. وفي يوم الاثنين السابع عشر من صفر المذكور وصل نحمل الحج وقافلة الحجاج وهدية من الديار المصرية. وركب السلطان في طلب الصيد نحو النخل يوم الرابع والعشرين من الشهر المذكور ورجع آخر يومه ثم تقدم إلى سرياقوس يوم الخميس السابع والعشرين من الشهر المذكور. فأقام هنالك يوم الخميس ويوم الجمعة ورجع إلى زبيد يوم السبت التاسع والعشرين. وفي ذلك النهار كسفت الشمس واتصل العلم إن صاحب أبين قتل جماعة من بني إبراهيم نحوًا من عشرين شيخًا وقبض بيوتهم وخيولهم ولذلك ثارت فتنة شديدة بسبب قتلهم وكان الساعي في قتلهم الأمير شجاع الدين عمر بن قراجا.
[ ٢ / ٢٤٦ ]
وفي شهر ربيع الأول ضرب الأرز من أملاك السلطان بوادي زبيد فوصلت الزفة الأولى يوم النصف منه مائتان وثمانون حملًا.
ووصلت الزفة الثانية يوم الحادي والعشرين وهي نحو من الأولى ووصلت الزفة الثالثة يوم السادس والعشرين وهي دون التي قبلها بكثير.
وفي يوم الخامس والعشرين من الشهر المذكور تقدم الأمير فخر الدين أبو بكر بهادر السنبلي إلى أبين.
وفي شهر ربيع الآخر أوقع الأمير بدر الدين محمد بن بهادر السنبلي بالعرب المفسدين في الجهات السرددية فقتل منهم جماعة ووصلت رؤوسهم إلى زبيد يوم السادس عشر من الشهر المذكور خمسة وعشرون رأسًا ومن خيلهم سبعة عشر رأسًا.
وفي هذا التاريخ توفيت امرأة في زبيد كانت قد حجت وجاورت في الحرمين نحوًا من سبع سنين.
ووصلت في هذه السنة إلى زبيد مع قافلة الحجاج فأقامت أيامًا وتوفيت هي وجاريتها في يوم واحد فلما كان يوم الجمعة ثاني شهر جمادى الأولى أصبحت الدعامة التي بنيت على قبر المرأَة تهتز اهتزازًا شديدًا من غير محرك يحركها فخرج معظم الناس لمشاهدة ذلك وشاع خبرها في المدينة فخرج النساء والرجال ينظرون ذلك وكثر ازدحام الناس عندها فركب الأمير صاحب زبيد وأمر بهدم الدعامة فهدمت في يومها ذلك ومنع الناس من الخروج والوصول إليهما ثم أشار بعض الناس ببنائه صندوقًا وبنى عليه عريش فلما كان يوم الجمعة أصبح القبر يهتز كما كان في الجمعة الأولى يميل يمينًا وشمالاَ فخرج أهل المدينة ولم يبق أحد من الأمراء وأكابر الناس إلا خرج لمشاهدته فاتصل علم ذلك إلى السلطان فلما كان وقت صلاة الجمعة ركب السلطان إلى الجامع في حاشيته وخدمه من المماليك والأمراء وسائر الرجال حتى وقف على قبرها ورآه وهو يميل يمينًا وشمالًا فوقف عنده ساعة ثم رجع إلى الدار وكنت ممن حضر التربة المذكورة ورأَى ما هنالك عيانًا لا تقليدًا.
[ ٢ / ٢٤٧ ]
وفي يوم السابع من جمادى الأولى ظهر ولد السلطان وهو المسمى الظاهر وقيل المظفر.
وفي يوم الخميس الثامن من الشهر المذكور وصل الأمير فخر الدين أبو بكر ابن بهادر السنبلي والطواشي جمال الدين جميل من عدن ووصل صحبتهم ولد صاحب ظفار وهو المسمى بالملك المجاهد فخرج في لقائه مولانا الملك الناصر أحمد بن إسماعيل الملك الأشرف وخرج معه قطعة من العسكر فلما دخل زبيد أكرمه السلطان وأنصفه وأخلى له مسكنًا يليق به ولم يزل على الإكرام والإفضال إلى آخر السنة.
ثم جهزه السلطان وزودّه وجرَّد معه عسكرًا إلى بلاده فملكها واستولى عليها.
وفي يوم الاثنين الثاني عشر قتل عمر بن علي بن سهيل بن الأقدر وكان سيد المعازبة في عصره قتله أهل التربية فأغار المعازبة يوم الثامن عشر إلى وادي زبيد فقتلوا من أهل بيدخة نحوًا من عشرين رجلًا.
وفي سلخ الشهر المذكور وصل الشريف يحيى بن أحمد بن الهادي بن الدين الحمزي إلى باب السلطان فأكرمه وأنصفه.
وفي ليلة الاثنين الثالث من جمادى الآخرة كان عرس الأمير بدر الدين محمد بن زياد الكاملي على ابنة الأمير سيف الدين سنجر صاحب القحمة فقام به السلطان قيامًا تامًا واحتفل احتفالًا عظيمًا وسكنه في بيت الطواشي جمال الدين ثابت وهو بيت عجيب وحمل له إلى البيت المذكور فرشًا على اثنين وعشرين جملًا أنواعًا مختلفة وما يحتاج إليه من النحاس والصيني والأطباق والملابس شيئًا كثيرًا وكساه كسوة فاخرة وقاد له حصانين مكملين وكانت الحضرة إلى باب الدار فحضر الوزير وسائر الناس والمقطعين والأمراء ووجوه الغز والسلطان مشرف عليهم وخرج مرفوعًا من باب الدار إلى البيت الذي هيء له وكانت المماليك الخاصكية تحمل الشمع المزهر أمامه وسائر المذكورين يمشون إلى أن وصل البيت المذكور وكانت ليلة مشهودة مذكورة.
وفي يوم الأحد التاسع من الشهر المذكور تقدم السلطان إلى الجهات الحيسية
[ ٢ / ٢٤٨ ]
بسبب اصطياد حمر الوحش فاصطاد في يوم الاثنين العاشر من الشهر المذكور هنالك عشرة رؤوس ثم رجع إلى محروسة زبيد فدخلها يوم الثلاثاء الحادي عشر من الشهر المذكور.
وفي يوم الخامس عشر من الشهر المذكور تقدم الأمير بدر الدين محمد بن زياد الكاملي إلى ناحية ريسان من ناحية المداد.
وفي يوم الخميس العشرين من الشهر المذكور اختصم رجلان إلى باب الوالي بزبيد فطلب أحدهما حكم الشريعة المطهرة فمنعه الوالي من ذلك فاستغاث بحاكم الشريعة فعجز القاضي عن استنقاذه فكتب القاضي إلى السلطان يشكو من الوالي وتعديه على حكم الشريعة المطهرة فأمر السلطان حينئذ من تقدم إلى الوالي وأخرجه من بيته إلى بيت حاكم الشريعة المطهرة إنصافًا للقاضي وإجلالًا له وللشرع الشريف فنهاه القاضي مشافهة عن معارضة الشرع وقصره عن ذلك وأخذ عليه أخذًا كليًا ثم قال تقدموا به إلى باب الدار فلما وصلوا به إلى باب الدار أشرف السلطان وشتمه ووبخه توبيخًا شديدًا ولولا إن السلطان كان يجله لحسن سيرته في الناس ما سلم.
وفي أول يوم من رجب اجتمع الفقهاء بزبيد وقصدوا القاضي مجد الدين محمد بن يعقوب الشيارزي قاضي القضاة يومئذ وسأَلوا منه أن يسمعهم صحيح البخاري فأًجابهم إلى ذلك وكانت القراءة في منزله يومئذ في البستان الذي له عند باب النخل فاجتمع لذلك خلق كثير من الفقهاء والأعيان واستمرت قراءَة الكتاب إلى أن ختم في تاريخه الذي يأتي ذكره إن شاءَ الله تعالى.
وفي يوم الخامس من رجب المذكور تصدق السلطان بصدقة جليلة على فقراء أهل البلد وذلك على ما حقق ألفا مثقال من الذهب وأطلق في ذلك اليوم عدة من أصحاب السجن.
وفي يوم الثاني عشر من رجب المذكور وأمر السلطان بعديد النخل في الوادي زبيد فابتدئ بالعديد يوم السبت الرابع عشر من الشهر المذكور.
وفي يوم الثامن عشر وصل ولد القاضي نور الدين علي بن يحيى بن جميع
[ ٢ / ٢٤٩ ]
ووصل صحبته بخوانة جيدة وكان ختم قراءة البخاري يوم الثالث من شعبان وحضر من الناس عالك كثير نحو من ثمانمائة إنسان وحضر الختم عدة من الأعيان ووجوه الدولة كمشد الاستيفاء وأستاذ الدار وصاحب زبيد وعدة من أمثالهم وأجاز القاضي مجد الدين يومئذ لكل من سأَله الإجازة.
قال علي بن الحسن الخزرجي تجاوز الله عنه وكنت ممن حضر الختم وسأَلته الإجازة فأجازني في جميع مقروءاته ومسموعاته ومستجازته ومصنفاته وكتب خطه بذلك لي ولأولادي وبعض أولادهم وهو الموجودون يومئذ جزاه الله خير الجزاء.
وفي يوم العاشر من شعبان تقدم ولد القاضي نور الدين علي بن يحيى من جميع إلى عدن. وفي هذا التاريخ طلع القاضي شهاب الدين أحمد بن عمر ابن معيبد الوزير بأمر السلطان وطلع معه صاحب شكع ليمكنه من الحصن. وكان أول السبوت يوم الثاني عشر من شعبان. وفي ليلة الخامس عشر من شعبان توفي القاضي شرف الدين حسين بن علي الفارقي الوزير الأشرفي وكان حسن السيرة له آثار حسنة رحمه الله تعالى.
وفي يوم التاسع عشر من شعبان المذكور وصل صاحب حيس برجل يقال له عثمان بن مطير كان يسرق بالليل وينهب بالنهار ويأخذ كل سفينة غصبًا. وكان قد كثر فساده في ناحية الحيسية فظفر به والي الجهة وأَمسكه ووصل بهِ إلى باب السلطان فأَمر السلطان بقطع يده ورجله من خلاف فأَقام أيامًا بعد القطع وهلك.
وصام السلطان هذه السنة رمضان في مدينة زبيد وكانت الختمة في دار السرور الذي هو خارج باب النخل وعيد السلطان في زبيد.
وفي آخر يوم من رمضان وصل الأمير بدر الدين محمد بن زياد من ناحية المداد.
وفي ثالث يوم من شوال نزل السلطان النخل ونزل الصندوق أيضًا لاستخراج أموال النخل وبعد أيام قلائل تقدم الأمير بدر الدين محمد بن زياد الكاملي إلى تعز في قطعة من العسكر ليكونوا شداده هنالك. ووصل الوزير من الجبل إلى باب
[ ٢ / ٢٥٠ ]
السلطان يوم السادس من ذي القعدة. وكان السلطان على البحر فكساه السلطان كسوة حسنة وأعطاه ألف دينار.
وفي يوم الثامن والعشرين من ذي القعدة ارتفع السلطان من النخل إلى زبيد وارتفع رسم النخل ودخل الصندوق زبيد وارتفع المشد والكتاب وانقطعت أحكام النخل.
وفي يوم الاثنين غرة ذي الحجة أَقطع السلطان الأمير بدر الدين محمد بن بهادر اللطيفي القحمة وحمل له حملًا وعلمًا وانفصل عنها سنجر. وفي يوم الثامن من ذي الحجة استمر الجمال محمد بن عمر بن شكيل في الأعمال الموزعية وعيد السلطان عيد النحر في زبيد وركب ولده الملك الناصر يوم العيد في كافة العسكر بحكم النيابة وكان عيدًا حسنًا.
وفي هذه السنة المذكورة ارتفعت الأسعار في زبيد فبلغ سعر الذرة والدخن كل زبدي بدرهم. وعبرة الزبدي خمسون أوقية حبًا. الأوقية عشر قفال بالختم المصري. وبلغ زبدي السمن بعشرة دنانير وعبرة زبدي السمن اثنا عشر رطلًا كل رطل عشرون أوقية وبلغ سعر البركل زبدي بدرهم ونصف وكان الوزف كل زبديين بدرهم وقل الدر في الدواب.
ودخلت سنة اثنتين وثمانمائة والحال على ما ذكرنا. وفي أولها وصل الخبر بموت السلطان الملك الظاهر برقوق صاحب الديار المصرية وصلى عليه يوم الجمعة الثالث من محرم أول سنة اثنتين وثمانمائة في جامع زبيد. وكانت وفاته في شوال من سنة إحدى وثمانمائة وأمر السلطان بالقراءة عليه سبعة أيام في مدينة تعز وزبيد وعدن.
وفي يوم الثامن والعشرين من المحرم المذكور خالف الأمير بدر الدين محمد ابن زياد بن أحمد الكاملي وكان السلطان قد تركه في مدينة تعز وأضاف إليه قطعةً من العسكر خيلًا ورجلًا رتبة هنالك ثم كتب إليه السلطان أن يتلقى خزانة عدن ويصل بها إلى زبيد.
فلما خرجت الخزانة من عدن ولقيها الأمير بدر الدين فيمن معه من العسكر وكانت خزانة عظيمة فيها أموال جليلة من الذهب والفضة لكوك ومن الملبوس
[ ٢ / ٢٥١ ]
والمشموم شيءُ كثير وسار معها جماعة من التجار بأَموالهم فعظم ذلك في عين الأمير وجزل عنده وربما حسن له ذلك بعض بطانته فاستولى على الخزانة بأَسرها وعلى من سار معها وسار بها نحو جبل سورق يريد طلوعه فلم يتفق له ذلك فقصد حصن سناج ووقف فيما بين بلد زبيد والعربيين وكان قد أضاف إليه السلطان طائفة من الحصون ورتب فيها ثقاته ونوابه فلما وصل علمه إلى السلطان بما كان منه أرسل السلطان الطواشي جمال الدين مرجان لقبض حصن ريسان أحد حصون المداد وهو أحد الحصون المنيعة وكان فيه نائب لابن زياد فلما وصل الطواشي إلى الحصن المذكور طلب نائب ابن زياد فلما وصل إليه أوقفه على أمر السلطان بقبض الحصن فأطاع وسلم الحصن إلى الطواشي فقبضه الطواشي من نائب ابن زياد فطلعه ورتب فيه ثقاته.
فلما استقر فيه الطواشي وصلت كتب بن زياد إلى نائبه يأمره بحفظ الحصن وأن لا يمكنه أَحدًا فندم النائب على تفريطه في الحصن وكتب إلى ابن زياد يعلمه بذلك إنه لم يصل كتابه إلا وقد وصل الطواشي مرجان بأَمر شريف انه يقبض الحصن فقبض الحصن ونزلت منه ولو سبق كتابك ما مكنته ولا كنت أمكن أحدًا غيرك والسلام. ثم إن الطواشي مرجان شحن الحصن بالطعام والماءِ والحطب وأَمر علي النقيب الذي كان فيه بالتقدم إلى باب السلطان فتقدم إلى السلطان ووقف الطواشي في الحصن يعمره ويشحنه.
وفي يوم الاثنين الخامس من صفر وصلت هدية من الديار المصرية أرسلها السلطان الملك الظاهر برقوق قبل وفاته وكان وصولها في التاريخ المذكور ووصل الأمير بدر الدين محمد بن بهادر السنبلي بخزانة من الجهات الشامية وكان وصوله يوم الجمعة التاسع من صفر المذكور.
وفي يوم الاثنين الثاني عشر من شهر صفر وصل الطواشي جمال الدين ظريف الدويدار من الجهات التعزية ووصل صحبته عسكر من صاحب بعدان وتقدم السلطان إلى تعز يوم الاثنين التاسع عشر من صفر وكان دخوله تعز يوم الأحد الخامس والعشرين من الشهر المذكور ووصل إلى الأمير بدر الدين محمد بن بهادر اللطيفي.
[ ٢ / ٢٥٢ ]
ووصل الأمير بهاء الدين الشمسي الجميع إلى باب السلطان فلما توافرت العساكر أَنقق السلطان على كافة العسكر نفقة جيدة فجردهم وحطوا على حصن سناج وأقاموا نحوًا من نصف شهر في قتال ليلًا ونهارًا.
فلما رأَى الأمير بدر الدين كثرة العساكر علم أنه لا طاقة له بمناصبة السلطان وتحقق إن ما كان معه من المال نفد وان العرب تأكله وربما باعوه فأرسل إلى السلطان من يطلب له ذمة شاملة فأَذم عليه السلطان على يد جماعة من الفقهاء والمشايخ والصوفية وتوثقوا له من السلطان ثم رجعوا إليه بالذمة الشريفة فسرى من الحصن الذي هو فيه ليلًا بغير علم من أَهل الحصن الذي هو فيه ومن أهل المحطة فأصبح على باب السلطان يوم الأربعاء الرابع من شهر ربيع الآخر فكان جملة خلافه أَربعة وستين يومًا.
ولما وصل إلى باب السلطان كما ذكرنا قابله السلطان أحسن مقابلة وصفح عنه وكساه وأَعاده إلى احسن من حالته الأولى.
وفي شهر ربيع الأول من هذه السنة وقع في مكة حرسها الله تعالى مطر شديد وسالت أوديتها بمياه كثيرة فامتلأَ الحرم ماءً ودخل الماء إلى باطن الكعبة من بابها وكان الماء فوق عتبة الباب السفلي نحوا من شبر وحمل الماء منبر الخطيب عن موضعه إلى موضع آخر ومات في الحرم جماعة أدركهم الماء وعجزوا عن الخروج وخربت بيوت كثيرة ومات تحت الردم طائفة منهم والله أعلم.
وفي آخر شهر ربيع الأول توفي الأمير بهاء الدين بهادر الأشرفي أمير جاندار السلطان وكانت وفاته في مدينة تعز في التاريخ المذكور وفي يوم الثامن من شهر ربيع الآخر ظهر ولد السلطان الملك الأشرف المسمى علي وتوفي ولد السلطان المسمى حسين بعده بقليل.
وفي آخر الشهر المذكور وصل الشريف شمس الدين جحرية من صعدة في نحو من سبعين فارسًا وخمسمائة قواس وفي أول شهر جمادى الأولى حرقت محل مبارك قرية من قرى وادي زبيد بأسرها.
[ ٢ / ٢٥٣ ]
وفي يوم الأربعاء الخامس والعشرين منه وصل السلطان إلى محروسة زبيد فأقام فيها أيامًا ثم جرد العسكر المنصور إلى بلد المعازبة فوجدوا في نخل المدبي جماعة منهم فقتلوا منهم اثنين وعشرين رجلًا فيهم مرزوق بن الشجيج.
وفي يوم السبت الخامس والعشرين من جمادى الأخرى وقعت رجفة عظيمة نصف النهار وانقض كوكب يحكى من رآه انه كان على هيئة القمر فانهدمت حينئذ مواضع كثيرة في الجبال.
وفي ليلة الثاني من رجب جرد السلطان عسكرًا إلى بلد المعازبة فيهم ولده الملك الناصر فقصدوا الردم فلم يجدوا فيه إلا الماشية فنهبوا ما وجدوا وقتلوا رجلين أو ثلاثة ورجعوا.
وفي ليلة العاشر من رجب المذكور جرد السلطان عسكرًا إلى فشال وعسكرًا إلى المدبى وأمر بضرب المدبى وأمر على أهل وادي زبيد بالخروج فخرجوا صحبة العسكر المنصور.
وفي ليلة الاثنين التاسع عشر منه أمر السلطان بخروج محمل الحج مزفوفًا في جماعة الفقهاء والقضاة وكذلك في يوم الخميس الثاني والعشرين وكذلك يوم الاثنين السادس والعشرين.
وفي ليلة الخميس التاسع والعشرين توفي الفقيه عيسى بن موسى الزيلعي في مدينة زبيد عن نيف وتسعين سنة وحضر دفنه كافة أعيان الدولة.
وفي يوم الخميس السادس من شعبان توفي الشريف إدريس بن عبد الله صاحب ظفار.
وفي يوم الجمعة السابع منه وصلت هدية جليلة من صاحب الهند ووصل سفير السلطان وهو الذي يسمى مفلح التركي.
وفي آخر ذلك اليوم توفي الشريف فخر الدين عبد الله بن إدريس بن محمد بن إدريس بن علي بن عبد الله بن الحسن بن حمزة في مدينة زبيد وقبر في حياط التربة المعتبية بأَمر السلطان.
[ ٢ / ٢٥٤ ]
وفي يوم الاثنين العاشر حصلت رجفة شديدة. واخبرني الفقيه تقي الدين عمر بن أحمد بن عبد الواحد قال بينما أنا وجماعة من الرعية في رأس الوادي زبيد وقت الضحى الأول إذ حصلت رجفة شديدة وكان أحد عمالة النخل حينئذ علي نخلة عندنا هنالك فكادت النخلة تسقط بالعامل.
وكان قد انقض نجم قبل ذلك بساعة من ناحية المغرب إلى المشرق فوقع بين جبلين هنالك فاشتعلت النار حينئذ موضعه ثم حصلت الرجفة بعده بقليل.
وفي يوم الجمعة الثامن والعشرين من شعبان المذكور توفي ولد السلطان المسمى علي في مدينة زبيد وقبر في التربة المعتبية.
وفي يوم العاشر من رمضان وصل الأمير بدر الدين محمد بن بهادر السنبلي من الجبل في عسكر جيد من الخيل والرجل.
وفي هذه السنة صام أهل زبيد شهر رمضان بالاثنين وصامه أهل المهجم بالأحد عن رؤية حكوها في كتبهم الواصلة إلى زبيد.
وفي الخامس عشر من رمضان أمر السلطان ان تمنع النساء من اتباع الجنائز والنياحة على من مات وان لا يفرش على أحد من النساء ولا من البنات البتة.
وفي اليوم التاسع عشر من رمضان استمر القاضي موفق الدين علي بن أبي بكر الناشري نائبًا في القضاءِ الأكبر بأَمر السلطان.
وكان القاضي مجد الدين قد سفر قاصدًا للحج في غرة شهر رمضان إلى مكة المشرفة وصام أهل زبيد هذه السنة تسعة وعشرين وأفطروا عن رؤَية.
وفي يوم الخميس ثالث شهر شوال سخط السلطان على الأمير بدر الدين محمد بن زياد الكاملي فقبض دوابه وغلمانه وأودعه حبس زبيد.
وفي يوم الخميس ثالث الشهر المذكور نزل السلطان النخل وتقدم الأمير بهاء الدين الشمسي يوم العاشر من شوال إلى بلاده حرض وتقدم السلطان إلى البحر في التاريخ المذكور فأقام أيامًا ورجع إلى النخل يوم الثالث عشر فكانت إقامته في النخل المسمى بالهاروني.
[ ٢ / ٢٥٥ ]
وفي يوم الحادي والعشرين توفي الفقيه أحمد بن القاضي علي بن سالم عن سن عالية وكان من الأخيار رحمه الله تعالى.
وفي يوم الثالث والعشرين من شوال احترق الحرم بمكة شرفها الله تعالى وكان سببه إن رجلًا من المجاورين يسكن في رباط العجم عند باب عزورة أطفأَ مصباحه عندما أراد أن ينام ففلت من الذبالة شيء من النار ووقع على شيء فاحترق ذلك الشيء فاحترق الموضع فلحقت النار سقف الرباط فاحترق ثم لحقت النار سقف الحرم فاحترق السقف والأساطين وكان حريقًا عظيمًا لم يعهد مثله وأقامت النار في الحرم نحو من عشرين يومًا والناس في كل يوم يطفونها ولا تكاد تنطفي.
وفي أول ذي القعدة استمر الأمير بدر الدين محمد بن بهادر السنبلي في القحمة ومقدمًا في فشال وانفصل ابن اللطيفي عن القحمة.
وفي يوم السادس من ذي القعدة خرج رجل من باب النخل في محارة وكان محيرًا بأَمر الأمير فلما صار في الباب أراد البوابون أن يختبروا ما في المحارة فضربوا عليها بالحديد فتوجع الرجل وأَنَّ فلزموا الجمل وأبركوه واخرجوا الرجل من المحارة وتقدموا به إلى الأمير فحبسه وحبس الجمال الذي ساق به الجمل ولما أَصبح في اليوم الثاني كحلهما معًا. وفي السابع من الشهر المذكور توفي الفقيه برهان الدين إبراهيم بن عبد الله بن إبراهيم بن أحمد بن أبي الخير وهو آخر من كان في بني أبي الخير من الفقهاء في ذلك العصر.
وفي الخامس عشر من الشهر المذكور تقدم الأمير بدر الدين محمد بن بهادر السنبلي إلى قرية فشال وأصلحت المعازية على يده والتزموا بأداء الخيل وأمنت الطرق وسار الناس فيها آمنين.
وأمر السلطان بطلوع ابن زياد إلى حصن تعز فسجن فيه هو وأصحابه. وفي ليلة الجمعة الرابع والعشرين من الشهر المذكور وقع مطر في مدينة زبيد ونواحيها من بعد طلوع الشمس إلى أذان العصر وتشعثت في المدينة بيوت كثيرة من
[ ٢ / ٢٥٦ ]
بيوت الناس وتتابع سيل الوادي زبيد ليلًا ونهارًا وسائر الأودية وربنا بلغ بعضها البحر وأتلف ثمرة النخل إتلافًا شديدًا وصلى الناس الجمعة في ذلك النهار بالاجتهاد وبعضهم صلى الظهر مجتهدًا أيضًا وعد الحاضرون يومئذ في جامع زبيد بضعًا وثلاثين فلذلك صلى الظهر جماعة منهم ثم بعد ساعة جاوزوا الأربعين فصلوا الجمعة من غير دلالة على بقاء الوقت الحقيقي ووافق ذلك اليوم من السنة الرومية سادس عشر تموز والله أعلم.
وطلع السلطان من النخل إلى زبيد يوم الثامن من ذي الحجة وطلعَ الصندوق وارتفع رسم النخل يوم التاسع وتوارت الأمطار والسيول في قطر اليمن واتصلت الأودية بالبحر بعد أن استغنى الناس عنها وكانت سنة خصيبة كثيرة الخيرات بحمد الله تعالى.
وفي النصف الأخير من ذي الحجة المذكورة ظهر ولد لمولانا الملك الناصر أحمد ابن مولانا السلطان الملك الأشرف وهو المسمى يوسف.
وفي ليلة الخميس الحادي والعشرين من الشهر المذكور دفع الوادي زبيد دفعة عظيمة حتى قال طائفة من الناس لم يعهد مثلها أبدًا وأخرب العقم الكبير المجاهدي وأخذ طائفة من محل طرقؤة وطائفة من محل حريرة وخف الماء في آخر ليلته تلك بحمد الله تعالى.
وفي يوم السبت سلخ شهر ذي الحجة توفي الفقيه سراج الدين عبد اللطيف بن أبي بكر الشرجي الفقيه الحنفي النحوي وكان شيخ نحاة اليمن في عصره رحمه الله تعالى.
وفي هذه السنة المذكورة ظهر جواد عظيم في زبيد ونواحيها وأتلف كثيرًا من الزروع والثمار والأشجار.
قال علي بن الحسن الخزرجي اخبرني الأمير نجم الدين محمد بن إبراهيم الشرف المتولي زبيد يومئذ قال اخبرني الفقيه تقي الدين عمر بن أحمد بن عبد الواحد.
قال اخبرني بعض الرعية الثقات من أهل حارة وادي زبيد انه رأى حنشًا
[ ٢ / ٢٥٧ ]
كبيرًا وقد خرج من جحره فأكل من الجراد شيئًا كثيرًا حتى إنه عجز عن المسير إلى جحره فوقف في موضعه ذلك فوقع عليه الجراد حتى غشيه من كل ناحية ثم أكله الجراد ولم يترك منه شيئًا قال وأخبرني بعض الثقات من أهل الحاجزية وهي بحاءٍ مفتوحة وألف وجيم مكسورة بعدها زاي إنه رأى ديكا وقد انتشر الجراد في موضعه ذلك فالتقط ذلك الديك من الجراد شيئًا كثيرًا وأكله حتى انتهى ثم وقع عليه الجراد فأكله جميعه ولم يترك منه إلا الريش وكان ظهور الجراد في آخر شوال من السنة المذكورة وأقام إلى آخرها.
وأخبرني الفقيه علي بن محمد الناشري قال أخبرني بعض المسافرين في البحر إنه وقع في بلاد السودان زلزلة عظيمة أقامت أيامًا متوالية دون العشر انهدمت فيها عدة مواضع وجبال كثيرة ثم حصل في ناحية منها نار عظيمة لها دخان عظيم وهربت الناس من ذلك الموضع وأقامت النار أيامًا والدخان متراكم ثم تجسم ذلك الدخان وصار خيالًا في ذلك الموضع ولم يعهد قبل ذلك هنالك شيءُ من الخيال وكان هذا كله في أثناء النصف الأخير من السنة المذكورة والله أعلم.
وفي أول سنة ثلاث وثمانمائة استمر القاضي رضي الدين أبو بكر بن القاضي شهاب الدين أحمد بن عمر بن معيبد ناظرًا في الثغر المحروس بعدن عوضًا عن القاضي جمال الدين محمد بن عمر الشتيري واستمر الأمير سيف الدين قيسون أميرًا بها عوضًا عن الأمير فخر الدين أبي بكر بن بهادر العدني.
وفي عاشر المحرم توفي الفقيه نور الدين إسماعيل بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن أبي الخير وكان شابًا حديث السن محببًا قد ظهرت عليه إمارات الفلاح وكان ذكيًا مجتهدًا في طلب العلم رحمه الله تعالى.
وفي سلخ المحرم وصل الجمال محمد بن عمر بن شكيل من الجهات الشامية إلى باب السلطان بزبيد وحصل على السلطان وعك شديد في التاريخ المذكور وقلق الناس من أجله قلقًا شديدًا ثم منَّ الله عليه بعافيته وركب من الدار السلطاني بزبيد إلى دار السرور يوم الجمعة ثاني عشر صفر فأقام فيه أيامًا.
[ ٢ / ٢٥٨ ]
وفي مدة إقامته وصلت خوانة من عدن وكان وصولها يوم الخامس عشر من صفر المذكور.
وفي اليوم الثامن والعشرين من صفر توفي الفقيه الصالح تقي الدين عمر بن مظفر وكان وفاته في مدينة زبيد وقبر في مقبرة باب القريب عند قبر الفقيه أبي بكر الحداد وكان رجلًا عالمًا صالحًا باذلًا نفسه لطلبة العلم في سبيل الله عرض عليه التدريس في عدة مواضع فكره الأسباب كلها ولم يعلق بشيء منها رحمة الله وأعاد علينا من بركاته.
وفي تاريخ وفاته تمامًا حصل على السلطان ألم شديد أشد من الأول فأقام أيامًا ينتقل من موضع إلى موضع فلم يجد راحة فعزم على الطلوع إلى تعز فتقدم يوم الخميس الثاني من ربيع الأول فأقام في حيس أيامًا بسبب الألم الذي يجسده ثم سار إلى تعز فكان دخوله تعز ليلة الأربعاء الثامن من ربيع الأول المذكور فأقام في دار الوعد عشرة أيام مريضًا ثم توفي إلى رحمة ربه في ليلة السبت الثامن عشر من الشهر المذكور رحمه الله تعالى. قال علي ابن الحسن الخزرجي أخبرني القاضي موفق الدين علي بن أبي بكر الناشري قال توليت غسله بوصية منه وأعانني على ذلك الفقيه جمال الدين محمد بن صالح الدمتي وبعده الفقيه موفق الدين علي بن محمد فخر وشاهدت عليه من جلال والبهجة والنور ما ينشرح له الصدر وبالغت في تنظيفه وتطهيره وهو نظيف طاهر حتى بلغت به أكمل الفرض والسنة وكفنته بالثياب البياض وطيبته بالمسك والكافور ونزلت به إلى مدفنه وحليت عنه الرباط والصقت خده بالتراب ووجهته إلى القبلة الشريفة وودعته وعوت له رحمه الله تعالى.
وكان تشييعه إلى تربته والصلاة عليه يوم السبت المذكور فيما بين صلاة الظهر والعصر ودفن رحمه الله تعالى في مدرسة الأشرفية التي أنشأها في ناحية عدينة واستمرت القراءة عليه سبعة أيام وصلى عليه في سائر مدن اليمن وقرئ عليه في كل مدينة سبعة أيام وأصاب كافة الناس عليه أسف شديد.
وكان ﵀ خير ملك وسيرته سيرة جوادًا كريمًا همامًا حليمًا رحيمًا
[ ٢ / ٢٥٩ ]
ورؤفًا مشفقًا عطوفًا ولم يكن في ملوك العصر مثله.
ومن مآثره الدينية التي أنشأها في مدينة تعز وخارجها مدرسة حسنة الشكل لها بابان شرقي وغربي وباب يماني ومقدم فسيح وشمسه رحيبة وتكوين عجيب وابتنى فيها مطهرًا نفسيًا ورتب فيها إمامًا ومؤذنًا وقيمًا ومعلمًا وأيتامًا يتعلمون القرآن ومدرسًا على مذهب الإمام الشافعي ومعيدًا وعدة من الطلبة ومدرسًا يتحدث رسول الله ﷺ ومدرسًا في النحو والأدب وجماعة من الطلبة أيضًا ووقف فيها عدة من الكتب النفائس في كل فن وأوقف على المدرسة المذكورة وعلى المرتبين فيها وقفًا جيدًا يقوم بكفايتهم وهو الذي زاد الزيادة الشرقية التي في جامع عدنية بمدينة تعز من الناحية الشرقية وهي زيادة حسنة نفيسة انتفع بها جماعة الجامع المذكور نفعًا عظيمًا وابتنى جامع قرية مملامح بزبيد وأنشأ فيما بين قرية السلامة وحيس ثلاثة سبل وهو الذي أحدث بستان سريا قوس الأعلى من وادي زبيد وغرس فيه غرائب أنواع الشجر وأول من زرع الأرز بوادي زبيد وكان ﵀ غاية في الظرف واللطف ومكارم الأخلاق وجمال الصورة وحسن السيرة والتودد إلى الخلق ومحبة العلماء والعلم.
ورثاه جماعة من الشعراء منهم الفقيه النبيه شرف الدين إسماعيل بن أبي بكر المقري وغيره واثبت قصيدته لموافقة المعنى المقصود وهي هذه وبها ختم الكتاب
هو الدهر كرت بالخطوب كتائبه وعضت بأنياب حداد نوائبه
فإن كان هذا الدهر مالا صروفه على دكها الطود المنيع جوانبه
فما جدعت إلا لمارن أنفه ولا جب إلا ظهره وغواربه
لقد كورت في ذلك اليوم شمسه وأمست تهادى في الدياجي كواكبه
فوا أسفا للمجد طاف به الردى وقامت على رغم المعالي نوادبه
وأمسى أبو العباس من بعد ملكه معفرة تحت التراب ترائبه
وحيدًا ببطن الأرض من فوقه الثرى تمر به أخدائه وحبائبه
[ ٢ / ٢٦٠ ]
وقد ملأت عرض الفيافي جنوده وطبقت الدنيا خيولًا مواكبه
فلو كان يغني في الدرى دفع دافع لردت وجوه الحطب عنه كتائبه
ولكنها الأقدار تنفذ في الورى بأمر إله أمره لا نغالبه
فيا لهف نفسي كيف أطفئ نوره وكيف خبا بعد الإضاءة ثاقبه
وكيف أصابته المنايا بسهمها ولم يغن عنه جيشه ومقانبه
فيا أيها الباكون حول ضريحه على مثله فليسكب الدمع ساكبه
فجعتم بملك كلاب البر مشفق بوادره مأمونة وعواقبه
فقدتم به ما تعلمون من الوفا ومن كرم ما خاب في الناس طالبه
إذا أوعد الجاني تغشاه عفوه وإن وعد العافي غشته مواهبه
وما عذر عين لم يفض فيه ماؤها وما غدر صبر لم تداع جوانبه
عليكم له حق فوفه حقه وكيف يوفى بالمدامع واجبه
فوالله لو تبكى الدماء عيوننا لما قاربت من حقه ما يقاربه
لقد كان منا يحسن الموت بعده لو أن أمرًا قد مات إذ مات صاحبه
ولولا الذي نرجو ونعلم إنه ممهدة أعلى الجنان مراتبه
وإن له في حضرة القدس منزلًا يشاهد منه ربه ويخاطبه
لما انفك دمع العين حزنًا وحسرة عليه من الباكين تجري شعائبه
فلا يخدعن الدهر من بعده أمرًا فما الدهر الا ضيغم أنت راكبه
يصافى الفتى حتى يرى فيه فرصة فينشب فيه نابه ومخالبه
أبا أحمد أسلمت أمة أحمد إلى أحمد فاستسلم الحق صاحبه
وقام بأمر الله من بعد ما عفت معالمه فينا وغارت كواكبه
وشمر عن ساق امرئ همه العلى يجاذب من أطرافها وتجاذبه
وأمن من خوف وقرب من نوى وساس البرايا وهو ماطر شاربه
ودانت له الدنيا وأذعن أهلها وأرضت صعاب الحادثات تجاربه
كريم أهان المال بذلا ومن يهن لسائله أمواله عز جانبه
[ ٢ / ٢٦١ ]
أنارت به الآفاق والشمس أشرقت بطلعته والليل تجلي غياهبه
فيا ناصر الإسلام صبرًا فإنه متى مر طعم الصبر سرت عواقبه
لقد كنت نعم الجبر للكسر بعده فيالك صدعًا لمَّ فلقيه شاعبه
سقى قبره الفياض بالجود والندى سحاب ملث ليس يقلع راتبه
[ ٢ / ٢٦٢ ]