قال عمر بن الخطاب لكعب الأحبار: " يا أبا إسحق، أتعرف موضِع الصخرة؟ ". فقال كعب: " اذرع من الحائط الذي يلي وادي جهنم، كذا وكذا ذراعًا، ثم احفر فإنك
[ ١٩٢ ]
تجدها ". وعندما حفر عمر ومن معه ظهرت الصخرة، وقيل إن عمر ﵁ عاد فسأل كعبًا: " أين ترى أن نجعل المسجد؟ - أو قال القبلة-" قال كعب: " اجعله خلف الصخرة، فتجتمع القبلتان، قبلة موسى ﵇، وقبلة محمد ﷺ". فقال له عمر - بعد أن صكه بيده في صدره -: "لقد ضاهيت اليهودية يا أبا إسحق! خير المساجد مقدمها. فنجعل قبلته صدره كما جعل رسول الله ﷺ قبلة مساجدنا صدورها. اذهب، إليك عني، فإنا لم نؤمر بالصخرة، وإنما أمرنا بالكعبة. وما الصخرة إلا قبلة منسوخة" ١.
مكان المسجد:
قال الواقدي: لقد خط عمر مسجده إلى الجنوب الغربي من الصخرة المشرفة ٢. وذكر البكري وابن حبيش والمقريزي في الخطط وجمال الدين في مثير الغرام ونقل عنه السيوطي أن عمر بنى مسجده أمام الصخرة المشرفة ٣. وذكر مجير الدين أن بداخل المسجد الأقصى في صدر صدره من جهة الشرق مجمع معقود بالحجر وأشيد به محراب، ويقال لهذا المجمع جامع عمر، لأنه من بقية بناء عمر عند الفتح ٤. وذكر كروزويل بأن المسجد الذي بناه عمر بن الخطاب كان مكان المسجد الأقصى اليوم، ونقل ذلك عن كلير منت غانو ٥.
وصف المسجد الذي بناه الخليفة عمر بن الخطاب:
لم يشر البلاذري (ت ٨٦٨ م)، والطبري (ت ٩١٥ م)، واليعقوبي (ت ٨٧٤ م)، وابن الفقيه (ت ٠٣ ٩ م) . إلى المسجد الذي بناه الخليفة عمر بن الخطاب عندما تعرضا لفتح القدس، ووصفا الحرم القدسي في أيامه الأولى، وهذا أمر يدعو إلى الاستغراب.
وقد وصفه الواقدي فقال: " وخط عمر بن الخطاب مسجده إلى الجنوب الغربي من الصخرة وصلى وأصحابه به صلاة الجمعة. وكان البناء من الخشب، ويتسع لحوالي ثلاثة آلاف مصلي، وغادر القدس بعد أن أقام بها عشرة أيام ٦.
_________________
(١) ١ الواقدي: ١:٢٤٢، الطبري: ١:٢٤٠٩، عن رجا بن حيوة عمن شهد الفتح. ٢ الواقدي: ١:٢٤٢. ٣ ابن البطريق: نظم الجواهر ٢:١٧٠. ٤ مجير الدين: ١:٣٦٧. GREWELL.L.P.١١. ٢٤ ٦ الواقدي: ١:٢٤٢.
[ ١٩٣ ]
وأقدم وصف لهذا المسجد أورده أحد السائحين الفرنجة إلى الشرق وهو الأسقف اركولف، اسقف غاليا (فرنسا اليوم)، حيث زار القدس بقصد الحج عام ٦٧٠ م أي بعد الفتح الإسلامي بحوالي اثنين وعشرين عامًا فقط. فقال إن عمر بن الخطاب بنى بساحة الهيكل مسجدًا مربع الشكل، يتسع لحوالي ثلاثة آلاف مصلي، ويقع إلى جوار الحائط من الشرق، وهو مبنى من بقايا أعمدة وجذوع أشجار، وغير مسقوف. كما ذكر لي سترانج بأن المؤرخ الرومي ثيوفانوس (٧٥١-٨١٨ م) قد وصف المسجد الذي بناه عمر فقال: " إن الخليفة عمر بن الخطاب بدأ يبني مسجده في منطقة الهيكل سنة ٦٤٣م (٢٢هـ) ١، لهذا ظل الغربيون والنصارى عامة يطلقون اسم (مسجد عمر) على المسجد الأقصى، مع أن (مسجد عمر) عند المسلمين هو المسجد الصغير المقام أمام كنيسة القيامة على المكان الذي صلى فيه عمر بن الخطاب عندما فتح القدس.
_________________
(١) ١LE STRANGE P.٩١
[ ١٩٤ ]