وكتب الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب إلى الأقطار والبلاد، يستدعي من جميع الجهات جموع الجهاد، وأهل للاستدعاء أهل الاستعداد، واستحضر الغزو، من الحضر والبدو.
وبرز من دمشق يوم السبت مستهل المحرم قبل استنجاد الجنود، واستحشاد الحشود، واصحار الأسود، وإحضار البيض والسود، مضيء العز، ماضي العزم، صائب السهم، نائب الفهم، ثابت السعود كابت الحسود، وخيم على قصر سلامة من بصرى، وكفت يد رعبه الطولى من الفرنج اليد القصري، وأقام على ارتقاب اقتراب الحجاج، وقد رتب الفرنج من الأرصاد أفواجا على تلك الفجاج، لاسيما
ابرنس الكرك، فإنه كان حريصا على الدرك، ناصبا شر الشرك. نصب الشرك. فلما شم ذلك الذئب رائحة الأسد، عاود دخول حصنه حذار خروج روحه من الجسد. ووصل الحاج في أول صفر وقد قضوا حاجهم، ورضوا منهاجهم، وخرجوا عن فرضهم، ودخلوا إلى أرضهم، وفرغ القلب من شغلهم، وخف ما لزم من ثقلهم.
وانتظر السلطان وصول المستدعي، ورعى منه حصول العدد المسترعي. فأبطأ عليه وروده، واختلفت في الإسراع وعوده، فأمر ولده الأكبر الملك الأفضل نور الدين عليا؛ ولم يزل مكانه عنده عليا؛ أن يقيم على رأس الأمراء برأس الماء، وتجتمع العساكر الواصلة منه تحت اللواء.
وتقدم السلطان في أتباعه وأشياعه، إلى الكرك وضياعه، فأقام عليها يرهق ويزهق، ويحرب ويحرق، ويرعب بصاعقة بأسه ويبرق؛ حتى ألحق الموجود بالمعدوم، وأتى بالقطع على البساتين والكروم. ورعى الزروع، وعرى الدروع، واستأصل الأصول والفروع حتى أقوت من الأقوات، واستعرت الغلة بغلاء سعر الغلات. وحلت آجال الأرزاق، وانحلت عرا الارماق. وأقفر بلد الشرك، وامتلأ من الكرد والترك.
وسار إلى الشوبك فأسار به شوبا، وألحفه من عريه ثوبا. وأخلاه من زرع ونبات، وفرغه من أقوات وقوات. وأذهب ضياء تلك الضياع، وأزال بقاء تلك البقاع. وجلس الخلال، وداس الغلال. وقشر الثرى وبشره، وحشر الردى ونشره. وسلب قرار القوى وسكون مسكونها، وفجع الفرنج بكرمها وزيتونها، وقد عدم ليلها المصباح، وصباحها الإصباح.
ووصل عسكر مصر فتلقاه بالقريتين، وفرقه على أعمال القلعتين، وأقام على هذه الحالة في ذلك الجانب شهرين. والملك الأفضل ولده مقيم برأس الماء، في جمع
عظيم من العظماء. وعنده الجحافل الحافلة، والحواصل الواصلة، والعساكر الكاسرة، والقساور القاسرة. والبواتر الواترة. والخضرم الضرم، والعرمرم العرم، واللهام الملتهم.
[ ٤٢ ]
والجيش الجائش، والترك والاكادش. والجنود والبنود والأسود السود. والفيالق الفوالق. والبيارق البوارق. وبنات الأغماد قد برزن من خدورها حبا لمعانقة العدا، ظامنات إلى ورود الوريد وما أحسن حلى نجيع الكفر على عرائس الهدى.
والعزم يستنهضه، والعز يحرضه، والدين يستبطيه، والنصر يستعطيه. والقدر يحركه، والظفر يدركه. والكفر قد مات من ذعره، والإسلام قدمت بعذره. وهو ينتظر أمرا من أبيه يأتيه بما يأتيه، ويكتب إليه ويقتضيه، من رأيه بما رأيه يقتضيه.
ولما استمر تأخر الأمر استمر التأخير، وقدم في الإقدام التبكير والتكبير. وانتهز الفرصة وأحرز الحصة. وانتخى وانتخب الأجناد الانجاد، وجرد الجرد واستجاد الجياد. وسرى السرية السرية، وأمرها بالغارة على الغرة بأعمال طبرية. و(عليهم) مظفر الدين بن زين الدين على كوجك المقدم المقدام، والهمام الهمام، والأسد الأسد. والأرشد الأشد. وعلى عسكر دمشق قايماز النجمي. وعلى عسكر حلب دلدرم الياروقي. فساروا مدججين، وسروا مدلجين. وصبحوا صفورية وساء صباح المنذرين.
فخرج إليهم الفرنج في جمع شاك، وجمر ذاك. وقنطاريات طائرات، وسابريات سابغات. وللداوي دوى. وللاسبتارى هوى. والباروني يقدم على البوار، والتركبولي يلقي نفسه على النار.
وقد ثاروا والثار قد وقد، والجو قد عقد. وقد انصدع زجاج الزجاج، وارتجز عجاج العجاج. وانفض الفضاء، وانقض القضاء. وكادوا يفلون الجمع ويجمعون
الفل، ويحلون العقد ويعقدون ما انحل.
فثبت قايماز النجمي في صدورهم، واشرع الأسنة إلى نحورهم. وروى اللهاذم من تامورهم وعطف مظفر الدين يشلهم ويفلهم. لا يكترث بكثرتهم ويستقلهم. ولقيهم دلدرم بالوجه الابيض، والعزم الانهض. والجد الأجد، والحد الأحد. وانجلى الغبار وقد عم الفرنج القتل والإسار، وفجع بقتل مقدمهم الاسبتار. وأفلت مقدم الداوية وله حصاص، ووقع الباقون ولم يكن لهم من الهلك محاص. وأخلفت رنة السراء أنة الإسراء، وكانت هذه النوبة بلا نبوة. والهبة بلا هبوة.
وسكنت القلوب بهذه الحركة، وركنت النفوس إلى هذه البركة. وسارت البشرى وسرت، ودارت النعمى ودرت. وعد ذلك من إقبال الملك الأفضل وفضل الملك المقبل. وحسنت السنة بالنصر وأحسنت الألسنة في الشكر. هذا والعساكر في كل يوم يفدون ويفيدون. وفيما يجدون الطريق إليه من النكاية في العدو يجدون ويجيدون. وجاءتنا البشارة ونحن بالكرك فأيقنت الآمال بالنجح والدرك. وسار سلطاننا الملك الناصر صلاح الدين ووصل السير بالسرى، وخيم بعشترا فغصت بسيول الخيول الوهاد والذرا. واجتمع به ولده، وقر عينا بشبل العرين أسده.
وما رأيت عسكرا أبرك منه ولا أكبر، ولا أكرث للكفر ولا أكثر. وكان يوم عرضه
[ ٤٣ ]
مذكرا بيوم العرض. وما شاهده إلا من تلا (ولله جنود السماوات والأرض). في ألوية كأنما عقدتها حور الجنان بخمرها. وبيارق كأنما حبتها أنف الرياض بزهرها. ويوم كالليل عجاجا، وليل كاليوم ابتلاجا. ومناصل بالمنى صلت، وقساطل بالقسي طلت. وفيلق لهام اللهام يفلق. وقلوب يمانية رقاق في صدور الأغماد تقلق، وطيور سهام من أوتار الحنايا إلى أوكار المنايا تمرق. وسوابغ مفاضة، وسوابق مرتاضة. وهضاب راسيات، وهواضب ساريات.
ولما تم العرض، حم الفرض. وتعين الجهاد، وتبين الاجتهاد. واضطربت السهول
والوعوث، وانبعثت الهمم وهمت البعوث. وسمع الفرنج بكثرة الجمع الجم، وزخرة اليم الخضم. وبروز التوحيد إلى التثليث، وانتهاض الطيب لإدحاض الخبيث. فخافوا وخابوا، وهبوا وهابوا. وعرفوا أن حزبهم مخذول، وأن غربهم مفلول. وأن حدهم مثلوم، وأن جندهم مهزوم. وأنه قد جاءهم ما لا عهد لهم بمثله، وأن الإيمان كله برز إلى الشرك كله.
وقد كان بينهم حينئذ خلف منبعث، وحلف منتكث. ووقوع نفار بين الأنفار، ووقود شرار بين الشرار. ولما استدنوا حين حينهم، سعوا في إصلاح ذات بينهم. ودخل الملك على القومص ليتقمص له بالود الاخلص. ورمى عليه بنفسه، واستبدل وحشته بأنسه. فاصطحبا بعد ما اصطلحا. واصحبا بعد ما جمحا.
وتزاور الفرنج وتوازروا. وتآمروا ما بينهم وتشاوروا. وقالوا هذا دين متى دنا منه الوهي هوى، وعود إذا عاده الأذى ذوى. فالمسيح لنا، والصليب معنا. والمعمودية عمدتنا، والنصرانية نصرتنا. ورماحنا مراحنا، وصحافنا صفاحنا. وفي لوائنا اللأواء. ومع اودائنا الداوية الأدواء. وطوارقنا الطوارق، وبيارقنا البوائق. وسيف الاسبتار بتار، ولقرن الباروني من مقارنته بوار. ومعنا الدلاص والصلاد، والصعاب والصعاد. وفي كل قنطاري قنطار، ولكل سابري من اسنتنا مسبار.
وقد عم بحرنا الساحل، وشددنا به المعاقد والمعاقل. وهذه الأرض تسعنا نيفا وتسعين سنة، وما تضيق بنا في هذه السنة، وأرماحنا إلى هذه الغاية من الاسواء أسوار هذه البقاع والأمكنة. وسلاطين الإسلام ما صدقوا أن يسلموا إلينا ويسالمونا، ويبذلوا لنا القطائع ويقاطعونا، وطالما ناصفونا وما صافونا، وهادونا وهادنونا. وفي جمعنا تفريقهم، وفي وقعتنا تعويقهم.
فقال القومص وكان محربا مجربا، متدبرا متدربا هذا صلاح الدين لا يقاس بأحد
من السلاطين لتسلطه، وإقدامه على المخاوف وتورطه. وإن كسركم مرة فلا يصح لكم الجبر. وليس إلا المراوغة والمغاورة والصبر. والصواب ألا نخالطه ولا نباسطه، ولا نخالفه ونقبل شرائطه.
[ ٤٤ ]
فقال له الملك أنت قد قلبتك الآفة، وفي قلبك المخافة. وأنت للحور رخو، وللخشية حشو. وأنا لا بد أن أصدمه وأصده، وأكدمه وأكده، وأرادده حتى أرده. وأقيم صليب الصلبوت فلا يعقد عنه من أهل الأحد. وأمد يد الأيد لجمعي فلا تمتد لأهل الجمعة يد.
فقبل القومص قوله على مضض، وصح ظاهره معه على ما كان في الباطن من مرض. ولما أحس منه الملك بالوفاء والوفاق؛ وعدم أهل الشقاء ما وجدوه بينهما من الشقاق؛ اشتغلوا بالحشد والحشر، والطي والنشر.