كان السلطان مع ما ألم به من الألم، غير مبد وجه الملل والسأم. وهو في كل يوم يركب وعلى العسكر يطوف، ويقف مستطيلا على العدو ويطول منه الوقوف. ويعود وقت الظهر، وعليه أثر الضر من الصبر. فليم على فعله، وخصه الطبيب بعذله. فانتقل إلى الثقل ليلة الثلاثاء رابع شهر رمضان، وخلى المنزل الأول وأخلى العسكر ذلك المكان. وتقدم إلى من بعكاء بإغلاق الباب، وسلوك نهج الاحتراس والاجتناب. وجرى الأمر على ما كنت قلته، وتحقق من الخلل ما خلته.
فإن المركيس رحل وشغل الجانب الذي كان خاليا، ورخص عنده ما كان من سوم خوفه غاليا.
وشرع الفرنج في حفر خندق على معسكرهم حوالي عكاء من البحر إلى البر، واخرجوا ما كان في مراكبهم من آلات الحصر. وفي كل يوم تأتينا اليزكية بخبرهم، وبما ظهر من أثرهم، والجد في تعميق الخندق وتتميم محتفرهم. والعسكر هاجم، كأنه واجم، والظن فيه راجم، وشر الكفر ناجم، وما فينا لعود الأمر عاجم.
وقلت يوما للسلطان يركب العسكر إليهم، ويركض عليهم. فلعله ينال ظفرا، ويقضى من عسكر العدو وطرا. فقال ما يعمل العسكر شيئا إلا إذا كنت معه راكبا، ولعمله مشاهدا مراقبا. ولقد صدق في مقاله، فإنه كان اعرف برجاله. فإنهم كانوا يبذلون معه المهج، ويخوضون من بحر الحرب اللجج، ويوسعون لهزم العدو المأزق اللجج. وكان من قضاء الله أنا أغفلناهم، وأمهلناهم. حتى عمقوا الحفور، ووثقوا من ترابها
[ ١٧٦ ]
السور. وملئوه بالستائر، ومنعوه من الطير الطائر. وبنوه وأسسوه، وستروه. وترسوه ورتبوا عليه رجالا، ولم يتركوا إليه لواغل مجالا. وتركوا فيه أبوابا وفروجا، ليظهروا منها إذا أرادوا خروجا.
ولما فرغوا من هذا الأمر اشتغلوا بالحصر. ونحن نقول: لا مبالاة بهم ولا اكتراث، وما أسهل إذا عزمنا عليهم لأصولهم الاجتثاث، وبسيول سيوفنا نغسل تلك الاخباث. وأي وقت قصدناهم وجئناهم وجأناهم، ونكأنا قرحهم ونكبناهم. وما فوارسهم لنا إلا فرائس، وما خنادقهم لهم إلا رموس دوارس. وما حفروا إلا قبورهم، وما دبروا إلا ثبورهم. ومتى قصدناهم كذبت ظنونهم، وصدقتهم منونهم. وامتلأت بأشلائهم خنادقهم، وأظلمت عليهم بغربنا مشارقهم، وبيتتهم بوائقهم وتبت علائقهم.