ولم يؤسر الملك حتى أخذ صليب الصلبوت، وأهلك دونه أهل الطاغوت. وهو الذي إذا نصب وأقيم ورفع؛ سجد له كل نصراني وركع وهم يزعمون إنه من الخشبة التي يزعمون إنه صلب عليها معبودهم، فهو معبودهم ومسجودهم. وقد غلفوه بالذهب الاحمر، وكللوه بالدر والجوهر. واعدوه ليوم الروع المشهود، ولموسم عيدهم الموعود. فإذا أخرجته القسوس؛ وحملته الرءوس؛ تبادوا إليه، وانثالوا عليه. ولا يسع لأحدهم عنه التخلف، ولا يسوغ للمتخلف عن اتباعه في نفسه التصرف. وأخذه أعظم عندهم من أسر الملك، وهو أشد مصاب هم في ذلك المعترك. فإن الصليب السليب ماله عوض، ولا لهم في سواه غرض، والتأله له عليهم مفترض. فو إلههم وتعفر له جباههم، وتسبح له أفواههم. يتغاشون عند احصاره، ويتعاشون لإبصاره، ويتلاشون لإظهاره، ويتغاضون إذا شاهدوه، ويتواجدون إذا وجدوه. ويبذلون دونه المهج، ويطلبون به الفرج. بل صاغوا على مثاله صلبانا يعبدونها، ويخشون لها في بيوتهم ويشهدونها.
فلما أخذ هذا الصليب الأعظم عظم مصابهم، ووهت أصلابهم. وكان الجمع المكسور عظيما، والموقف المنصور كريما. فكأنهم لما عرفوا إخراج هذا
الصليب، لم يتخلف أحد من يومهم العصيب. فهلكوا قتلا وأسرا، وملكوا قهرا وقسرا. ونزل السلطان على صحراء طبرية كالأسد المصحر، والقمر المبدر.
[ ٥٢ ]