وقد مضى ذكر وقوع ابرنس الكرك في الشرك، بمعتكر يومه في المعترك. وافتتاح الفتح بحتفه، وبسط كف الانتقام عليه بقبضه وكفه. وأنه أخذ رأسه، وقطعت أنفاسه، وقلعت أساسه. وكانت زوجته ابنة فليب صاحبة الكرك بالقدس مقيمة، ولحفظ معاقلها مستديمة. وحصل ولدها (هنفري بن هنفري) في قبض الاسار، وقيد الخسار، وغمة الانكساف والانكسار.
فلما يسر الله فتح البيت المقدس، وأصبح الإسلام عالي اليد والكفر غارم المعطس؛ خرجت صاحبة الكرك متعرضة للخضوع، متضرعة بالخشوع، وبرزت مسكينة مستكينة، مستعطفة مراحم السلطان مستلينة. رافعة عقيرتها بالابتهال، شافعة في فك ولدها من الاعتقال. معفرة خدا شأنه التصعر، مسفرة عن وجه من عادته التخدر. حاسرة حسرى، باسرة لحزنها بأسرى. والدة تنشد ولدها، والهة دخل
الرعب خلدها. مطلقة ميسورها، مستطلقة مأسورها. ثانية عطف العطف لواحدها، رانية بعين الذل في خلاص ساعدها.
سائلة في فلذة كبدها، جائلة بجذوة كمدها، باسطة يدها لقبض يدها. ناثرة خرزات دموعها، عاثرة بحزازات ولوعها. خافضة جناح استعطافها، ناهضة في نجاح استسعافها. راجزة بنوحها، عاجزة عن بوحها.
وخرجت معها زوجة ابنها الملك، كأنها من بنات الفلك، باديا صبح وجهها اليقق في ليل شعرها الحلك. مشرقة من أوجها، مشفقة على زوجها. محترقة على فداء الحليل، مقترحة به شفاء الغليل. خادرة قد اصفرت من مطالعها وأصحرت، حادرة عبرة في مدامعها طحرت. ناهدة متنهدة، واجدة متوجدة. معتزة متذللة، مهتزة متململة. باكية متلهفة، شاكية متأسفة. مستدعية مستعدية، عاطية مستعطية. ساكبة عبراتها، راكبة عثراتها. خامشة وجناتها، خادشة بشراتها.
وحضرت الملكة في زوجها الملك خاطبة، ولقرمها الندب نادبة. قد أذعنت وعنت لفكاك عانيها، وطلبت بطلها الذي هو عامر دار عزها وبانيها. فاكرم السلطان وفادتهم، ووفر إفادتهم، وقرب إرادتهن، وقرر زيارتهن. ووهب ولأتباعهن وأشياعهن ما كان يلزمهن ويلزمهم من مال القطيعة، ووصلهن بصلاته الرفيعة. وخصهن بما لاق بكرمه من حسن الصنيعة، ووثقهن بنجح الذريعة.
وأما الملكة فإنه مكن محلها، وجمع بالملك شملها. وتقرر مع صاحبة الكرك إطلاق ابنها على تسليم قلعتي الشوبك والكرك، ودخولهما في معاقلنا وخروج أصحابهما منهما في الدرك. فاستحضر ابنها هنفري من دمشق إليها، وأقر برؤيته عينيها. وسار معهم من الأمراء الأمناء من يتسلم منهم تلك المعاقل، ويحوز من تلك
[ ١١٣ ]
العقيلة العاقلة تلك العقائل. فمضت إليها مع ولدها، حسنة الظن بأهل بلدها.
فلما وصلت قاطعوها، ودافعوها عن حصونها ومانعوها. وأخلفوا ظنها وخالفوها،
حيث ما ألفوها كما ألفوها. وجنحوا وجمحوا، واجترأوا عليها واجترحوا. وعصها وأقصوها، وعددوا عليها الذنوب وأحصوها. وأفحشوها في خطأ الخطاب، وأوحشوها بالتنحي عن صوب الصواب. وسبعوها، وإلى موافقة الإسلام نسبوها.
وكلما لاينتهم خاشنوها، وكلما قاربتهم باينوها. فوجدت نبوة نوابها، وعدمت أصحاب اصحابها، وذكرتهم بحقوقها، وحذرتهم من عقوقها. ولا فغلظوا، واسترضتهم فاحفظوا، واسترعتهم العهد فما حفظوا، ونبهتهم لأمرها فما استيقظوا.
وانفصلت عنهم مخفقة، هائبة مشفقة. تخشى من ورد ولدها إلى السجن، وعودها من الاصحار إلى الدجن. ومضت إلى الحصن الآخر. فحصلت منه على صفقة الخاسر. فإنها لما ألمت بالشوبك ألمت من شوب كدرها، وأملت نفعها فعادت بضررها. ولقيت من نوابها نوائب، وفي موارد المراد منها أقذاء وشوائب، فآبت بالأمل الخائب والعمل العائب، والخوف الصادق والرجاء الكاذب.
فلما رجعت قبل السلطان عذرها، وأزال ذعرها. وأعلمها بأن ولدها محفوظ، وبالرعاية ملحوظ، وبالعناية به محظوظ، وهو في حصن السلامة إلى أن نتسلم الحصون، وإذا بذل مصونها بذلنا لك منه المصون. فسكنت إلى الوعد، وسكنت بعكاء في ظل الرفه والرفد. ثم انتقلت قبل خروجها من عكاء إلى صور، واستودعت السلطان ابنها المأسور.
وأمد السلطان (سعد الدين كمشبه) في حصار الكرك والشوبك، وبأمراء يساعدونه في الحفظ واليزك. فأقام على كل قلعة من يكفي لمحاصرتها، ويفي بمصابرتها، ويلبث في مقابلتها، ولا يعبث. بمقاتلتها فإنها تبقى على قوتها ما لم تقو من قوتها، وتدوم على طغيانها ما لم يذل عز طاغوتها. فلما رتب السلطان هذه المراتب، ورب هذه المآرب، أقام حتى وثق باستمرارها وتحقق حق استقرارها.