وصلت في مركب ثلاثمائة امرأة إفرنجية مستحسنة، متحلية بشبابها وحسنها
[ ١٨٦ ]
متزينة. قد اجتمعن من الجزائر، وانتدبن للجرائر. واغتربن لإسعاف الغرباء، وتأهبن لإسعاد الأشقياء، وترافدن على الإرفاق والأرفاد، وتلهبن على السفاح والسفاد. من كل زانية نازية، زاهية هازية، عاطية متعاطية، حاظية خاطية، متغنية متغنجة، متبرزة متبرجة، نارية ملتهبة، متنقشة متخضبة، تائقة شائقة، فائقة رائقة، راتقة فاتقة، راقعة خارقة، مارقة رامقة، قاسرة سارقة، فارجة فاجرة، فاتنة فاترة، مشتهاة متشهية، ملهاة متلهية، متفننة متفتية، ناشية منتشية، متشوقة متسوقة، مقترحة محترقة، متحببة متعشقة. حمراء مرحاء، نجلاء كحلاء، عجزاء هيفاء، غناء لفاء، زرقاء ورقاء، متخرقة خرقاء.
تسحب غفارتها، وتسحر بنضارتنا نظارتنا. وتتثنى كأنها غصن، وتتجلى كأنها حصن. وتميس كأنها قصيب، وتزيف وعلى لبتها صليب. وهي بائعة شكرها بشكرها، باغية كسرها في سكرها.
فوصلن وقد سبلن أنفسهن، وقدمن للتبذل أصونهن وأنفسهن. وذكرن أنهن قصدن بخروجهن تسبيل فروجهن. وأنهن لا يمتنعن من الغربان، ورأين أنهن لا يتقربن
بأفضل من هذا القربان، وتفردن بما ضربنه من الخيم والقباب، وانضمت إليهن أترابهن من الحسان الشواب. وفتحن أبواب الملاذ، وسبلن ما بين الأفخاذ. وبحن بالإباحة، ورحن إلى الراحة؛ وأزحن علة السماحة، ونفقن سوق الفسوق، ولفقن رتوق الفتوق. وتفجرن بينابيع الفجور، وتحجرن بنزو الفحول منهن على الحجور، وعرضن الإمتاع بالمتاع، ودعون الوقاح إلى الوقاع.
وركبن الصدور على الأعجاز، وسمحن بالسلعة لذوي الاعواز، ودمن على تقريب خلاخلهن من الإفراط، ورمن فرشهن على بساط النشاط. وتهدفن للسهام، وتحللن للحرام. وتعرضن للطعان، وتضرعن للأخدان. ومددن الرواق، وحللن حين عقدن النطاق. وصرن مضارب للأوتاد واستدعين النصول منهن إلى الأغماد. وسوين أراضيهن للغراس، واستنهضن الحراب إلى التراس. واستفرن المحاريث إلى الحرث، ومكن المناقير من البحث. وأذن للرءوس في دخول الدهاليز، وجرين تحت راكبيهن على ضرب المهاميز. وقرين الأشطان من الركايا، وفوقن النبال في اعجاس الحنايا، وقطعن التكك، وطبعن السكك.
وضممن الأطيار في أوكار الأوراك، وجمعن قرون كباش النطاح في الشباك. ورفعن الحجر عن المصون، وترفعن عن ستر المكنون. ولففن الساق بالساق، وشفين غليل العشاق. وكثرن الضباب في الوجار، وأطلعن الأشرار على الأسرار. وطرقن إلى الأودية، والسيول إلى الأودية. والجداول إلى الغدران، والمناصل إلى الأجفان. والسبائك إلى البواتق، والزنانير إلى المناطق والاحطاب إلى التنانير، وذوي الإجرام إلى المطامير والصيارف إلى الدنانير. والأعناق إلى البطون، والأقذاء إلى العيون.
وتشاجرن على الأشجار، وتساقطن على الثمار. وزعمن أن هذه قربة ما فوقها
[ ١٨٧ ]
قربة، لاسيما فيمن اجتمعت عنده غربة وعزبة. وسقين الخمر، وطلبن بعين الوزر
الأجر. وتسامع أهل عسكرنا بهذه القضية، وعجبوا كيف اعبدوا بترك النخوة والحمية.
وأبق من المماليك الأغبياء؛ والمدابير الجهلاء؛ جماعة جد بهم الهوى، وأتبعوا من غوى، فمنهم من رضي للذة بالذلة، ومنهم من ندم على الذلة فتحيل في النقلة. فإن يد من لا يرتد لا تمتد، وأمر الهارب إليهم لاتهامه يشتد؛ وباب الهوى عليه يستد. وما عند الفرنج على العزباء إذا أمكنت منها الأعزب حرج، وما أزكاها عند القسوس إذا كان للعزبان المضيقين من فرجها فرج. ووصلت أيضا في البحر امرأة كبيرة القدر، وافرة الوفر، وهي في بلدها مالكة الأمر. وفي جملتها خمسمائة فارس بخيولهم وأتباعهم، وغلمانهم وأشياعهم. وهي كافلة بكل ما يحتاجون إليه من المؤونة، وزائدة بما تنفقه فيهم على المعونة. وهم يركبون بركباتها، ويحملون بحملاتها، ويثبون لوثباتها، وتثبت ثباتها لثباتها.
وفي الفرنج نساء فوارس، لهن دروع وقوانس. وكن في زي الرجال، ويبرزن في حومة القتال، ويعلمن عمل أرباب الحجا وهن ربات الحجال. وكل هذا يعتقدونه عبادة، ويخلن أنهن يعقدن به سعادة، ويجعلنه لهن عادة. فسبحان الذي أضلهن، وعن نهج النهى أزلهن.
وفي يوم الوقعة قلعت منهن نسوة، لهن بالفرسان اسوة، وفيهن مع لينهن قسوة، وليست لهن سوى السوابغ كسوة. فما عرفن حتى سلبن وعرين، ومنهن عدة استبين واشتربن. وأما العجائز امتلأت بهن المراكز؛ وهن يشددن تارة ويرخين، ويحرضن وينخين. وقلن أن الصليب لا يرضى إلا بالإباء، وأنه لا بقاء له إلا بالفناء؛ وأن قبلا معبودهم تحت استيلاء الأعداء. فانظر إلى الاتفاق في الضلال بين الرجال منهم والنساء. فهن للغيرة على الملة مللن الغيرة، وللنجاة من الحيرة ناحين الحيرة. ولعدم الجلد عن طلب الثأر تجلدن، ولما ضامهن من الأمر تبلهن
وتبلدن.