وكنت قد انقطعت من الصحبة؛ لما عرض لي في المرض من النوبة. فأقمت بدمشق أداوي مزتجي؛ وأداري منهاجي؛ وأعالج تدبيري وأدبر علاجي؛ إلى أن وصل الخبر بأن السلطان نزل على القدس، فوجدت خفة في النفس، وأنست بابلالي بعض الأنس، وأمنت لوثوقي بالصحة والاستقامة من النكس.
فأوجهت إلى تلك الجهة، وسرت بطاعة النفس المتنزهة، وعصيان الطبيعة المتكرهة. واخترت تعب السفر على راحة الإقامة، ورأيت في ركوب طريق العطب وجه السلامة. ووصلت بكرة السبت ثاني يوم الفتح بالسعد واليمن والنجح.
فوصلني السلطان عند وصولي بأجبى بشاشة، وأحلى هشاشة. وسرى عنه وسر، وأبر وبر. وقال أين كنت ولما أبطأت، وحيث أصبت في المجيء فما أخطأت.
وقد كنا في انتظارك، والسؤال عن أخبارك. وهذا أوان إحسانك، فأين إحسان أوانك، فأجر بنانك بجرأة بيانك، وأجر في ميدانك. وما للبشائرإلا واصفها، وللفرائد إلا راصفها. وللفصاحة إلا قسها، وللحصافة إلا قيسها.
وكان قد جمع أمس كتاب دواوينه على إنشاء كتب ما ارتضاها. واقتضاب معان ما اقتضاها. وكانوا سألوه في كتاب الديوان العزيز فقال لهذا من هو أقوم به، وعساني، فلما رآني ناداني واستدناني، فصرفت إلى امتثال أمره عناني. وسلم إلى الكتب التي كتبوها بالألفاظ التي رتبوها. وقال غيرها ولا تسيرها وغرضه أني أعدل معوجها، وأبدل مثبجها وافترع المعنى البكر للفتح البكر، وأوشح ذكر آياته بآيات الذكر.
فاستجديتها فما استجدتها، واستلمحتها فما استملحتها. وشممتها وبها سهك، وكشفتها وسترها هتك، وكانوا قد تعاونوا عليها وفيها لهم شرك. فتسرعت في افتضاض الأبكار، واقتضاء الأبكار، واقتضاء الأفكار. واقتراح القريحة، واقتراء رحاب الكلم الفصيحة الفسيحة.
[ ٧٤ ]
وافتتحت في بشرى الفتح بكتاب الديوان العزيز، وأوردت المعنى البليغ في اللفظ الوجيز. ووشحت ووشعت، وشعبت وأشبعت. وأطلت وأطبت، وصبت وأصبت، وأعجزت وأعجبت، وأطريت وأطربت. وأبعدت وأبدعت، ورصعت وصرعت. وطابقت وجانست، ووافقت وأنست.
وبينت فضل عصر الإمام على الاعصار السابقة، بالأبصار الصادقة. وأن هذا الفتح ادخره الله لزمانه، ومكن منه لمكانه، وسلط عليه بسلطانه، وحسنه لنا بإحسانه. وقد عبرت القرون الماضية على حسرته، وظفر هو وأشياعه بمسرته. وما حصل لنا إلا ببركة أيامه، وحركة اعتزامه. وذكرت من هذا كل ما راق وشاق، ونور الآفاق. وأن هذه الفتوح تفوح بأرج نشره، وتحيا بحيا بره. فما أيمن أيامنا بأيامه، وما أسعد آمالنا بإنعامه.
وكتبت إلى كل ذي طرف بمعنى طريف، ولفظ فثيح حصيف وسهرت تلك الليالي حتى نظمت اللآلى، وحليت المعالي، وقرحت المعادي وفرحت الموالي. وسارت شواردي إلى المشرق والمغرب، معربة عن هذا الفتح المعرب عن النصر المذهب. وبشرت المسجد الحرام بخلاص المسجد الأقصى. وتلوت (شرع لكم من الدين ما وصى).
وهنأت الحجر الأسود بالصخرة البيضاء، ومنزل الوحي بمحل الإسراء، ومقر سيد المرسلين وخاتم النبيين بمقر الرسل والأنبياء. ومقام إبراهيم بموضع قدم محمد المصطفى صلى الله عليه وعليهم أجمعين، وأدام أهل الإسلام بشرف بيتيه مستمتعين.
وتسامع الناس بهذا النصر الكريم، والفتح العظيم، فوفدوا للزيارة من كل فج عميق، وسلكوا إليه في كل طريق، واحرموا من البيت المقدس إلى البيت العتيق، وتنزهوا من أزهار كراماته في الروض الأنيق.