ولما عثر الفرنج على تلك العثرة؛ وظنوا فينا الفتور لأجل تلك الفترة؛ وقالوا مراكبهم أنحل تركيبها، وكتائبهم أختل ترتيبها، وستجرى بها عنا الندامة التي يحدثنا تجريبها. وهم الآن على صوت لهم مخيف، وفوت بهم مطيف. فلا معنى لتقاعدنا عنهم، ولا وجه لتباعدنا منهم. فلو خرجنا صدمناهم، وأقدمنا عليهم وهزمناهم.
وخرجوا يوما قبل العصر، في عدة كالليل خارجة عن الحصر. قد التأموا واستلأموا، وانضموا وانتظموا وتقدموا، واقدموا للطوارق حاملين. وللجمالات مطرقين، وعلى الفرق مجتمعين وللجماعات مفرقين، وبالرهق حادين وبالجد مرهقين. وللعقود حالين، ومن الغمود سالين. وللمناصل منتضين، وللطوائل
مقتضين، وللسيوف مجردين، وللسيول مجرين، وبالزغف ملتثمين، وفي الحتف مقتحمين. وبالقنطاريات طائرين، وبالزيارات زائرين.
من كل مغوار وار، ومحضار ضار، وفجار جار، وجبار بار، وعدو عنود، وكند كنود. وداوي ذي دوي، وباروني غوى. ومن كل مصمم إذا وتر، مصم إذا اوتر، مصم إذا نعر، مصر إذا ذعر، هائج إذا استعر، مائج إذا ذخر، متنمر إذا زأر، متذمر إذا زحر. فتناوبوا وتواثبوا، وتجاواوا وتجاوبوا. ودنوا من متارس المنجنيقات، وجنوا من مغارس الجنويات. وبنوا أمرهم على أن الناس ناسون غارون، وأن أهل البأس في خيمهم هاجمون قارون.
فتلقاهم منا كل ضارب للهام، ضار بالحمام، جار إلى الأقدام. ملب للصوت، محب للموت. مشتهر بالغناء، مشته للقاء، مستهتر بالبلاء. ماض بالمواضي، منقاض بالقواضب القواضي. وكل أبيض بالبيض ضراب وللبيض رضاض، وأغلب للمغلب قضقاض، والى الحرب نهاض. وكل
[ ٩١ ]
معتقل رماحه، معتقد مراحه. مهتز لطرب الشهادة، معتز بأرب السعادة. متمن للمنون، متجن على الجنون. مضرم نار الحديد في ماء الوريد، مغرم في تفريق العدا بجمع العديد. مفرغ ماء الظبا على نار النجيع، مبلغ تلبية إلى الصريخ السريع. قد تلثم باللام، وتلفع باللثام. تقنع بالزرد، وتدرع بالجلد. وتجوشن بالصبر، وتخشن بالزبر وصال بالقضب، وجال بالهضب. وطال بالهندي على الفرنجي، وخاض من دم الشرك في البحر اللجي.
فلم يسمع إلا أنين الحنية، لحنين المنية، ورنين الاوتار، من كنين الأوتار. وهفيف السهام لذفيف اللهام. وصليل بنات الغمود، من غليل أبناء الحقود. وهمهمة الابطال، وغمغمة الاقتال. وزثير الضرغام، وزفير الضرام. وقرع الظبا بالظبا، ووقع الشبا على الشبا. وضجة الحديد من الحديد، وعجة الشديد من الشديد.
وجعجعة رحى الحرب، وقعقعة أداة الطعن والضرب. وجرجرة الفحول، وزمجرة الذحول: وهديل حمام الحمام، وهدير قروم الأقدام. ووعوعة ذئاب الوغى ومعمعة التهاب اللظى. ودعدعة صاع المصاع، وجلجلة سباع القراع. وصلصلة الزبر، وولولة الزمر. وحيعلة دعاة النصر، وهيضلة رعاة الكفر.
ورفرفة المريشات الراشقة. وهسهسة الطعنات الفاهقة. وهزهزة أعطاف المران، وزهزهة أصوات الشجعان. ونعير الغالبين، وصخب السالبين، ولجب الجالبين، وزجير الطالبين. ونهيت الأسود، وقصيف الرعود. وهدة الاركان، ودهدهة الرعان، وقهقهة الأقران. وقرقرة الكماة، وصرصرة بزاة الغزاة. وكشيش صلال الضلال، ونشيش مراجل الرجال. وهزيز ريح الباس، وهزيم رعد المراس. وإرنان المعاجس، وارزان القناعس. وهيعة الصارخ، وصيحة النافخ. وزعقة المستفرع، ونعقة المستنزع. وشعشعة الخرصان، وزهزمة النيران. وهينمة الأجل، وجمجمة الزجل. وتكبير المؤمنين، وتهليل المؤمنين. وصرير أبواب الجنان للشهداء، وصريف أنياب الجنان للأعداء، والدعاء إلى اللقاء، والنداء إلى الأرداء. وارتفعت الاصوات، واشتبهت الأحياء والأموات. ووقع أصحابها فيهم وقوع النار في الحطب، واروهم في مرايا البيض وجوه العطب، وولوا مدبرين، بعد ما تولوا مدبرين.
وجنودنا تشلهم، وحدودنا تفلهم. ولتوتنا ترضهم، ونيوثنا تفضهم. وعادوا إلى البلد، عادمي الجلد. وفيهم ندوب وعليهم نوادب، وأيدي الردى بهم لواعب ومنهم لواغب. ودخل الليل، وعمهم الويل. وأسرنا منهم مقدمين، ثبتوا على الموت مقدمين.
وممن أسر فخسر قومص عظيم، بل شيطان رجيم. فترك في قيد الاسار، ليكشف عن حاله بالنهار، وكان (الملك الظاهر غازي) لم يحضر فيما تقدم من المغازي.
فرأى أن يحقق
[ ٩٢ ]
اسمه بقتله، فضرب عنقه بحد نصله. وكان للمركيس شبيها، وفي الفرنج وجيها. فظنوا أنه هو للشبه، وبات أهل الكفر بالعمى والعمة. ثم عرف أن المركيس في نفسه لم ينكأ ولم ينكب، ولما عطب أشياعه لم يعطب، وندم على ما قدم، ومن تقدم على غرة تندم.