أصبح بالمخيم عارضا من العسكر لعارض ثجاج، وبحر بالعجاج عجاج، وخضم بالصواهل السوابح والمناصل والصفائح ذي أمواج. وقد رتب أبطاله وأطلابه، وسحب على وجه الأرض سحابه، ونقل به من الثرى إلى الثريا ترابه. وأطار إلى النسر الواقع من الغبار غرابه. وقد فض الفضاء ختام القتام. وشدت للشدائد كتب الكبت على حمام، وحنت ضلوع الحنايا على أجنة السهام وتكلفت العوجاء بالمعتدلة، وضمت المنفلتة إلى المنفتلة. ووفت الأوتار بالاوتار، وثار كل طلب لطلب النار. ووقف السلطان يوم العرض يرتب العسكر ترتيبا، ويبوبه تبويبا. ويعيبه بعيدا وقريبا. وقرر لكل أمير أمرا ولكل مقدام مقاما. ولكل موفق موقفا. ولكل كمين مكانا. ولكل قرن قرانا. ولكل جمر مطفئا، ولكل جمع نكفئا. ولكل زند موريا، ولكل حد ممهيا. ولكل قضية حكما، ولكل حنية سهما. ولكل يمين مقضبا. ولكل يمان مقبضا. ولكل ضامر مضمارا، ولكل مغوار مغارا. ولكل رام مرتمى، ولكل نام منمى، ولكل سام مسمى، ولكل اسم مسمى.
وعين لكل أمير موقفا في الميمنة والميسرة لا ينتقل عنه. ولا يغيب جمعا ولا يبرح أحمد منه. وأخرج الجاليشية الرماة الكماة من كل طلب، ووصى كل حزب بما يقربه من حزب. وقال إذا دخلنا بلد العدو فهذه هيئة عساكرنا، وصورة مواردنا ومصادرنا. ومواضع اطلابنا، ومطالع أبطالنا. ومصارع أسنتنا، وشوارع أعنتنا. وميادين جردنا، وبساتين وردنا. ومواقف صروفنا، ومصارف وقوفنا. ومرامي مرامنا، ومجالي مجالنا.
وقوى الآمال بما بذله من الأموال، وحقق في إنجاز المواعد وإنجاح
[ ٤٦ ]
المقاصد
رجاء الرجال، وجمع العدد، وفرق العدد. ووهب الجياد وأجاد المواهب، ورغب في العطايا وأعطى الرغائب. ونثر الخزائن، ونثل الكنائن. وانفق الذخائر، واستنفد كرائمها والاخاير. وقسم أحمال النشاب فتفرق الناس منه بأكثر من ملء الجعاب. وأجرى الجرد وأجنى الأجناد، وأذكى المذاكي وأشهد الأشهاد. وأذال مناقب المقانب، واستمال معاطف المعاطب. وقوى القواطع، وروى الروائع.
وعاد إلى المخيم مسرورا محبورا، مقبولا مبرورا، موفورا مشكورا. وقد رتب وربت، وقنب وكتب، وثبت ونبت. قد بر عمله، وأبر أمله. وفاح نشره، ولاح لشره. وتأرج رياه، وتبلج محياه. وأيقن بالظفر وظفر باليقين، وأمن إلى الدعوى المستدعية للتأمين، وتيمن بأوضاح عرابه الميامين، وإيضاح إعرابه في اقتضاء دين الدين. وأنس ببهجة الخيل ولهجة الخير، وسر سره بما سرى له من وجه السير. وشد حزم الحزم، وجد في العزم الجزم. وقدم الإسراج للإسراء، وألجم العراب للعراء.
ورحل يوم الجمعة السابع عشر شهر ربيع الآخر والتوفيق مسايره، والتأييد موازره، والتمكين مضافره، والسعد مظاهره، والجد مكاثره، واليمن محاضره، والعز مسامره، والظفر مجاوره، والإسلام شاكره، والله ﷿ ناصره. وسار على الهيئة التي قدمنا ذكرها من المناقب المقنبة، والكتائب المكتبة، والمراتب المرتبة. والمذاهب المهذبة. والسلاهب المجنبة والصوائب المجعبة. والهواضب المقربة. والثعالب المذربة. واللهاذم الهاذمة. والصلادم اللاذمة. والضراغم الضاغمة.
وخيم على خسفين، وقد أدنى الله الخسف بالعدو وخسوفه، وكسف الكفر وكسوفه. وبات والوجوه سافرة، والعيون في سبيل الله ساهرة، والأيدي لسيوف الأيد شاهرة، والألسن لأنعم الله شاكرة، والقلوب بالإخلاص عامرة، والأنفس للأنس
مسامرة، والأقدام بالأقدار متضافرة متظاهرة.
ثم أصبح سائرا ونول على الأردن بثغر الأقحوانة، بعزم الصيال وعز الصيانة. وأحاط ببحيرة طبرية بحره المحيط، وضاق ببسائط خيامه ذلك البسيط. وبرزت الأرض في قشب أثوابها، وتفتحت السماء لتنزل الملائكة من أبوابها. ورست سفن المضارب على تلك الاثباج، وطمت الاطلاب أمواجا على أمواج، وانعقدت سماء العجاج، وطلعت فيها أنجم الخرصان والزجاج.
وأعاد الاقحوانة رياضا نضرة، وحدائق مزهرة. من فرس ورد وفارس كالأسد الورد ومشرفيات كطاقات الرياحين، ويزنيات كأشجار البساتين، ورايات صفر تخفق بعذبات الياسمين. وألوية حمر كشقائق النعمان. وموضونة زغف كالغدران، ومصقولة بيض كالخلجان. ومريشة زرق كالأطيار، ومحنية عوج كالافنان، وبيض تلمع كثغور الأقحوان. وحبب ترائك على نحور الدارعين، وعقبان صواهل تروق وتروع الناظرين والسامعين.
[ ٤٧ ]
والفرنج قد صفوا راياتهم بصفورية. ولووا الألوية، ومدوا على مدود الضوامر الزواخر قناطر القنطاريات، وأوقدوا في ظلام القتام الثائر سرج السريجيات. وصوبوا إلى صوب قرا الأقران نياب اليزنيات. وأحاطوا حول مراكزهم بدوائرهم، وحاطوا بواترهم بواترهم. وجمعوا الاوشاب والأوباش، ورتبوا الجيش وثبتوا الجأش.
وحشدوا الفارس والراجل، والرامح والنابل، ونشروا ذوائب الذوابل، وحشروا أبطال ورفعوا صليب الصلبوت، فاجتمع إليه عباد الطاغوت، وضلال الناسوت واللاهوت. ونادوا في نوادي أقاليم الاقانيم، وصلبوا الصليب الأعظم بالتعظيم. وما عصاهم من له عصا، وخرجوا عن العد والإحصاء، وكانوا عدد الحصى. وصاروا في زهاء خمسين ألفا أو يزيدون، ويكيدون ما يكيدون. قد توافوا على
صعيد، ووافوا من قريب وبعيد. وهم هناك مقيمون، لا يرومون حركة ولا يريمون.
والسلطان صلاح الدين في كل صباح يسير إليهم، ويشرف عليهم، ويراميهم وينكى فيهم. ويتعرض لهم ليتعرضوا له، ويردوا عن رقابهم سيوفه وعن شعابهم سيوله. فربضوا وما نبضوا، وقعدوا وما نهضوا. فلو برزوا لبرز إليهم القتل في مضاجعهم، وعاينوا مقام صارعهم في سوقهم إلى مصارعهم. وفرعوا مما فيه وقعوا. وجبنوا عما له تشجعوا.
فرأى السلطان أن يطيب ريه من طبرية، ويشرف على خطتها بالخطية والمشرفية. ويحوز حوزتها ويملك مملكتها. فجر على الادن أردان الردينيات، وأطلع النقع المثار من البحر بحوافر الاعوجيات، واستسهل عليها ولم يستوعلر بيات العربيات. فأمر عساكره، وأمراء جيشه وأكابره، أن يقيموا قبالة الفرنج، ويضيقوا عليهم واسع النهج. فإن خرجوا للمصاف بادروا إلى الانتقام منهم والانتصاف. وأن تحركوا إلى بعض الجوانب؛ وثبوا بهم وثب الأسود بالأرانب، وإن قصدوا طبرية لصونها، وأم يكونوا في عونها، عجلوا الأعلام ليعجل عليهم الإقدام.