وقع لبعض الأكابر فثنى عليه خنصره، ووكل بإتمامه سمعه وبصره. لما تمت على الفرنج تلك المقتلة، وعمت فيهم الهلكة، وضمت أشلاءهم المعركة، وشوهدت على الربى حجب نحورهم المهتكة. وخمدوا وخملوا، وأهلكهم الله بما عملوا. وقع لبعض الأكابر أنه لم يبق للقوم انتعاش من تلك المعاثر. وأنهم قد عدموا القرار، وعزموا الفرار. ولو قدروا على النجاة لخلصوا، ولو فتحنا طريقهم ما تصبروا ولا تربصوا.
وقال للسلطان: ارحلوا عنهم حتى تروا ما يكون منهم. فإنهم يرهبون ويهربون، ويبعدون إلى صور ومن بعدها ومن عكاء ر يقربون. فمال قوم إلى مقاله، وتخيلوا مثل خياله. وأشار بقطع طريق البلد، والصدر عن ورد الرصد، والجد في تعمية الجدد. وأن يفتح لهم ما سد من الطريق، ولا يعوقهم فإنهم تعوى من التعويق.
ولما بلونا رأيه، وتلونا آية، أخلف ظنه، وبدا وهنه. وما زاد الفرنج الاثباتا، ولم نعرف لشملهم على ما توهمه شتاتا. وكنا نتحدث بذلك الرأي الفائل، ونقول ما أعجب قبولنا قول هذا القائل.