وأقمنا على كوكب إلى آخر صفر، ننتظر منها يمن كفر الظفر. ثم رأينا أنه يطول حصرها، ولا يفوت أمرها. وأن الفتح يبطئ وأن كان السهم لا يخطئ. فأمر الأمراء الموكلين بها وبغيرها من الحصون؛ في المقام عليها وابتذال سرها المصون.
ورحل السلطان نحو دمشق طاهر الشيمة، ظاهر العزيمة. سامي اللواء، هامي الأنواء، نامي الأنوار في مطالع المضاء. ودخل إليها يوم الخميس سادس شهر ربيع الأول، بالصدر الأرحب والباع الأطول. وتلقاه أهل البلد بوجوه لإقباله متهللة، وألسنة بالدعاء له مبتهلة، وعيون لأنواره مجتلية، وقلوب بولائه ممتلية، وأسماع لأمره مستمعة، وأيد إلى الله في نصره مرتفعة، وصدور بأيامه منشرحة، وآمال في إنعامه منفسحة، ونفوس على طاعة الله في طاعته كجبولة، وأعمال في رضا الله لمراضيه مبرورة مقبولة. ودخل المدينة، وأدخل إليها السكينة. فوجدت الروح بسلطانها، وعادت الروح إلى جثمانها وقرت به عيون أعيانها، وأقرت له بحسنها وإحسانها.
وابتدأ بالجلوس في دار العدل، وبحضرة القضاة والعلماء من أهل الفضل. واسترفع قصص المتظلمين، واستمع (إلى) غصص المتآلمين. وكشف الظلامات المظلمة، وفصل الحكومات المستحكمة.
[ ١١٧ ]
وقرأ كل قصة، وقرأها بكل حصة. وحقق الحقوق، ورتق الفتوق، وأقام للشرع السوق، وأتم لرجال الرجاء بعدله الوثوق. وحل بإنصافه كل مشكلة، وطب بإسعافه كل معضلة. وأصحت سماء
السماح، وأصحب جماح النجاح. وأعدى المستعدى، وأروى الصدى، وحيا الحي وأردى الردى، ومجد المجدي، ومهد الحق حتى قيل والمهدى. فما انقضى ذلك اليوم؛ وانفض أولئك القوم؛ إلا عن مظلوم أجير بالحق، ومعلوم أجرى من الرزق وعالم أعين، وطالم أهين. وهاد زين، وعاد شين، ومختل سدد، ومنحل عقد. ومعتل شفى، ومعتر كفي. وما حل جيد، وآمل زيد، وركن حق شد وشيد، وخدن باطل ابير وابيد. وراج أدنى فوزه، ولاج اسنى عزه.
وجلس يوما آخر للأكابر، والأماثل، والأكارم والأفاضل. فأضاء النادي، وفاضت الأيادي. وغدق الندى، وصدق الهدى. وكر الكرم، وفر العدم. وحفل الدر، ودر الحفل، وشمل النظام وانتظم الشمل، وصان العلماء بالبذل، وأعان بافضاله أعيان أهل الفضل. وفاز بالحمد وحاز الثناء. وأجاز الشعراء، وأكرم الكرماء، وروج الرجاء، وأولي النعماء، ونعم الأولياء. وتقاضاه عزمه بالحركة؛ لاستفاضة البركة، واستفاضة المملكة إلى المملكة فلم تستقر به دار، ولم يدر به قرار، ولم يثبت في جفنيه غرار. ولم يبت إلا وبين جنبيه لقاء العدا أهل النار نار.
وكان (الصفي بن القابض) قد استجد للسلطان على بعض أبراج القلعة دارا؛ وأذهب في نضارتها ذهبا ونضارا. وهي متطاولة بين البروج، مطلة على المروج. مشرفة على موازاة الشرفين، كاشفة غطاء النظر عن الغوطتين. صحيحة البناء، فسيحة الفناء. بهية البو شهية الزهو، مجددة لأهل الجد ذكرى اللهو. فرشها بماء الورد، وفرشها بالورد. وبسط بسطها وعلق ستورها، وأعلى نورها، وحبر حبورها. وسر سرورها. وسنى أنواع نمارقها وأسمى أنوار مشارقها. وتوصل إلى حضور السلطان بها وجلوسه، وذهبت تباشير بشره بخطوب الزمان وعبوسه. واحضره كل مقرظ بقريض وكل مؤمل بتصريح وتعريض. وكل ناشد ضالة رجائه بنشيد، وكل قاصد جلالة أرجائه بقصيد. وكل
مغرد مغرب، وكل مطر مطرب.
وظن أن السلطان تروقه تلك الحلية والحالة، وتلك الجلوة والجلالة. وتلك البقعة المؤسسة، وتلك الرقعة المقدسة. وذلك المشرف العالي، وذلك المشرف الحالي. وانتظر نظر استحسانه لإحسانه، وتوقع تمكينه لموقع مكانه. فما أعاره لحظا، ولا إزاره حظا. ولا لمحه بطرف استطراف، ولا منحه حرف استعطاف. بل أعرض بنظره عن تلك النضارة، وأغضى عن تلك الغضارة. وغض عن تلك الغضاضة، واشتعل عن تلك
[ ١١٨ ]
الرياض بالرياضة.
فالعاقل من لا يتخذ في دار الوائر معقلا، ولا يجد في منازل التوازل منزلا. ولا يركن إلى فناء الفناء لبيب، ولا يسكن في غار الغرور أريب. وكيف يبني العمران والعمر إلى الهدم، والغنم في الدنيا الدنيئة عين الغرم. وقال السعيد من يبني دار الآخرة، وينجو من أمواج الدنيا الزاخرة. ثم صرف في تلك الأيام (الصفي) عن ديوانه، وأبقاه في شغل الخزانة على مكانه. وسمعته يقول في بعض محافله، وقد أجرى له حديث من يفرح بمنازله كان من ذنوب الصفي عندي أنه بنى لي تلك البنية، فدل على أنه لم يوافق منه الأمنية. وقال ما يعمل بالدار من يتوقع المنية وما خلقنا إلا للعبادة، والسعي للسعادة. وما يخطر لنا في هذه خلود بالخلد، وما لنا وللمقام في البلاء والبلد. وما جئنا لنقيم، وما نروم إلا أن لا نريم، وما تحركنا إلا للسكون، وما أسهلنا إلا للعود إلى الحزون. فما بجني ثمر الراحة إلا من مغرس التعب، وما يجبى نصيب المغنم إلا من مغرم النصب. فأين الأين، الذي تقر به العين، وما يحصل السكون في المسكن ولا يكمل الوطر في الوطن. لا سيما والدين يطالبنا بدينه، والكفر يستغرب منا حين حينه. والبلاد سائبة، وللبلاء هائبة. فلا تفوح الفتوح إلا بهبة بنا، ولا ينزل النصر إلا بركوبنا، وغدا للحزم متمما، وللعزم مصمما.
ووصل الخبر بوصول عسكر الشرق بالغرب الماضي، والحد القاضي. والجمع الوافر الوافد، والجمر اللافح الواقد. وأن (عماد الدين زنكي ابن مودود بن زنكي) قد أقبل بقبيله، ووصل برعيله. وقدم بجده، وأقدم بحده. وأنه حل بحلب ثم سار عنها مسارعا، وجاء معه الجيش للنجدة والجدة جامعا. فارهف العزم السلطاني خبر وصوله، وحل بالشد للرحيل عقد حلوله.
وكان القاضي الأجل الفاضل ذو الجلالة والفضل؛ والنباهة والنبل، متأخرا في بيته لشكلة أقام في غيرها، واستقام مزاجه الكريم منها وهو في ترقب زوال أثرها. والسلطان بنجح سعيه متبرك، وبنصح رأيه متمسك، وبطوله عالم، وبقبوله عامل، وبعبارته قائل، ولا شارته قايل.
فأراد السلطان أن يقدم بلقائه الاجتماع، وبرأيه الانتفاع. ويستنير بنوره، ويستشيره في أموره. ويفاوضه في تفويضاته، ويقلده في تقليداته، ويتبرك بميامينه ويتيمن ببركاته. فإنه طالما اجتلى سني السعادة من مطالعه، واجتنى جنى الإرادة من صنائعه. وافتتح الأقاليم بمفاتح أقلامه، وأحكم المملكة بثبوت أحكامه. ووافاه لإمداد السؤدد الوافي سواد مداده، وجاءه بالوجاهة في دينه ودنياه لإسعافه وإسعاده.
وكان قد خرج إلى جوسق بالشرف الغربي الأعلى، ليتفرغ هناك للعبادة ويتخلى. فأصبح السلطان بكرة يوم الثلاثاء حادي عشر ربيع الأول على الرحيل،
[ ١١٩ ]
وقصده لإبرام ما وجده في مملكته من الأمر السحيل. وأقام عنده في الجوسق إلى الظهر، مستظهرا به على الدهر حتى كشف مهماته، ورشف شفاه مشافهاته. وانتجى معه في الآراء والآراب. وانتجع لريه من رأيه صوب الصواب، وارتجع وديعة سر الغيب ممن عنده علم من الكتاب. ثم استودعه الله وودعه، ودعا له الأجل الفاضل وشيعه.
وبات تلك الليلة مخيما بالعرادة. محتما بالسعادة، راجح السيادة، ناجح الإرادة. ثم سلك في جبل يبوس إلى عين الجر إلى الدلهمية على البقاع. وهو مطيع أمر الخالق ومتبعه والخلق تابع أمره المطاع. واتى بعلبك المحروسة، وخيم بمرج عدوسة. وأقام حتى أمر أمرها، وأدر درها وقسم لها من عدله، وعدل بها من قسمه، وحكم فيها بفضله، وافضل عليها بحكمه. وكشف الظلم والمظالم، وصرف المكاره وصرف المكارم، ورفع من المعالي المعالم، وأجرى رسوم الأجر والمراسم.
وأمر الرعاة برعاية أمر الرعية، وحكم على القضاة بالحكم في كل قضية بالجهة الشرعية المرعية. ثم رحل على سمت اللبوة، معصوم النوبة من النبوة. مصون الكتيبة من الكبة والكبوة. ثم اوجه إلى الزراعة وزرع الظفر قد توجه، وشرع النصر الصافي الشرعة من الكدر قد تنزه، وقد كحل عثير العسكر طرف الجو الأمره. وقد آن لعين الشمس الراقدة من الهبوة أن تعاود الهبة وتتنبه، وزرع بالزراعة من السمر المركوزة والبيض المهزوزة نبات الحظ وقتاد الخرط، وضاق ذلك الفضاء الواسع بحط رحال الرهط.