ورحل السلطان عن القدس يوم الجمعة الخامس والعشرين من شعبان، وقد عنا لأمره كل قاص ودان. وودعه ولده عزيز مصر في أول منزلة، وسايره لكراهية فراقه مقدار مرحلة. ثم وصاه وشيعه، واستصحب أخاه الملك العادل معه. مستظهرا بإخائه، مستبشرا بآلائه، مستبصرا بآرائه، مستنصرا بمضائه، مستغنيا
بغنائه، موفيا بوفائه. وهو بعقده يعقد وبحله يحل، وبشده يشد وبحلوله يحل. والعساكر بالفضاء فائضة، وللخطوب الربضة رائضة، وإلى استنهاض النضر لأنصارها ناهضة، ومن هواها أنها في دأماء الدماء من أهل الكفر خائضة. فوصل إلى عكاء في أول شهر رمضان فخيم بظاهرها ظاهرا بخيمه. باهرا بتأخيره وتقديمه. قاهرا بشباه المبير، زاهرا بسناه المنير. جاهزا بسره، ظاهرا في بحره.
وأقام أياما يتفكر ويتدبر. ويستشير ويستخبر. والمشطوب يستعجله ولا يمهله. ويحرص بالعبث، ويحذر من المكث، ويقول الفرصة تدرك بالحث، وتفوت باللبث. . فسار لندائه ملبيا، ولجيش النصر معبيا ولرأيه مقلدا، وبالله - ﷿ - متأيدا. فوصل إلى صور تاسع شهر رمضان يوم الجمعة بالجحافل المحتفلة، والجموع المجتمعة. فنزل بعيدا من سورها، سعيدا في ترتيب أمورها. مضرولة قبابه، مجنوبة عرابه. نحجوبة بالبنود والجنود أرضه وسماؤه، منشورة غاياته. منصورة آراؤه. خافقة على الأعداء عذبات عذابه، دافقة في ثرى النجح في الأنحاء ثرات صوب صوابه. قد كست خيامه عرى العراء، وفضت أشعة بيضه وسمره الفضة بالفضاء، واحتوت مضاربه
[ ٨٥ ]
المضيئة بآلائه وآرائه على مضارب المضاء، وباحت استباحة حمى المشركين للموحدين بسر السراء.
فمكث أياما حتى تواصل المدد، وتكامل العدد. واستحضر آلات الحصار، واستكثر من المجانيق الصغار والكبار. ثم تقدم إليها وخيم عليها الثاني والعشرين من الشهر يوم الخميس، (وفي خميس يسير في الوشيج كالأسد في الخيس).
ونزلت النوازل المركسة من نزوله ونزاله بالمركيس، فوقع في الدردبيس، والعذاب البئيس. فكأنما نفخ في صور (صور). فحشر أهل جهنم وملئوا السور. واتصلت زيارة الزيارات للجروح بالجروح وتوافت مناجاة المجانيق بالخدوش
والشدوخ، وأرسلت الحجارات حاجرة حاجزة، وألسنة أهل الرجس والرجز بالفحشاء راجزة.
وكانت صور على السوء مستوية، وعلى كل من خرج من القدس وبلاد الساحل محتوية. فضجوا وارتجوا، وعاجوا وعجوا، ولجئوا ولجوا. ونصبوا على كل نيق منجنيقا، وشدوا من كل جانب ركنا وثيقا. وشدوا في الجبال ومدوا في الحبال. ورموا من الشرافات بالشرور والآفات، وسلب الحجار حجاها وأمت الأمة وجاءها وجاها. فكم من رؤوس أطارت! ونفوس ابارت! وبرخسفت، وبدركسفت، وبحر نزفت، وطود نسفت.
فحول السلطان إلى قربها له خيمة صغيرة، وأنهض بنات الحنايا بالمنايا عليها مغيرة. وصف الجفاتي، فصدف أتيها الآتي. وعارض بحرها بعرض بحره، ورد كيد الكفر من المنجنيق بما نصبه من المنجنيق في نحره. فأحبط أعمالهم بأعماله، وأهبط رجالهم برجاله. وقابل الأبراج بالأبراج، وحاول بالردى علاج الاعلاج. ووالاها حجارات وصخورا، حتى جعلت سور صور سورا. وجد في أمرها، وأجاد في حصرها.
ووصل إليه في تلك الأيام من قوى به ظهر الإسلام؛ ولده (الملك الظاهر غياث الدين غازي)، وهو الذي جل في سماحته وحماسته عن الموازن والموازي. فقدم مبارك القدم، متدارك النعم، عالي الهمم، غالي القيم. ومعه عسكر مجر لحب، جلبه من حلب، قد استصحب البيض والسمر والبيض واليلب. فظهر من الملك الظاهر ما ملك به قبول القلوب، وأغرى سيفه بسفك دم الكفر المطلول المطلوب. ورأى نصب خيمته وراء خيمة أبيه المنصوبة، وجد في استرجاع مدينة الإسلام المغضوبة. وقدم بين يديه كل حجار راجح، وكل نقاب ناجح، لصم الصفاح مصافح. وكل جاندار جان در الردى للكفار، وكل زراق رزق الجسارة على أهل
النار بالنار. وكل من جنانه تقتبس ذباله البسالة، وكل جرخى رخى البال بالهدى إصماء أهل الضلالة.
وكل رام رام النجم في الأفق فراماه، وكل همام هم بالخطب النازل فتحاماه. وكل مقدام قرنه دام، وكل ضرغام صريعه في غرام. وكل قمقام ضارب بصمصام، وكل حام شارب بكأس حمام. وكل ذمر مشيح، لذمار الكفر
[ ٨٦ ]
مبيح، ولروح الجد مريح، ولذماء المزاج مزيج. وكل فاتك لحبل الوريد باتك، ولستر الحياة هاتك، ولعدم العداة سافك.
وكل شجاع إلى الموت داع، وإلى المجد ساع، وللإسلام راع، وللإشراك ناع. وكل فارس للفوارس فارس، وللذوابل في النحور غارس، وفي اليوم العابس غير عابس. وكل راجل لقهر العدو راج، وبسر البأس مناج، ومن شر الناس بشجاعته ناخ، وبباغت المنون لمن يلاقيه شاج. وكل عتال عات، ونجار ونشار ونحات، وحداد وقين، وكل زائر للعدا بحين.
فاجتمعوا وزحفوا، وجفوا على القوم ورجفوا. وأصموا وصمموا، وأوقدوا نارا وأضرموا. وأطاروا من أعشاش الأقواس إلى أوكار الأحداق افراخا، واستصرخوا الأقدار لأقدارهم فحبتهم حين أحبتهم إصراخا. وغلظوا على الرقاب الغلاظ بالرقاق، وأولوا الشقاء لأولى الشقاق. وتساعدوا وتناصروا، وتطاولوا وما تقاصروا. وما فيهم إلا من أبان عن جد، وأبان بحد. وألان الشديد، وأعان السديد، وأفلح ففلح الحديد بالحديد، وجد الجديد، ومد المديد.
وصور مرتجة أبوابها، مرتجة أربابها، مغتصة جوانبها، مرتصة عصائبها، مشحونة أبراجها، مسجونة أعلاجها، محصورة كلابها، محسورة ذئابها، محشورة ثعالبها، محشودة كتائبها. والمركيس بها متجهم، وإبليس عليه متحكم. وقد سقط في يده، وسخط لبلده، وارتبط بجلده، واختلط بكمده. وغلت مراجل غلوائه، وعدت
غوائل عدوائه. وطاش وجاش، واوخش الأوباش والاوخاش. وتوشح بالشر وتوحش، وترشح للردى وتحرش. واشتعل بجمره، وبعل بأمره، وضرى بضره، وجال بوجله في مكر مكره، وكر في وكره. وعشا عشه، وغشى غشه. وثبت على لجاجه، ونبت في إجابه. وتسعر وتعسر، وتربص وتصبر.
والسلطان مصيب حكمه، صائب سهمه، ماض عزمه، قاض حزمه، بار حده، جار جده، وار زنده، سار وفده. باتك غربه، فاتك ضربه. قاطع شبا باسه، ساطع سني إيناسه. قد اتسقت أسبابه، واتسعت رحابه، واجتمع أصحابه. فازدحم على بابه، وحول قبابه؛ كل مبارز بار، وكل ضارب ضار، وكل حجار جار. وكل رامح ورام، وكل حامل سلاح وحام. وكل سائف حائف، وكل عاصف قاصف.
وكل آكل للحرب شارب، وكل طالع بالضرب غارب. وكل هاجم هائج، وكل راجم رائج. وكل معتقل متقلد، وكل مجرب مجرد. وكل ذكر مذكور، وكل غضنفر مشكور. وكل ليث ملاث وكل غيث غياث، وكل سفاك لدم الكفر سفاح، وكل جراد لسيف الفتك جراح. وكل مكتتم في درعه، مكتمن في نقعه. ملثم بزغفه، مثلم بحرفه. مقنع بلأمه، ملفع بقتامه. سابح في بحر الموت بسابحه، سامع في الصباح صوت صائحه.
فجمع إليه امراءه، واستحضر عظماء ملكه وخبراءه.
[ ٨٧ ]
وقالوا هذا بلد حصين، ومكانه من الأرض مكين. في البحر ثلاثة أرباعه، وفي السماء ارتفاع يفاعه. وطريقه الذي يسلك من البر إليه، قد أحاط به البحر من جانبيه. وقد قطعوه بخندق في عرضه، وعمقوه ونزلوا في أرضه. وكان من إحكام الحزم؛ وإتمام العزم؛ تكميل الآلات وتتميمها، وتحصيل المنجنيقات وتقديمها. وتركيب الأبراج والدبابات وتأليفها، وتقريب الجفاتي والجنويات وتصفيفها، وتسوية مناصب المجانيق وتسقيفها، وتنجية أثقال العسكر وتخفيفها، وتنخية نخب الرجال وتصريفها.
وتسنية الاسباب، وتهيئة الأخشاب. واستحضار كل ما يراد للحصار. واستنفار كل ما يرام من الأنصار.
فإذا حضرت هذه الأشياء والأشياع، وتيسرت وتوفرت الأصول والاتباع، رحب الذرع في الحصر والمضايقة وطال الباع، وإذا حالت الأحوال وضاعت الأوضاع؛ اختل واعتل النزال والنزاع.
وأمر السلطان بإزاحة العلل، وإزالة الخلل، وشغل الصناع بالعمل، ونقل الأمل إلى طريق الذل. وتقدم بقطع أشجار الغياض، وحمل ما بتلك النواحي من الأنقاض. فاجتمع هناك كل ألة، وذباب وذبالة، وقضيب ومقبض، ومجرب ومحرب. وسهم وشهم، وشهب ودهم. وأحمال وأثقال. ونظمت الستائر من القضيب، وصفت من سور صور بالمكان القريب. وكمت من ورائها الكماة، واستترت بالجفاتي قدامها الرماة. واشتغل كل صانع بصنعه، وكل جامع بجمعه، وكل دافع مانع بمنعه ودفعه. فمن جان بمنجنيق، ودان إلى نيق. وداب بدبابة، وذاب بذبابة. ونازع في حنيه، وناز بمنية. وقاذف بشرارة، وحاذف بحجارة، وهاتك من ستارة، وفاتك بجسارة. وجاذب في حبال، وجالب لوبال. ومرو في قلع ومسو لمقلاع، ومدبر بايجاف ومدمر بايجاع.
ولم تزل المنجنيقات ترمى، والحجارات تدمر وتدمى، والدبابات تطير من أوكارها عقبان الجروخ، وأطباق البروج تبنى وتغطى بالسلوخ حتى امتد الزمان، واشتد الحران. وضاق الحصر، وأعتاق النصر. وكان العسكر قد ألف تيسر الفتح، وتسرع النجح. فصعب عليه حين صعب، وتبع هواه لما تعب. ولم يألف الناس إلا إرواء ظمائهم بنهلة، والحصول على إكساب سهلة، وفتح ما يقصدونه من البلاد بغير مهلة.
فلما توقف هذا الفتح توقفوا، وملوا وضجروا وتأفقوا. والسلطان مع ذلك يزداد في
حده حدة، وفي شده شدة، وفي جده جدة، يثبتهم بحثه ويحثهم على الثبات، ويقويهم بجوده ويوجدهم القوات، ويقول إن الله أمر بالمصابرة، ولا مصابرة الا بالمثابرة. فاصبروا تفلحوا، وصابروا تفتحوا.
[ ٨٨ ]