وعول السلطان على (القاضي بهاء الدين بن شداد، يوسف بن رافع ابن تميم) ليكون كتابه إلى الديوان العزيز مع رسول كريم. وقال له: ما احتاج أوصى، وأنت تستوفي القول وتستقصى. وجعل له إلى كل ذي طرف في طريقه رسالة، وأودعه إليه مقالة.
فسار من عندنا في شهر رمضان مغذا، يبذ خيل العزم بذا، وبجذ حبل السير جذا. ووصل إلى حلب والقاضي ضياء الدين القاسم بن يحيى ابن عبد الله
[ ١٧٩ ]
الشهرزوري رسول السلطان ببغداد قد عاد، وذكر أنه قد بلغ المراد، وأنه استجدى واستجاد، واستفاد واستزاد، وأنه استكمل للعدة الاستنجاز، وللعدة الاستنجاد.
فما هذا الرسول ارائح. وربما أعرضت لتلك الحزائج الجوائح. وإذا اختلف الحديث حدث الاختلاف ومتى ألفى غير ما ألقى ألغى الائتلاف. فما هذا لعجل، ومم الوجل. فصدقه الملك الظاهر غازي صاحب حلب، عن كل ما أبان عنه
وأعرض.
وكتب إلى والده، بذكر مقاصده، وقال: أنا لا أقدر على صد من للخدمة تصدى، ولا رد من بثوب الرسالة تردى، وأنت تمضي إلى السلطان، بما أوضحته من البرهان. وهو يحكم ويحكم، ويعقد ويبرم. ويقول فتسمع، ويأمر فتتبع. ولعلك تعود سريعا، وتجد شمل ما الفته جميعا.
فوصل ضياء الدين الشهرزوري وهو مغتاط، وسجاياه السجاح غلاظ. وتغير على، ونسب إنفاذ القاضي بهاء الدين إلى، فإنه كان مخاللي ومخالطي ومباسطي. فأزلت عنه كل طن، واعتذرت إليه بكل فن؛ فما بسط عذر؛ ولا قبض ذعر. فإني على أسبابي ببغداد خائف، ودون رضى كل سائر إليها واقف. واسترضيته فما رضي، ومضيت إليه مرارا قبل أن يمضي.
ثم اجتمع بالسلطان وندمه على ما قدمه، وأعلمه بما علمه. وقال له: الشغل قد فرغ، والمقصود قد بلغ، والسؤال قد أجيب، والسؤل قد أصيب. والمخطوب بزمامه نحوك مخطوم، وكل ملك سواك لأجلك من رضاع رضاهم مفطوم. فكن للإمام يكن لك، وأقبل أمره ليقبلك.
واجتمع بالسلطان دوني، واتفق بجماعة شاركوه وأفردوني. وقرروا معه سرا أمرا، وحذروه أن يصير جهرا. ولو كنت معهم لعرفتهم أن الأمر الذي أبرموه غير مبرم، وأن الرأي الذي احكموه غير محكم. وما زالت أوكد الأمر حتى يؤمن انتفاضه، وأتعرض دون الرأي حتى لا يمكن اعتراضه. وأتيقن أن الأمر ما فيه خلاف، وأن الوعد ما له إخلاف. فما فعل الرسول يتلبث، ولا أمهل بتمكث، بل جعل على المجاز لا الحقيقة مجازه، وزعم فيما دبره نجاحه ونجازه. وسلك فيما تقرر نهج العجب، وأسرع العودة على النجب.
فلما انفصل عن السلطان، بما وصله من الإحسان، جمع السلطان الأمراء على
المشورة، ووقفهم على المعنى والصورة. وقال لهم: قد وعدت الخليفة على لسان الشهرزوري بشهرزور، واستدعيت عسكره المنصور، وربما قدم الينا الحضور، فيكمل لنا النصر والحبور. فقالوا: هذا رأى رائب، وشأو شائب، وأمر عنه الصواب ناء، وكيف تعد الإمام بما لا يقرن بوفاء. وكيف ينجز هذا الرعد وينجح هذا القصد! ودونه أيحاش من هو في طاعتك! فكنت تبذل ما يدخل في استطاعتك. أما صاحب
[ ١٨٠ ]
الموصل طلبها فمنع، وصاحب اربل عنها دفع، ومملوكك بها لمن يجاوره خائف، وكل إيوائي لحدها وحقها حائف. وما من هؤلاء إلا من بذل عنها أموالا وأحوالا، والتزم من الجنود والنقود انجادا خفاقا وحمولا ثقالا. فإذا عرف أنك أخرجتها لمن له الأمر؛ دخل عليهم الضر. وملك مالك الأمر أمرهم، وأبدوا في انقطاعهم عنك عذرهم. وانقطع الواصل، وارتفع الحاصل. وما جاءنا من المذكورين فارس واحد، ولا ساعد على ما نحن فيه بعدها مساعد. فأما هذا بكتمر في خلاط قد جمع الأخلاط؛ وجهر بالعداوة؛ وأقام على الغيابة والغباوة.
فقال السلطان: الخليفة ملك الخليقة، وهو مالك الحق والحقيقة. فإن وصل إلينا أعطيناه هذه البلاد، فكيف شهرزور! وسيحدث الله بعد الأمور الأمور.
ولما وصل ضياء الدين الشهرزوري إلى بغداد؛ وصادف بها القاضي بهاء الدين بن شداد. فلم يسفر أمر سفارته عن سداد. وقيل له: جواب ما أتيت فيه مع ضياء الدين نسيره، ونندبه فيما نتخيره. وشرف بهاء الدين وأعيد، وزين ضياء الدين وزيد. وذكر ما جرى فتم الاعتداد، ونم الاحماد. وسيأتي ذكر ما آلت إليه نوبته، حين كانت أوبته.