ووردت البشرى بنجح الدرك، في تسلم حصن الكرك. وذلك أن مدة غيبتنا في بلاد إنطاكية، لم تعدم من محاصرتها المضايقة الناكية. وكان الملك العادل أخو السلطان مقيما بتبنين في العساكر، محترزا على البلاد من غائلة العدو الكافر. مقويا للأمراء المرتبين على الحصون، حافظا على الدهماء بحركته في الأمور عادة السكون. وكان صهره سعد الدين كمشبه الأسدى بالكرك موكلا، وبأهله منكلا، وقد غلق رهنه وبقي داؤه معضلا، وأمره مشكلا؛ حتى فنيت ازوادهم، ونفدت موادهم. ويئسوا من نجدة تأتيهم، وأمحلت عليهم مصايفهم ومشاتيهم. فتوسلوا بالملك العادل، وأبدوا له ضراعةالسائل، وتذرعوا بوسائل الرسائل. فما زالت الرسالات تتردد؛ والاقتراحات تتجدد؛ والقوم يلينون والعادل يتشدد؛ حتى دخلوا في الحكم، وخرجوا على السلم. وسلموا الحصن، وتحصنوا بالسلامة، وخلصوا بإقامة عذرهم عند قومهم من الملامة.
[ ١٤٣ ]
وكتبت عن السلطان في بعض البشائر، ما ألهي بحلاوته عن رأي الشائر. وهو أنا لما عدنا إلى دمشق رأينا أن لا نستريح، ولا نثني عن كسر العدو عزمنا الصحيح.
فقلنا نغتنم هذه الشتوة ونستكمل الحظوة، ونواصل بالغزوة الغزوة. ونستخلص هذه القلاع التي شغلت منا في هذا الجانب قلوبا وعساكر. وأبقيت لأهل البلاد في طريقها ندوبا ومعاثر. وبيمن صدق هذه العزيمة؛ والاستمرار في الجهاد على الشيمة؛ وردت البشرى بأن حصن الكرك عاد إليه بعد الجماح الأصحاب، وخرج منه الفرنج ودخله الأصحاب. وهو الحصن الذي كان طاغيته يحدث نفسه بقصد الحجاز، وقد نصب أشراك إشراكه منه طرق الاجتياز.
فأذقناه عام أول كاس الحمام، وملكنا حصته الذي يعتصم به في هذا العام، واضطر الكفر في إسلامه إلى الإسلام، وتم بحل هذا البيت أمن البيت الحرام.
وقد كان هذا الحصن ذنب الدهر في ذلك الفج، وعذر أهله في ترك الحج. وابتسم الإسلام حيث زيد ثغرا، وساق إلى عقائله الرجال مهرا. فالحمد لله على ما قدر من الحسنى، ويسر من النعمى. حمدا يكون لما قدر ازاء، ولما يسر جزاء. والحمد لله الذي أنجز صادق عداته، في كاذب عداته.