ورحل ثالث عشري الشهر يوم الأربعاء، منشور اللواء، منصور الأولياء، ومشكور المضاء، عالي القدر قادر العلاء. ناجح الآراب راجح الآراء. وسار برعب إلى العدو يقدمه، وعزم على الغزو يصممه، وأمر بأمراء الأحكام يحكمه. وجد على تدبير الدين يقفه، وحد في تدمير الماردين يرهفه. وسعادة تؤيده، وتأييد من الله يسعده. وسطوة على الكفار يرسلها، وجذوة في أهل النار يشعلها. وجيش للوثبات ينشطه، وجأش للثبات يربطه. وهيبة تروع الخواطر، وهيئة تروق النواظر.
وبتنا تلك الليلة بالقرب من اللاذقية معرسين، وبات الكفرة مبلسين. قد لاذوا من حصن اللاذقية بجبل عاصم، وعروة كل قلب لهم من الرعب في يد فاصم. والخوف عليهم مستول، والذعر فيهم مستعل. والأفئدة منهم خافقة، والأندية بهم متضايقة، والمهج في سوق الردى نافقة. ونحن طول الليل من السوابغ في جر الذيل، ومن السوابق في إجراء الخيل. ومن نشاط العزم في اهتزاز، ومن احتياط
الحزم في احتزاز. ومن انتخاب الاجواد والجياد في انتخاء، ومن انتقاد العتاق والرقاق في انتقاء، ومن انتهاض الرياح بالهواضب في انتهاء، ومن اقتضاب الأرواح بالقواضب في اقتضاء، والمقربات تسرج والسريجيات تقرب، والمقانب تكتب والكتائب تقنب. والصوارم تنتضي، والصرائم تقتضي. والقوارح تضمر، والقرائح تخمر. والضوامر تجري،
[ ١٢٨ ]
والبواتر تعرى. والصلاد تلجم، والدلاص تستلأم. والحنايا توتر، والمنايا تؤثر. والجاليشية تعبى، والجاووشية تلبي حتى أصبحنا يوم الخميس والخميس مصبح، والمتجر مربح، والمفخر متوضح، وللجاش فرح، وللجيش مرح وقرح، والعدو مقترح، وزند الفتح مقتدح، وباب السماء لنزول ملائكة النصر مفتتح. وأحدقنا بالقلاع وقلعنا الأحداق، وخطنا بابر السهام من موقها الآماق، وأخرجنا منهم بالإرهاق الارماق، وأنهضنا إليها الحجار والنقاب والزراق. وأطرنا النشاب إلى أوكار المقل، وأزرناهم رسل النصال بكتاب الأجل، وسمعنا من ضوضائهم زجل الوجل، ورأيناهم تغلي صدورهم بنار الحقود مراجل الغلل، وأشرفوا من الشراريف قلقين متقلقلين ما بين تلك القلل. وجدوا في القتال، وشدوا على الرجال، ومدوا ظلال الضلال، واحتدوا بالنصال في النضال، وردوا النبال بالنبال، وسدوا مذاهب الأهواء بالأهوال.
وهناك في الزنبورك بورك، فإنه بالجرخ دورك، وقلنا للكفر أخرج لندخل إلى دورك، وأي دار فيها التوحيد بأهل الشرك شورك، وطالما سكنت دارنا فاخرج، ودرجت إليها فادرج.
وما زلنا نقاتلهم بسوادنا بياض النهار، ونغطي سنى يومنا بليل الغبار، ونرفع من السور حجابه بالحجار، حتى فزنا بتمكن النقاب والحجار، وأخذت عليهم النقوب، ووقذت منهم القلوب. وبلغ النقب من الشمال في الطول ستين ذراعا، وأربع أذرع في العرض اتساعا. وهي ثلاث قلاع متلاصقات، على طول التل متناسقات.
كأنهن على رأس راس راسخ، وذروة أشم شامخ. فسهل الله لنا فرعها، وشرعنا نستأصل أصلها وفرعها. وناوبنا عليه القتال، وجاوبنا بالنصال، واوضعت بنات الكنائن بظغائن الضغائن، وأثارت من مكامن الأحقاد كوامن الدفائن.
ودام الرماء، ومريت الدماء. وانتجع النجيع، ووقع ذلك الرفيع، فاستبطئ السريع، وتخطى الصريع. وابصروا ما لا عهد لهم بمثله، وعاينوا ما عانوه من غريم الموت المطل في مطله. وفتح الحتف بابه، وحفز الزحف أصحابه، وكشر الشرك نابه، وصادف الكفر لدمه المطلول مصبه ومصابه. ونفر الناس إليهم، واستطالوا عليهم. وطمعوا فيهم، والأجل يظهرهم والوجل يخفيهم. وهم من وراء أسوارهم، بواء في بوارهم. ووبل النبل هام، وأهل الجهد في ضراب وضرام، وجمر الجمع في التهاب والتهام. ووقع منهم الزمع، ومنا فيهم الطمع، ومنا فيهم الطمع. حتى ازدحم على التل الصغار والكبار، واستشعروا منا وزال منا الاستشعار.
وكان لي مملوك صغير قد زحف، وأرهق وارهف، فقبل خده سهم، فرجع وإذا وجهه طلق لا جهم، وهو بقرحه فرح، وللفرح بالشهادة مقترح، وقد عدله الجرح، وحسنه القبح.
فلما عرفوا أنهم مدركون؛ وأنهم يؤخذون ولا يتركون؛ صاحوا الأمان؛ واسماحوا الأيمان. وذلك في يوم الجمعة الخامس والعشرين من جمادى الأولى عشية،
[ ١٢٩ ]
وكان فتح ذلك المعقل من الله مشية. فإنه موضع ما فيه مكمع، ولم يكن للكفر غيره مفزع. وصعد إليهم قاضي جبلة يوم السبت غدوة، وكان ذلك الفتح صلحا أشبه عنوة. وطلع السنجق المنصور، وانجلت الظلمة وتجلى النور، وأشرق الفلق وزهق الديجور، وبدأ الفجر وباد الفجور، وسرت القلوب وأقبل السرور.
وسلموا القلاع بما فيها من عدة وذخيرة، وأسلحة وخيل ودواب كثيرة. وأمنوا على أنفسهم وأموالهم، وانصرفوا بنسائهم ورجالهم، وذريتهم وأطفالهم، وخفوا من
أثقالهم. ودخل جماعة منهم في عقد الذمة، تمسكوا بحبل العصمة. وانتقل الباقون إلى إنطاكية، وأيقنوا أنهم وجدوا بعد رسوم السلامة العافية العافية.
ورتب السلطان جماعة من خواص مماليكه، وأخرج من القلاع أهل الكفر واسكنها التوحيد مصونا من الإشراك وتشريكه، ثم ولى بها سنقر الخلاطي مملوكه، وقد عرف حسن سيرته وأحمد سلوكه. فتولى الرعية كافة بالرعاية والكفاية، وانتهى إلى الغاية في نهى اولى الغواية، وأقام جاليا للغاية، عالي الرأي والراية.
وركب السلطان إلى البلد وطافه، وهز إلى إحسانه اعطافه، وأدنى إلى عدله قطافه، ووفر ألطافه، وأصفى نطافه، وأمنه بعد ما أخافه.
ورأيتها بلدة واسعة الأفنية، جامعة الأبنية. متناسبة المعاني، متناسقة المغاني، قريبة المجاني، رحيبة المواني. في كل داربستان، وفي كل قطر بنيان، وقد أبى الله أن يكون للكفرة منها جنان. أمكنتها مخرمة، وأروقتها مرخمة، وعقودها محكمة، ومعالمها معلمة، ودعائمها منظمة، ومساكنها مهندسة مهندمة، وأماكنها ممكنة، ومحاسنها مبينة، ومراتبها معينة. وسقوفها عالية، وقطوفها دانية. وأسواقها فضية، وآفاقها مضية، ومطالعها مشرقة، ومرابعها مونقة. وأرجاؤها فسيحة، وتهواؤها صحيحة.
لكن العسكر شعث عمارتها، وأذهب نضارتها، وأزعج ساكنيها، وأخرج قاطنيها. وملك دور المشركين للموحدين، وطهرها من رجس الكفر واظهر الدين. ووقع من عدة من الأمراء الزحام على الرخام، ونقلوا منه أحمالا إلى منازلهم بالشام. فشوهوا وجوه الأماكن، ومحوا سني المحاسن.
وبظاهر اللاذقية كنيسة عظيمة، نفيسة قديمة، بأجزاء الاجزاع مرصعة، وبألوان الرخام مجزعة، وأجناس تصاويرها متنوعة، وأصول تماثيلها متفرعة. وهي متوازية الزوايا، متوازنة البنايا. قد تخيرت بها أشبح الأشباه، وصورت فيها
أمواج الأمواه، وزينت لإخوان الشيطان، وعينت لعبدة الصلبان.
ولما دخلها الناس اخرجوا رخامها، وشوهوا أعلامها، وحسروا لثامها، وكسروا أجرامها، وأهدوا الأسى لهد أساسها، وأفاضوا عليها لباس ابلاسها، وحكموا بعد
[ ١٣٠ ]
الغنى بإفلاسها. وافتقرت واقترت، وخربت وتربت.
ثم لما طابت النفوس؛ وتجلى عن البلد بفتحه البوس؛ عاد إلى هذه الكنيسة بالأمان القسوس؛ وهي متشوهة متشعثة، مستمسكة بأركانها وقواعدها متشبثة. ولقد كثر أشفى على تلك العمارات كيف زالت، وعلى تلك الحالات الحاليات كيف حالت، ولكنما زاد سروري بأنها عادت للإسلام مرابع، ولسروحه مراتع، ولجموعه مجامع، ولشموسه مكالع. فلو بقيت بحليتها وحالتها بعد ما تبدلت رشدها من ضلالتها، لشاقت وراقت، وكما أفاقت فاقت. وشأت البلاد إذا شاءت، لكنها ساءت لما أساءت. ثم أعادها الإسلام إلى أحسن حالة، وجلا لها في السناء اسنى جلالة.
ورغب في إعطاء الجزية سكان البلد من النصارى والأرمن، حبا للوطن وسكونا إلى السكن. فآض مأمول الجنى مأهول الجناب، وعاد بتجار البحار مملوء الرحاب. وتبدل بالابدال الأخيار، والأرباب الأبرار، من بعد الكفار الفجار، والأشرار أهل النار.
وكانت شواني صقلية قد قابلت في البحر اللاذقية طمعا في امتناعها، وطلبا لذيادها عنها ودفاعها. فلما خابت نارها، وباخ اوراها، وقصدت لجلها اخذ مركب من يخرج من أهلها، لكونهم شغلوا عن صونها ببذلها. فامتنعوا عن الانتقال، وأمنوا بعقد الذمة على النفس والمال.
وكان السلطان يوم الرحيل من اللاذقية راكبا عند ميناها، وقد حصل من ترتيب العمارة مناها. فطلب مقدم تلك الشواني أمانه، ليصعد ويشاهد سلطانه، فأمنه حتى صعد، ولو اسلم ذلك الشقي لقلت سعد. ولما حضر الكافر عفر وكفر، وتروى
ساعة وتفكر. وأحضرها الترجمان، وأدى عنه البيان وقال أنت سلطان عظيم، وملك كريم، وملك رحيم. وقد شاع عدلك، وذاع فضلك، وقهر سلطانك، وظهر إحسانك. فلو مننت على هذه الطائفة الخائفة فأمنت؛ أفضلت عليها وأحسنت؛ لملكت قيادها إذا أعدت بلادها. وساروا لك عبيدا، وأطاعوك قريبا وبعيدا. وأن أبيت غير الغيرة والإباء، ودمت على إرهاق الدهماء وإهراق الدماء؛ جاء من وراء السبعة البحار من يسد فضاء السبع الطباق، وأفاق للتناصر على دفع هذا الخطب نصارى الآفاق. وثار الروم لروم الثار، وخرج الفرنج أنفارا للاستنفار وسار ملوك ذوي الاقانيم، من سائر الممالك والأقاليم. وأتى الآتي، ولا يقاوم القدر الماتي. وهؤلاء أهون منهم، فاتركهم واصفح عنهم.
فقال السلطان قد أمرنا الله بتمهيد الأرض، ونحن قائمون في طاعته بالفرض. وعلينا الاجتهاد في الجهاد، وامتثال أمره فيه بالانقياد، وهو الذي يقدرنا على فتح البلاد، ولا تكترث الآساء بكثرة النقاد، ولو اجتمع أهل الأرض، ذات الطول والعرض، لتوكلنا على الله في اللقاء، ولم نبال بأعداد الأعداء. فلما سمع ما فهمه من نجهه، ذهب بعد أن صلب على وجهه، وركب بكربه، وكر بركبه، ولم يغن خطابه عن خطبه.
[ ١٣١ ]