وأشرفنا على جبلة يوم الجمعة ثامن عشر الشهر، وقد اشتهر موسم النصر، وأشتد على الكفر رهق القهر. وكان قاضي جبلة قد تقدم في السابقة وسبق في المقدمة، وأقدم على قصدها بالعزيمة المصممة.
فلما بصر مسلمو البلد؛ بما وضح في الجد من الجدد؛ وسنح من الظفر المتضافر المدد؛ خرجوا مستسلمين مسلمين، ومستمسكين بعز الإسلام معتصمين. وعلت على السور الرايات الناصرية المنصورة، والتهجت بحمد الله الألسن الشاكرة وابتهجت القلوب المحبورة.
وتحصن الكفرة من الحين، ولجؤا في التحين إلى الحصنين، فمن لاذ بالحصن الذي المينا، قال إنه بحصانته يحمينا. وعاد معظمهم الأكثر، بحصن البلد وهو المعقل الأكبر، وتوسط لهم قاضي جبلة في أخذ الأمان بعد قبض الرهائن. على أن يعيدوا من استرهنوه في إنطاكية من أهله ويجمعوا شملهم بشمله. ويسلموا إلينا كل ما لهم من سلاح وعدة، وخيل وذخيرة وغلة.
وتسلمنا الحصنين يوم الخميس، وعادوا مأهولين من الإسلام بالأنيس، وكرمت بالكرام جبلة جبلة، ونفت عنها بالفئة المقبلة الشقية المختبلة. وسعد أهلها بعد الشقاء، وتعوضوا من الشدة بالرخاء، وأفضى اليأس بهم إلى الرجاء، وفاءوا إلى الوفاء.
[ ١٢٧ ]
وانتقل أهل الجبل إلى جبلة طائعين بعد العصيان، مصافحين بالمصافاة بالأيمان أهل الايمان.
وكان حصن بكسراييل قد تسلم من قبل واتصل بفتحه الجبل، فرتب فيه من حكم على ذلك الجانب وأهله، وكانوا لقاضي جبلة مذعنين، بإيمانه مؤمنين، ولدعائه ملبين، ولبقائه محبين. ونجوا من العار والتبار، وضيم الكفار، وتناجوا بالاستبصار والاستنصار، والاستغفار والاستنفار، وآضت تلك الولاية لإحسانها
والية، وتلك الناحية على سكانها حانية، وتلك المدينة لأهل الدين دائنة دانية، وتلك الجنة العذبة الجنى لورد دم الجناة من شوك القناجانية. وتلك البنية لمعالم المعالي في هدم أساس الإساءة بانية، وتلك الهضبة راسية، والتربة كاسية، والرتبة سامية، والربوة رابية، والذروة عالية، والحالة حالية.
وأقام السلطان بها أياما حتى أزال شعثها، وأزاح خبثها، ورأب صدعها، ورب ربعها، وشاد ركنها، وشد حصنها، وجب كفرها، وجبر كسرها، وجد بها جدبها، وخص بها خصبها. وبالعدل عمرها، وبالفضل غمرها. وبالرعاية ملأها، وللرعية كلأها. وبجل قاضي جبلة وشرفه، وحبس عليه ملكا نفيسا ووقفه، وصرفه في أملاك آبائه، وحكمه في ولاية حكمه وقضائه.