وسرنا إلى قلعة برزيه وسرنا سار، ودر الظفر لنا دار. وهي أحصن القلاع وأفرعها، وأحسن التلاع وأرفعها، وأسمق الرواسي وأسماها، وأسنم الرواسخ وأسناها. وكان السلطان سبق إليها وأشرف عليها. ثم استدعى الثقل واستحضر، وجمع بالفضاء تحتها العسكر. وذلك رابع عشري الشهر يوم السبت، وقد تهيأت في العدو أسباب الكبوة والكبت.
ثم تجرد يوم الأحد في العدد والعدد. ورقى إلى الجبل، مع أبطاله النبل. فرأيناها
قلعة شماء في الذرا، لا تكاد من سموها ترى. وهي على سن من الجبل عال مترامية في السماء ارتفاعا، وقيل قدر علو ثلثه فكان خمسمائة ونيفا وسبعين ذراعا. فأحدقنا بها وبالجبل، وقطعنا عنها متصلات السبل. ونصبنا عليها المجانيق في ذلك السفح، فلم تصافحها صفائحها وأبدت لنا صفحة الصفح. فقد بعد مرام مرماها، وحارت الأوهام فيها وقلنا ما أعلاها وما اسماها. وتحاجزت عنها الحجارة فلها من أجازتها بها الإجارة. فما بلغت إلى القلعة قلائعها، ولا طلعت إلى التلعة طلائعها، هذا والنجم يلامع بلامعها، وتقارن طوالعه طوالعها. فكأن الصخور سلم نحورها، فإن سورتها تنكسر تنكسر دون الوصول إلى سورها.
ولما رأى السلطان أنه لا وصول إلى نيقها بالمنجنيق؛ وأن الاشتغال به يطيل زمان التعويق؛ مال إلى الزحف، ولاحف جموعه في ذلك اللحف. وذلك في السابع والعشرين من الشهر يوم الثلاثاء، فقسم الناس ثلاثة أقسام على السواء، وجعل النوبة
[ ١٣٥ ]
الأولى لعماد الدين صاحب سنجار الليث الهصار، والغيث المدرار، والبحر الزخار. والسيد الحلاحل، والملك العادل. في صحابه الصباح، كفاة الكفاح، وعفاة الصفاح. ونفاة الهام، بثبات الأقدام في الإقدام، وشفاة الاوام بعلة الانتقام من الأقوام، وأساة ذوي الإساءة بإحسان الحسام، وكساة عرى العراء أردية القتام. ورقاه أراقم اللهاذم، وسقاه حوائم الصوارم. والمزاق في حومة الردى رداء المآزق، والسباق في حلبة الهدى بهوادي السوابق. من كل شارب ماء الوريد بشفاه الشفار، وضارب هام المريد ببتار التبار، ولاسع بحمة في الاسل العاسل عاسل، ولابس لباس الباس كالأسد الباسر باسل. ومعقد للدين بالرديني معتقل. ومعتد على العدو بعادى معتدل. ومجتاب لبوس البوس على الموت العبوس مجتاز، ومجتب لحب المنون لرهون نفائس النفوس محتاز.
فانقضوا على الهضب، وعضوا على العضب. ودام الصفا يدهده، والصدى يقهقه. والزاحف يتقدم ويتقهقر، والحافز يخفى ويظهر. والرجال تتعالى، والحجار تتوالى. والمصاعد ترقى، والمصاعب تلقى. والمضايق تولج، والبوائق تحرج. والآكام تفرع، والرجام تقرع، وللصخور ترديد، والجلاميد تميد.
وما زالت هذه النوبة تتنازل وتقاتل، وتناضل وتطاول، وترمى وترمى، وتدمى وتدمى، وتصمى. وترد وترد، وتصد وتصد، وتصدم وتصدم، وتقدم وتحجم، وتصدع وتصدع، وتحمل وترجع، وتذكو وتنطفي، وتبدو وتختفي، حتى كلت وملت، وانحلت وتخلت، وكانت غلبت لولا أنها لغبت، وسمت لولا أنها سئمت. وألفيت هذه النوبة خاصة، بأهل الحصن حاصة. فإنهم تولوا بأجمعهم القتال ولم يقصدوا للتناوب الاستبدال.
ولما ظهرت في التوبة النبوة؛ وكاد جوادها تناله الكبوة؛ تقدم السلطان بنفسه في النوبة الثانية، والسطوة الدانية، والعزمة الناوية غير الوانية. وخف في الثقال من الرجال، وزحف إلى الجبل بالجبال، وتضافروا فتطافروا في الاوعار كالأوعال. وجروا كالسيول في تلك المسائل، وجروا ذيول السوابغ على تلك الهواجل. وترقوا في ذراها، وقروا على قراها. وتلبسوا بجوانبها، وتوجسوا من مثاعبها، وتدرجوا في مدارجها، وعرجوا في معارجها، وخرجوا في مداخلها ودخلوا في مخاربها. وصارت الجروخ تجوزهم، والجروخ لا تحوزهم. والسهام تعبرهم، والآكام تسترهم. والنخوة تحميهم، والحمية تنخيهم.
وقد نشط السلطان لتسليطهم وتنشيطهم، والتحذير من توريطهم وتفريطهم. فمن انقبض بسطه، ومن أعرض ضبطه، ومن أقبل أربطه، ومن أدبر أسخطه. ومن تقدم قرظه، ومن تقاعس أحفظه، ومن تناعس أيقظه. وكلما شاهدوا السلطان يشاهدهم تسلطوا، وكلما اغتبطوا بما فرعوه من تلك الفوارع ارتبطوا.
[ ١٣٦ ]
فمنهم من تمكن من الطلوع، ومنهم من تمكن للولوع. وتقبلوا في تلك المخارم كالقلوب بين الضلوع. وعرا أهل الحصن العناء والعياء، وعمهم البلاء وأدركهم الشقاء. فأنهم ما زالوا يقاتلون يومهم من غير مناوبة جميعا، فمنهم من صد صديعا، ومنهم من صار صريعا. وظهر فيهم الفتور، وبدا منهم القصور.
وجاءت النوبة الثالثة تالية، وأقدمت إمدادها متوالية متعالية. وعادت النوبة الأولى لنشاطها، وزادت في انبساطها. فبلغوا وغلبوا، والتهموا والتهبوا. وتعلفوا بالسور، وتسلقوا كالنسور. وطلعت القلعة، وقلعت الطلعة. واقتضت العذرة، واقتضيت النصرة. وأعان القدر فقدر الأعوان، ونتجت بالفتح البكر الحرب العوان. وأن أهل القلعة لما أيقنوا انهم ملكوا، طلبوا الأمان حتى لا يهلكوا.
فلما سمع أصحابنا بالأمان صياحهم، وعرفوا للضراعة التياعهم والتياحهم، كفوا انتظارا لما يأمرهم به السلطان، وإشفاقا من سبى من يشمله الأمان. وكان جماعة من دهاة الخواص عارفين بطرق الاقتناص، فأظهروا أن السلطان آمن أهل القلعة، وأنه يدافع عنهم في هذه الدفعة. وجمعوهم في مواضع وكنائس، وأحرزوا النفوس والنفائس. وعاد عنهم من حضرهم، على ظن أن السلطان منهم وحظرهم. وبقي أولئك الأفراد بهم متفردين، ولتجريدهم للسبي متجردين. وصار ما بالقلعة ومن فيها لهم كسبا وسبيا، وما رأوا لحق من شاركهم في السعي رعيا. وحرموا ما ارتفقوا به وحرموا الرفقاء؛ وحازوا دون الغانمين النهب والسباء. وملك واحد مائة، وحاز الري وحلأ عنه رفقة ظمئه.
ولما تسنى ذلك الفتح وتهنأ؛ وتسهل ذلك الصعب وتهيأ؛ عاد السلطان إلى خيامه، وعاذت الايامن بأيامه. وكانت صاحبة حصن برزيه - أخت زوجة الابرنس صاحبة إنطاكية - وقد سبيت وخبئت. فما زال يطلبها حتى أظهروها وأحضروها، وكان بعد هتك سترها ستروها. فمن عليها بالإعتاق من الإرفاق،
وحل عنها وعن زوجها قيد الوثاق، وأحضر أيضا ابنة لهما وزوجها وعدة من أصحابهم وأدخلهم معهم في الإطلاق. وجمع شملهم بعد الشتات، ووصل حبلهم بعد البتات. وشعبهم وقد تصدعوا، وأشبعهم وقد تجوعوا، وحظرهم وقد استحلوا، وكثرهم وقد استقلوا، وحرمهم وقد استبيحوا، ومنعهم وقد استميحوا. وأحياهم بعد ما هلكوا، وعصمهم بعد ما هتكوا. وحواهم وأغناهم وقد افترقوا وافتقروا، وجبرهم ونعشهم وقد انكسروا وعثروا.
وسير معهم إلى إنطاكية من أوفدهم على ستها، فسرت بأختها، وأعلنت بمقتها من سر مقتها، وأذاعت من مضمر بغضها بمظهر حبها، وجاءها الفرح في غمها والفرج في كربها، وتشكت لأخذ بلدها، وتشكرت لترك أختها وولدها.
[ ١٣٧ ]
وانعم السلطان بهذا الحصن على (عز الدين بن المقدم) - الكريم المكرم، والمقدام المقدم، والعظيم المعظم، والماجد الممجد - (إبراهيم ابن محمد). فإن هذه القلعة لثغر افامية الجارية في اقطاعه متاخمة، وهي لها في السلم مقاسمة، وفي الحرب مزاحمة. وسرت هذه البشرى وسارت، ودرت هذه النعمى ودارت، وطارت كتب البشائر، وسرحت على جناح الطائر.
وفيما كتبت إن هذه البشرى بما أجده الله من الفتح العزيز؛ والنصر الوجيز؛ بفتح حصن برزيه الذي برزت له الأرض في قشب أثوابها، وتفتحت له السماء لتنزل الملائكة من أبوابها، بل سفرت به عرائس الأيام في حلى أيامنها، وأشرقت من أقمار الليالي في أنوار محاسنها. وهذا الحصن لا يمكن وصف ما هو عليه من الحصانة، وكأن حجره في حجر حضن للحضانة. وقد عرف ما فتحناه من البلاد والحصون، وسلبنا أهل الكفر بها من السلامة والسكون. وفتحنا كل مرتج لم يكن فتحه مرتجى، ولم يجد من حصل في أسر الدهر به مخرجا. حتى أتت أيامنا، وداني فيه مرامنا، فجاءه عصرنا، وفجأة أمرنا، ووصل إلينا ما هو في الأزل
ذخرنا، وكمل بهذه الفتوحات فخرنا.
وذلك أنا فتحنا من حدود طرابلس إلى حد انطاكية، وسقينا بماء الحديد الجاري في انهار دم أهل النار مغارس الهدى الزاكية، وجلونا بها ثغور الثغور الضاحكة وعيون العدو الباكية. وهذه الحصون التي فتحناها، والمعاقل التي استبحناها، لو وكلنا الله إلى اجتهادنا في فتح أحدها لنعذر ولو أنجدت عساكر الدنيا يمددها. لكن الله سهل ويسر، وفتح ونصر، وأنزل الظفر. وأن حصن برزيه لم يكن عليه قتال، ولا للوهم فيه مجال. ولا منصب عليه لمنجنيق، ولا مسلك إليه لسالك طريق.
وحضرنا لحصره، متوكلين على الله في امره، غير طامعين في فتحه، ولا راجين لنجحه. انقاد جماحه، وانخفض جناحه، وساء صباحه، وكمل سلاحه. وتوقل الرجال في ذروته توقل النجوم في الأفلاك، ونصر الله أهل التوحيد على أهل الإشراك. وفتحناه بالسيف عنوة، ودجا يوم المثلث عليه يوم الثلاثاء ضحوة، فانا لما توكلنا على الله في منازلته، واستعنا به في مقاتلته؛ نظر الله إلى النيات، وأعان ذوي العزائم والثبات. فتعلقوا في الجبل، وتسلقوا إلى القلل، وسعوا إلى الأجل، في طلب تسنى الأمل. فكان كما قال الله تعالى (وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر) حتى من الله بالظفر، وأصفى والصدر من الكدر.
وقد بقيت إنطاكية وما لها بقاء، ولا لها في الاعتصام رجاء. وقد نقصنا أطرافها، واستبحنا اكنافها، وشفهنا نطافها، وعضدنا من رؤوس أهلها بحدود الصوارم قطافها. ولم يبق من معاقلها إلا القصير، ودربساك، وبغراس، وقد تقدم إليها الفاتحان، الرعب والبأس.
[ ١٣٨ ]