ورحل السلطان وقد نجحت آماله، ورجحت اعماله، وجل اقباله، وأقبل جلاله،
وعبر عند (شقيف دركوش) إلى شرقي العاصي. وقد دانت ودنت له المقاصد العواصي القواصي. وأقام أياما على جسر الحديد حديد الجسارة، شديد الاستظهار بما ظهر للمؤمنين من الربح وللمشركين من الخسارة.
ثم قصدنا دربساك وجددنا بتأييد الله في حصره الاستمساك، ووجدناه حصنا مرتفع الذرا ممتنع الذرا، قد جاوز الجوزاء، وناجت أرضه السماء. وكان عش الداوية بل عرينهم، وطالما أطال في التعدي أيديهم وعرانينهم، وكانوا قد نزلوا منذ أنزلناهم من ظهور الحصن بطون الحصون، وركنوا بسكنى هذا المعقل إلى السكون، فلما أشرفنا عليهم اشرفوا على المنون.
ونزلنا عليه يوم الجمعة ثامن من رجب، وقلب الكفر قد وجب. ووفرت المنجنيقات سهامهم من سهامها، وصوبت إليهم مسددات مراميها ومراميها، وراميناهم بها ليلا ونهارا، وأرسلنا إليهم أمثال قلوبهم ووجوههم أحجارا. وكدنا لا نذر في أرضها التي هي في السماء من الكافرين ديارا. وتركنا ناسه بالحجارة صرعى، واسمنا من نحورهم ووجوههم بيض النصال في حمر المرعى.
وأصبحنا يوم الثلاثاء تاسع عشر رجب، وقد شارف الفرنج الشجا والشجب، ووجه نجاتهم قد احتجب، وقد وقع بالنقب برج من السور إلى الخارج، وظهر فيه عروج للدارج، ودروج للعارج. فطلبوا على مراجعة إنطاكية الأمان، وأن ينزلوا ويتركوا بكل ما فيه المكان. فأجيبوا إلى ذلك على قطيعة، وردوا ما كان للإسلام معهم من وديعة. وتسلم الحصن بما فيه ثاني عشري الشهر يوم الجمعة، واصحب بهذا الفتح جماح الحصون الممتنعة.