ورحلنا ظهر يوم الأحد السابع والعشرين من جمادي، والهدى في نصره بين أنصاره يتهادى، وقد تيقنا أن الفتح لا يتمادى، وأن العزم عن الفداء بالمهج في سبيل الله لا يتفادى. وأخنا على سمت صهيون، وهو حصن بفوق الحصون. ويفوت العيون، وطلبناه كما يطلب الدائن المديون، ونحن للكفر مميتون، وللإسلام محيون.
وكان الطريق إليه في أودية وشعاب، ومنفذ صعاب، ومضايق غير رحاب.
وأوعاث وأوعار، وأنجاد وأغوار. وقطعنا تلك الطرق في يومين، ووصلنا ليلة الثلاثاء بليلة الاثنين، وخيمنا على صهيون يوم الثلاثاء التاسع والعشرين، ورزقنا الله التأييد والتمكين. وهي قلعة على ذروة جبل في مجتمع وأدين، بها محيطين من جانبين. والجانب الجبلي قد قطع بخندق عميق، وسور وثيق. والقلعة ذات أسوار خمسة كأنها خمس هضاب، بذئاب سغاب، وأسد غضاب. وأحاط العسكر بها يوم الأربعاء من نواحيها الأربع، وهي ممتنعة علينا بالركن الأمنع، والسمو الأمتع.
ونقل السلطان خيمته إلى جانب الجبل بكرة اليوم، وشرع في محاصرة الفوم، وقامت أسواق الأقواس للمنون في مغالاة السوم. وتوفرت سهام لبسهام من المقل، وتبدت بنات الكائن من الدم القاني حمر الحلل. وأسقطت حوامل المنجنيقات أجنة الصخور، وكشفت صدور الكنانيات أكنة الصدور، وظهر سر السراء، وكثر مراء الرماء. وزخر دأماء الدماء. وطارت الحجارات وحجرت الطيارت. ودارت حميا الحمام على أولئك، واستنجدت ملوكنا الملائك، وأدامت إليهم المجانيق والجروخ والقسي الرمي المتدارك.
وأقام الملك الظاهر غازي صاحب حلب منجنيقين، ونهج بهما من جانب الوادي إلى ردى الأعادي طريقين. وكان له في فتح هذه القلعة الجد العالي، والجد الوالي. والعزم الماضي، والحزم القاضي. والسعي الناجح، والرأي الراجح. والبأس البالغ، والسطو الدامغ. فإنه أتصل بنا قبل الوصول إلى جبلة من طريق حماه، وقد استصحب الكماة الحماة. ومعه الرجال الحلبية، والمنجنيقية والجرخية، والجاندارية والخراسانية. فأظهر على صهيون اليد البيضاء، وكسب الذكر والثناء، وأنار فضاء الفضائل وأضاء. ودام القتال على المكان من جانبه ومن جانب السلطان. والملك الظاهر في تظاهر ملكه. وتضافر سلكه، وريعان إقباله، وعنفوان جلاله، وشباب رهان مجاراته، وشبا رهان مباراته، وإيراق عوده، وإشراق سعوده،
وغرة عزته، وميعة منعته، وصدر تصدره، وشرخ تأمره وتشمره. وقد وصل في أول نشاطه، ونشوء اغتباطه، وفتاء فتوته، ورواء رويته. وارتقاء ارتفاعه، وإيفاع يفاعه. وترعرع سنه، وتعرعر ركنه، وتسامى سيادته، وتراقي سعادته. وأجد لعز العزم الجد، وأعد لري الرأي العد. واستلذ في سبيل الله
[ ١٣٢ ]
نصبه، ورفع المنجنيق ونصبه، وجعل لرجاله نوبا، ولأحواله رتبا، وألقم أفواه كفاته حجرا، وأجرى في الحق من الحجارات الجاريات من منابعه نهرا، ورجم الحصن الزاني رجم المحصن، وأحسن إلى الإسلام وأساء إلى الكفر فلله در المسيء المحسن. وما زالت المجانيق من جانبه وجانبنا ترمى؛ والحنايا بسهام المنايا تصمر؛ حتى قتلت مقاتلة الحصن، وهان بما دب فيه من الوهن.
وأصبحنا بكرة يوم الجمعة جمادى الآخرة، وطما بحر العسكر بأمواجه الزاخرة، وازدحم الناس في الزحف كأنهم في الحشر بالساهرة. وهاج الشباب، وماج العباب. وتسابق ذوو الجرأة والقوة، وتلاحق ذوو الحمية والنخوة. وكان في قرنة الخندق عند خرقه إلى الوادي موضع لم يكمل تعميقه، ولم يتم توثيقه. فتطرقوا من تلك القرنة إلى القنة. وتسوروا السور وتسلقوا، وتقلعوا إلى القلعة وتعلقوا. وتملكوا الذروة وأمسكوا العروة. واستولى على أهلها الرعب، واستشرى بهم الكرب، فتعادوا إلى القلة، وتفادوا من الخوف لا من القلة. وملكت عليهم ثلاثة أسوار، بما فيها من متاع وشوار، ونعم وابقار، وصاحوا: الأمان! وبذلوا الإذعان. ونادوا، مكنونا من السلامة، وتسلموا المكان!.
فما أمنوا على المال والنفس، حتى قررنا عليهم مثل قطيعة القدس. وأغلقت دونهم الأبواب. وسير إليهم النواب. وما استقر خروجهم حتى استخرج منهم القرار. وجبى الدرهم والدينار، وعم الكبار والصغار الصغار. وتولى ذلك (شجاع الدين طغرل الجاندار). ثم سلم حصن صهيون بجميع اعماله؛ وسائر ما حواه من
ذخائره وأمواله؛ إلى الأمير (ناصر الدين منكورس بن خمارتكين)، أسد العرين وأمير المجاهدين. المقدام الهمام، والمطعان المطعام. فالتقى الثغر سداده بسداده، وامرع به مراد مراده.