وورد الخبر عن هونين إنها هانت، ودنا أمرها ودانت، وأن طريق فتحها بانت، وأنها عنت فإن ألطاف الله أعانت، وأنها بذلت ما صانت، ولم تبق للكفر على ما كانت، وأن شدتها لانت. وكان السلطان قد وكل بها بعض أمرائه، وأمده بمددي جنده وعطائه. فلبث إلى هذه الغاية، يصميها بسهام النكاية. حتى طلب أهلها الأمان على الوفاء بما يشترطون، ويشطون منها ولا يشتطون، فأول ما قالوا
أمهلونا حتى نعلم ما يكون من صور، ونكشف هذه الأمور، فإن أخذتموها أخذتم هذه، وشفعنا أمر السلطان بنفاذه. وأن خليتموها فيا هوان هنين!. ونحن نجعل على هذا عدة من الأصحاب مرهونين.
فندب السلطان (بدر الدين دلدرم الياروقي) وهو من أكابر عظمائه، وأكارم أمرائه؛ وأمره باستنزالهم واستذلالهم، والأمان لنسائم ورجالهم. فمضى ورغبهم في الأمن والسلامة، وخوفهم عقبى الحسرة والندامة. وقال لهم أنتم بين حصنين هما تبنين وبانياس، وماذا تصنعون إذا خاب رجاؤكم وبان الياس. وإذا أبيتم التسليم عدمتم سلامتكم، وأقمتم قيامتكم، واستباحكم السلطان واستباكم، وكرهكم وأباكم، وحل بالقتل حباكم، وفل شباكم.
فما زال يغرب ويرهب حتى رغبوا ورهبوا، وأخذوا الأمان على أن يذهبوا. ووصل الخبر إلى السلطان وهو على محاصرة صور مقيم، ولمقاتلة أهلها مستديم، وإلى ما عند الله من نصره مستنيم. وتسلمت هنين بما فيها من عدة وذخيرة، وقوة وميرة، وآلات وأدوات كثيرة. وتسلمها (بيرم) أخو صاحب بانياس، واستشعر الفرنج منها الياس. وكانت قد بقيت من الحصون التي تعذر فتحها؛ وبرح بالقلوب برحها؛ من عمل صيداء: قلعة أبي الحسن وشقيف ارنون، ومن عمل طبرية والغور: صفد وكوكب وهما من أحكم الحصون. وقد وكل بهما أميرين، من خواصه كبيرين. وقد ضيقا على من بهما من العلوج، ومنعا من الدخول والخروج.
وأقام السلطان على صور محاصرا، وللدين الحنيف ناصرا، وليد الشرك بمطاولته قاصرا. يقاتلها بكل سلاح؛ ويقابلها بكل كفاح؛ حتى كادت تستكين؛ وشدتها
[ ٩٤ ]
تلين، وأبيتها تدين، وسريرها يبين.
وكان قد دخل كانون، وظهر من سر الشتاء المكنون. وقبض البرد الأيدي عن
الانبساط، وأعدم الهمم دواعي النشاط. وعادت العزائم المتوهجة تبرد، والصرائم المتأججة تخمد. والنخوات المتحركة تجمد، والحميات المتيقظة ترقد. والضرام المحتدم يخبو، والحسام المخذم ينبو. والطباع تتكره، والسباع تتأوه. ومناوبة القتال تختل، ومعاقدة النزال تنحل. فلحاهم السلطان على ما لاح، وعرفهم أن في الصبر الفلاح. وأمرهم بالمقام والاستقامة على الأمر، وأنه لا ظفر إلا مع الصبر، وأن الظلم تنجلي عند تجلي الفجر.
وكان في الأمراء جماعة منتخبون منتخون، أبت أمانتهم في حمية الدين أن تخون. مقيمون على الكريهة ولا كراهة منهم للمقام، ويحبون أن تقام وظيفة الانتقام. ويؤثرون بأنفسهم في طاعة الله وموافقة السلطان، وعصيان الشيطان في مفارقة المكان. فإذا أرجف بالرحيل رجفوا، وسخفوا رأي المشير به وضعفوا. واضطربوا واضطرموا، وتذمموا وتلوموا.
وقالوا كيف نترك ما حويناه، ونعوج ما سويناه، وننشر كفرا طويناه، ونهجر خيرا نويناه. ونداوي توحيدا شفيناه، ونشفي إشراكا أدويناه. وما للراحة اليوم طالب؛ ألا وهو غدا بالتعب مطلوب. ومن أمسى وهو الآن غالب، يوشك إذا ولى أن يصبح وهو مغلوب. وهذه صورة صور قد تشوهت، وموارد قوتها شفهت، وإذا أخلينا عنها وخليناها ترفهت واستفرهت، وإذا حلمنا عنها سفهت، وهبت من غشية خشيتها وتنهبت. وتارك المصابرة مصاب، والآخذ بالمثابرة مثاب.
فمنهم الأمير طمان بن غازي ما اطمأن يوما في الغزو ولا سكن. وعز الدين جرديك النوري كم جرد على أعناق المشركين سيفه الذي به تمكن، وهما همامان مقدمان مقدامان، من عادتهما الوثبات على ثبات العداة يرومان الثبات ولا يريمان. وجماعة أخر بهما يتشبهون، وبالكريهة لا يتكرهون.
وأما الباقون فأنهم أحبوا البقاء، وأبغضوا اللقاء، واتقوا الاتقاء، وأبوا ألا الإباء.
وقالوا قد لغبنا وما بلغنا، وجرحنا وما رجحنا، فلو رحنا استرحنا، ثم عجنا ورجعنا. وما نحن بأول واضع للاصر، راجع عن الحصر. معتف للعقل، مستعف من الثقل. عامل بمحض الحزم، عالم بوقت العزم. هذا وقد علم ما عرا من ضروب الكروب، وتلثم ما برى من غروب الحروب. وبقدر ما هدم من مباني البلد، هدم أكثر منه من مباني الجلد.
فقال السلطان بل نجد في القتال اياما، ونقدم بأسا وإقداما. ونزحف بجميع رجالنا، ونصدقهم في نزالنا. ونقاتلهم من جميع النواحي، فإن تعذر لاح العذر للاحى.
وأصبح العسكر وقد استعد، وامتد قبالة البلد من البحر إلى البحر والنصر استمد.
[ ٩٥ ]
وركب الأمراء بأجنادهم ووقفوا، وأثمر لهم ورق الحديد الأخضر فقطفوا. وتناوبوا في الزحف، وتعاقبوا على الحتف. وكلما ترجلت طائفة قاتلت ثم رجعت، وجاءت الطائفة الأخرى فصدقت وصدعت، وقارعت وقرعت، وصارعت وصرعت. فلم ير أشد من ذلك اليوم، في وقم القوم. واجترأ أصحابنا وراض جماحهم أصحابنا. وخاضت خيلنا في البحر خلف منهزميهم، وأقدم من أحجم منا لإحجام مقدميهم. فحينئذ طارت للحين من السهام زنابيرها، وأسعرت الحرب بضرام الضراب مساعيرها. وامتلأت السعير بقتلاهم وقالت: هل من مزيد، وفتحت الجنة لمن باع نفسه بها فقالت: هل من شهيد. وانقضى ذلك اليوم وقد كلت الأسلحة، وملت الأجنحة. وانهاضت قوادم الانهاض، وانفضت الجموع من إقواء القوى والانفاض.
وبات الناس على ضجر وضجاج، ولجب ولجاج. فلو عاودنا البلد بمثل ذلك اليوم أياما، لنلنا من فتحه مراما. لكنهم أصبحوا على سأم، والموا بإبداء ألم. وقالوا قلت كثرتنا، فلو أقيلت عثرتنا لانجبرت كسرتنا وفينا الجريح والطليح، وحتى متى لا نستريح! وقد توالت الأمطار فلا مطار، وعلينا هذا الحصار صار!.
وكانت الجراحات كثيرة، والاحتياجات بها مثيرة. ومنع البرد من العمل، وامتنع سد الخلة وتسديد الخلل. وما زالوا يراسلون السلطان ويشيرون بالرحيل، ويقولون لا تتعب على تحصيل المستحيل ولا تذهب الأيام في إبرام السحيل. ودعنا نستجد دعة، ونسترد قوى عند لطف الله مودعة. ونشتغل بفتح الأيسر وهو أكثر، ونؤخر التشاغل بما لعله يتعسر.
وكان السلطان في تلك المدة، أنفق أموالا كثيرة على تلك الآلة والعدة. وما أمكن نقلها، ولا نكن من نقلها ثقلها. ولو أبقاها لقوى بها الكفر، واشتغل بسببها الفكر. فرأى نقضها، وفك بعضها. واحرق منها ما تعذر حملها، وشتت بعد التجمع شملها. وحمل بعضها إلى صيداء، وبعضها إلى عكاء، وجرت أعاجيب ما تكاد تحكى، وسر ذلك الرحيل قوما وساء قوما فأضحك وأبكى.
وتأخر السلطان وتباعد عن قرب صور إلى المنزلة الأولى، ويد أيده على جميع الأحوال طولى. فشرع العسكر في الانصراف، وتزود للانكفاء والانكفاف. وأخذ الجمع في الافتراق، وانتشر في الآفاق. وذهب من ذهب على مواعدة في المعاودة، ومسارعة في الرجوع إلى المساعدة.
وودع (الملك المظفر تقي الدين) من هناك، وأوعد بوعد عوده الإشراك. وسار على طريق هونين إلى دمشق مغذا، وفارق الغزو وكان له ذلك المغزى مغذى. وسارت معه عساكر الموصل وسنجار وديار بكر، وكل طير منهم اشتاق إلى وكر. وما عرفوا أن هذه الراحة القليلة تعقبهم تعبا كثيرا، وأن هذا الهدو الذي مالوا إليه يصير لحثيث حركتهم مثيرا.
[ ٩٦ ]
وبقى السلطان يتلهف على ما تركه، ويتأسف على الفتح الذي ما أدركه والذين أشاروا بهذا الرأي يسهلون الصعب، ويهونون الخطب. ويقولون نمضي ونعود، وتستعدنا السعود، وتنجدنا الجنود، وتتجدد الجدود، ويورق العود، وتصدق
الوعود. وإذا أبقل الربيع، اقبل الجميع. وطاب الزمان، ووفى الضمان، وأمكن الإسعاد وساعد الإمكان.
وما زالوا بنا حتى رحلنا، وعلى الرأي الرائب منهم أحلنا، ولو أقمنا لنقمنا، وقمعنا العدو ووقمنا. لكن الله قدر وقدره محتوم، وسر غيبه المكتوب في اللوح المحفوظ مكتوم. وأراد ولا مرد لمراده، وقضى ولا محيد لما قضاه في عباده. أن تبقى صور في تلك الحالة للكفر وكرا، وللمكر مكرا، وللشرك شركا، ولنار جهنم دركا.
وقدمنا عن صور الارتحال آخر شوال غرة كانون الثاني، وعم البرد في القاضي والدانيز وتوحمت السماء من حوامل السحائب، وتوحلت الأرض من سوائل المذانب. والنكب الرياح عواصف عواسف قواصم قواصف، والسحب الدلاح هوامل هوامر رواعد رواعف والبرد قارص قارس، والماء جامد جامس. والشتاء شتات بتات، وما مع مقامه وثباته مقام وثبات.
وسرنا عباديد في لبابيد، وبين جليد وجلاميد. على الناقورة وطريقها، والأثقال قد ازدحمت في مضيقها. والأحمال تتواقع، والأجمال تتقاطع. والسبل تنسد، والسابلة ترتد. وسلكت الخيل الجبل، وقطع العسكر طريقه إلى المخيم ووصل. وتأخر الثقل إلى أن تخلص، وتقدم من سبق وتملص.
ووصلنا إلى عكاء في ثلاث مراحل، وقد غطى بحر عسكرنا الساحل. وخيم السلطان على باب البلد بجانب التل، سامي المحل، نامي الفضل. دائم الفكر في تدبير الأمر، وتدمير الكفر، واثقا من الله بإنجاز عدة النصر.