ونزل على طبرية في خواصه، وذوي استخلاصه. وأحضر الجاندارية والنقابين والخراسانية والحجارين. وأطاف بسورها، وشرع في هدم معمورها. وصدقها القتال، وما صدف عنها النزال، وكان ذلك يوم الخميس. وأخذ النقابون النقب في برج فهدوه وهدموه، وتسلقوا فيه وتسلموه، ودخل الليل وصباح الفتح مسفر، وليل الويل على العدو معتكر. وامتنعت القلعة بمن فيها - من القومصية - ست طبرية - وبنيها.
ولما سمع القومص بفتح طبرية وأخذ بلده: سقط في يده، وخرج عن جلد
[ ٤٨ ]
جلده، وسمح للفرنج بسيده ولبده. وقال لهم لا قعود بعد اليوم، ولا بد لنا من وقم القوم، وإذا أخذت طبرية أخذت البلاد، وذهبت الطراف والتلاد. وما بقى لي صبر، وما بعد هذا الكسر لي جبر.
وكان الملك قد حالفه، فما خالفه، ووافقه فما نافقه، وما حضه فما ماذقه، ووادده فما رادده، واعده فما عاوده، ورحل بجمعه، وبصره وسمعه. وثعابينه وشياطينه، وسراحيبه وسراحينه. واتباع غيه، وأشياع بغيه. فمادت الأرض بحركته، وغامت السماء من غبرته ووصل الخبر بأن الفرنج ركبوا، وثابوا عن ثبات ثيابهم ووثبوا. وعبوا وعبوا. ودبوا حتى يذبوا. وشبوا النار، ولبوا الثار، وقدموا للنزول بالدار البدار. وذلك في يوم الجمعة رابع عشري شهر ربيع الآخر.
فما كذب السلطان الخبر حتى صدق عزمه؛ بما سبق به حكمه، وسرحين أحاط بمسيرهم علمه. وقال قد حصل المطلوب، وكما المخطوب. وجاءنا ما نريد، ولنا بحمد الله الجد الجديد، والحد الحديد، والبأس الشديد، والنصر العتيد. وإذا صحت كسرتهم، وقتلت وأسرت اسرتهم؛ فطبرية وجميع الساحل ما دونها مانع. ولا عن فتحها وازع.
واستخار الله وسار، وعدم القرار. وجاء يوم الجمعة رابع عشري شهر ربيع الآخر والفرنج سائرون إلى طبرية بقضهم وقضيضهم، وكأنهم على اليفاع في حضيضهم. وقد ماجت خضارمهم، وهاجت ضراغمهم، وطارت قشاعمهم، وثارت غماغمهم، وسدت الآفاق غمائمهم، وشاقت ضاربيها جماجمهم.
وهم كالجبال السائرة، وكالبحار الزاخرة. أمواجها ملتطمة، وأفواجها مزدحمة، وفجاجها محتدمة. واعلاجها مصطلمة. وقد جوى الجو، وضوى الضو، ودوى الدو. والفضاء منفض، والقضاء منقض. والثريا قد استزار الثرى، وجر ذيل
الخيل قد برى البرى.
والحوافر الحوافز للأرض حوافر، والفوارس اللوابس في البيض سوافر. وذئاب الذياد وأجلاد الجلاد؛ قد حملوا كل عدة، وكملوا كل عدة.
فرتب السلطان في مقابلتهم اطلابه، وقصر على مقاتلتهم آرابه. وحصل بعسكره قدامهم، ورقب على الحملة أقدامهم. وحجز بينهم وبين الماء، ومنع ذمامهم على الذماء. وحلاهم عن الورد، وصدعهم بالصد. ذاك واليوم قيظ، وللقوم غيظ. وقد وقدت الهاجرة، فوقدتها غير هاجرة، وشربت ما كان في أدواتها فهي على الظمأ غير صابرة. وحجز الليل بين الفريقين، وحجرت الخيل على الطريقين. وبات الإسلام للكفر مقابلا، والتوحيد للتثليث مقاتلا. والهدى للضلال مراقبا، والإيمان للشرك محاربا. وهيئت دركات النيران، وهنئت درجات الجنان، وانتظر مالك واستبشر رضوان.
حتى إذا أسفر الصباح، وسفر الصباح، وفجر الفجر أنهار النهار؛ ونفر النفير غراب الغبار، وانتهبت في الجفون الصوارم؛ والتهبت في الضوامر الضوارم؛ وتيقظت الاوتار؛
[ ٤٩ ]
وتغيظت النار؛ وسل الغرار؛ وسلب القرار؛ خرج الجاليشية تحرق بنيران النصال أهل النار، ورنت القسي وغنت الأوتار. ورقصت مران المراد، لجلاء عرائس الجلاد. وبرزت البيض من ملئها في الملأ عارية، ورتعت السمر لكلئها من الكلى راعية.
فرجا الفرنج فرجا، وطلب طلبهم المحرج مخرجا. فكلما خرجوا جرحوا، وبرح بهم حر الحرب فما برحوا. وحملوا وهم ظماء، ومالهم سوى ما بأيديهم من ماء الفرند ماء. فشوتهم نار السهام وأشوتهم، وصممت عليهم قلوب القسي القاسية وأصمتهم. وأعجزوا وأزعجوا، وأحرجوا وأخرجوا. وكلما حملوا ردوا وأردوا، وكلما ساروا وشدوا؛ أسروا وشدوا. وما دبت منهم نملة، ولا ذبت عنهم حملة،
واضطرموا واضطربوا، والتفوا والتهبوا. وناشبهم النشاب فعادت اسودهم فنافذ، وضايقتهم السهام فوسعت فيهم الخرق النافد. فآووا إلى جبل حطين يعصمهم من طوفان الدمار، فأحاطت بحطين بوارق البوار. ورشفتهم الظبا، وفرشتهم على الربا. ورشقتهم الحنايا، وقشرتهم المنايا، وقرشتهم البلايا، ورقشتهم الرزايا، وصاروا لردى درايا، وللقضايا رمايا.
ولما أحس القومص بالكسرة، حسر عن ذراع الحسرة. واقتال من العزيمة، واحتال في الهزيمة. وكان ذلك قبل اضطراب الجمع واضطرام الجمر، واحتداد الحرب. فخرج بطلبه يطلب الخروج، واعوج إلى الوادي وما ود أن يعوج. ومضى كومض البرق، ووسع خطى خرقه قبل اتساع الخرق. وافلت في عدة معدودة، ولم يلتفت إلى ردة مردودة. وغاب حالة حضور الوغى، ونابه الرعب الذي نوى الهزيمة به وما ونى.
ثم استجرت الحرب، واشتجر الطعن والضرب، وأحيط بالفرنج من حواليهم بما حووا إليهم، ودارت دائرة الدوائر عليهم. وشرعوا في ضرب خيامهم، وضم نظامهم. فحطوا على حطين مضاربهم، وفلت حدود الرماة الكماة مضاربهم. وأعلجوا عن نصب الخيم ورفعها، وشغلوا عن أصل الحياة وفرعها. وترجوا خيرا فترجلوا عن الخيل، وتجلدوا وتجالدوا فجرفهم السيف جرف السيل. وأحاط بهم العسكر إحاطة النار بأهلها، ولجئوا إلى حزم الأرض فبلغ حرامهم الطبيين من سهلها. وأسر الشيطان وجنوده، وملك الملك وكنوده.
وجلس السلطان لعرض أكابر الاسارى، وهم يتهاودون في القيود تهادى السكارى. فقدم بدائه مقدم الداوية، ومعه عدة كثيرة منهم ومن الاسبتارية. وأحضر الملك (كي) وأخوه (جفري) و(اوك) صاحب جبيل و(هنفري). و(البرنس ارناط) صاحب الكرك وهو أول من وقع في الشرك. وكان السلطان قد نذر دمه، وقال
لأعجلن عند وجدانه عدمه.
فلما حضر بين يديه، أجلسه إلى جنب الملك والملك بجنبه، وقرعه على غدره وذكره بذنبه، وقال له كم تحلف وتحنث، وتعهد وتنكث. وتبرم الميثاق وتنقض،
[ ٥٠ ]
وتقبل على الوفاق ثم تعرض فقال الترجمان عنه يقول قد جرت بذلك عادة الملوك، وما سلكت غير السنن المسلوك.
وكان الملك يلهث ظميا، ويميل من سكرة الرعب منتشيا. فآنسة السلطان وحاوره، وفثأ سورة الوجل الذي ساوره. وسكن رعبه، وأمن قلبه، وأتى بماء مثلوج أزال لهثة، وازاح من العطش ما كرثه. وناوله الابرنس ليخمد أيضا لهبه، فأخذه من يده وشربه. فقال السلطان للملك لم تأخذ مني في سقيه إذنا، فلا يوجب ذلك له مني أمنا، ثم ركب وخلاهما، وبنار الوهل أصلاهما. ولم ينزل إلى أن ضرب سرادقه، وركزت أعلامه وبيارقه، وعادت عن الحومة إلى الحمى فيالقه.
فلما دخل سرادقه، استحضر الابرنس فقام إليه وتلقاه بالسيف فحل عاتقه. وحين صرع أمر برأسه فقطع، وجر برجله قدام الملك حين أخرج فارتاع وانزعج. فعرف السلطان إنه خامره الفزع، وساوره الهلع، وسامره الجزع. واستدناه وأمنه وطمنه، ومكنه من قربه وسكنه. وقال له ذاك رداءته أردته، وغدرته كما تراه غادرته. وقد هلك بغيه وبغيه، ونبا زند حياته ووردها عن وريه وريه.
وصحت هذه الكسرة؛ وتمت هذه النصرة؛ يوم السبت. وضربت ذلة أهل السبت على أهل الأحد، وكانوا اسودا فعادوا من النقد. فما افلت من تلك الآلاف إلا آحاد، وما نجا من أولئك الأعداء إلا أعداد. وامتلأ الملأ بالأسرى والقتلى، وانجلى الغبار عنهم بالنصر الذي تجلى. وقيدت الاسارى بالحبال واجفة القلوب، وفرشت القتلى في الوهاد والجبال واجبة الجنوب.
وحطت حطين تلك الجيف على متنها، وطاب نشر النصر بنتنها. وعبرت بها
فلقيت أشلاء المشلولين في الملتقى ملقاة، بالعراء عراة. ممزقة بالمازق، مفصلة مفرقة المرافق، مفلقة المفالق. محذوفة الرقاب، مقصوفة الأصلاب. مقطعة الهام، موزعة الأقدام. مجدوعة الآناف، منزوعة الأطراف. معضاة الأعضاء، مجزأة الأجزاء. مفقوءة العيون، مبعوجة البطون. مخضوبة الضفائر، معضوبة المرائر. مبرية البنان، مفرية اللبان.
مقصومة الاضالع، مفصومة الاشاجع. مرضوضة الصدور، مفضوضة النحور. منصفة الأجساد. مقصفة الاعضاد. مقلصة الشفاه، مخلصة الجباه. قانية الذوائب، دامية الترائب. مشكوكة الأضلع، مفكوكة الأذرع. مكسورة العظام، محسورة اللثام. بائدة الوجوده، بادية المكروه. مبشورة الابشار، معشورة الأعشار. منشورة الشعور، مقشورة الظهور. مهدومة البنيان، مهتومة الأسنان. مهرقة الدماء، مرهقة الذماء. هاوية الذرا، واهية العرا، سائلة الاحداق، ماثلة الاعناق، مفتوتة الافلاذ، مبتوتة الأفخاذ. مشدوخة الهامات، مسلوخة اللبات. عديمة الأرواح، هشيمة الاشياح. كالأحجار بين الأحجار، عبرة لأولي الأبصار.
[ ٥١ ]
وصارت تلك المعركة، بالدماء دأماء، وعادت الغبراء حمراء. وجرت أنهار الدم المنهر، وسفر بتلك الخبائث المظلمة وجه الدين المطهر. فما أطيب نفحات الظفر من ذلك الخبث، وما ألهب عذبات العذاب في تلك الجثث، وما أحسن عمارات القلوب بقبح ذلك الشعث، وما أجزأ صلوات البشائر بوقوع ذلك الحدث. هذا حساب من قتل. فقد حصرت ألسنة الأمم عن حصرة وعده. وأما من أسر: فلم تكف أطناب الخيم لقيده وشده. ولقد رأيت في حبل واحد ثلاثين وأربعين يقودهم فارس، وفي بقعة واحدة مائة أو مائتين يحميهم حارس. وهنالك العتاة عناه، والعداة عراه. وذوو الأسرة أسرى، وأولوا الأثرة عثرى. والقوامص قنائص، والفوارس فرائس، وغوالي الأرواح رخائص. ووجوه الداوية الداوية عوابس،
والرءوس تحت الاخامص، مطالع الأجسام ذوات المقاطع والمخالص. فكم أصيد صيد، وقائد قيد وقيد. ومشرك مكشر، وكافر مفكر. ومثلث منصف، ومكيف مكتف. وجارح مجروح، وقارح مقروح. وملك مملوك، وهاتك مهتوك. ومتبر مبتور، ومحسر محسور. وكابل في الكبول، ومغتال في الغلول. وحر في الرق، ومبطل في يد المحق.