والمعاقل التي يأتي ذكرها
وكان النزول على عسقلان يوم الأحد السادس عشر من جمادى الآخرة ولما فرغ السلطان من فتح بيروت وجبيل، ثنى عنانع يجر ويجري من العسكر والعثير على السماء والأرض الذيل والسيل. وعاد عابرا على صيداء وصرفند، وقد اورى فيهما باقتداح اقتراحه الزند.
وجاء إلى صور ناظرا إليها، وعابرا عليها. غير مكترث بأمرها، ولا متحدث في
حصرها، ولا معتقد في تعقدها، ولا متئد في توردها. وعلم أيضا إنها ممتنعة، وعن سومها مرتفعة. فعمل بالحزم، وعمد إلى العزم. ودلته الفراسة على أن محاولتها تصعب، ومزاولتها تتعب. وليس بالساحل بلد منها أحصن، فعطف الأعنة إلى ما هو منها أهون.
وكان قد استحضر ملك الفرنج ومقدم الداوية، وشرط معهما واستوثق منهما أنه يطلقهما من الأسر والبلية، متى تمكن بإعانتهما من البلاد البقية. وعبر والعيون صور إلى صور، والمركيس ما شك أنه بها محسور محصور. فلما
[ ٦٤ ]
أرخى من وثاقه؛ واتسع ضيق خناقه. حلق في مطار اوطاره، وحرك لغواته أوتار أوتاره.
واجتمع السلطان بأخيه الملك العادل، واتفقا على طي المراحل، ونشر القساطل، وحل معاقد المعاقل، وسل قواصم القواصل. ونزل على عسقلان، وشديدها قد لان، وقد آتاها الله الخذلان. فتجلد من بها على الحصار، وتخوفت أسودها الخادرة من الاصحار. وتربصوا وتصبروا، وتترسوا وتستروا. وحاصوا وصاحوا، وحانوا وناحوا. وأبلسوا وأبسلوا، وأعولوا مما عليه عولوا. وشبوا وشابوا، وخبوا وخابوا. لكنهم استقبلوا الموت واستقتلوا. وتعقدوا على الفتح وما تحللوا، وأخزنوا في الإباء وما أسهلوا. وجهدوا وجهلوا.
فأقام السلطان عليها مجانيق مجت نيقها، وفرجت بالحجارة طريقها، ورجت بالتفريق فريقها، ووسعت بالتضييق ضيقها، وأضعفت بالتوثيق. وجمعت شمل الحجارة بالنار التي وقودها الناس والحجارة، ولفحتهم نيرانها. وتوالت عليهم بعد الشرارة الشرارة، وخربت منهم العمارة، ووجبت بالجسارة منا لهم الخسارة. وتهدمت الصخور بالصخور، ولزم عبث بورهم بالثبور. وجسر النقاب فحسر النقاب، وباشر الباشورة فرفع الحجاب. واشتد القتال، واحتد المصال.
وراسلهم عند ذلك الملك المأسور. وقال: قد بان عذركم حين نقب السور. وجرت
حالات، وتكررت حوالات، وترددت رسالات. وقال لهم الملك الأسير لا تخالفوا ما به أسير، وأطيعوني ما استطعتم، واسمعوا مني إذا سمعتم، واحفظوا رأسي فهو رأس مالكم، وحلية حالكم، ولا تخطروا غيري ببالكم، فإني إذا تخلصت خلصت، وإذا استقذت استنقذت.
وخرج مقدمون وشاوروا الملك، ونهجوا في التسليم نهجا سلك. وسلموا عسقلان على خروجهم بأموالهم سالمين، واستوفوا بذلك الميثاق واليمين. وذلك يوم السبت لانسلاخ جمادى الآخرة، وتلألأت السعود في اوجها بالأوجه السافرة.
وممن استشهد على عسقلان من الأمراء الكبراء (إبراهيم بن الحسين المهراني) وهو أول أمير افتتح بالشهادة، واختتم بالسعادة. وكان السلطان قد أخذ في طريقه إليها الرملة ويبنى وبيت لحم والخليل. وأقام بها حتى تسلم حصون الداوية: غزة والنطرون وبيت جبريل. وكان قد استصحب معه مقدم الداوية وشرط معه أنه متى سلم معاقلهم أطبقه. فسلم هذه المواضع الوثيقة لما أخذ موثقه.
واجتمع بالسلطان ولده صاحب مصر (الملك العزيز عثمان) على عسقلان بشارة وبشارة، وراية وآية. وهيئة وهيبة، وثرة وثروة. وهزة وعزة. وعدة وعدة، وجدة
[ ٦٥ ]
وجدة، وشدة وشدة، وحد وحدة. وضوعة وروعة، ونخوة وسطوة. وصوت وصيت. ومصاعيب ومصاليب. ومساعير ومغاوير. ودهم ودهم. وشهب وكمت. وصلاب وصلاد. وانجاب وأنجاد. وجلب ولجب، وبيض ويلب. وبيض وسود، وأساود وأسود. وجرد ومرد. وكهول وفحول. ورقاق وعتاق. وقود وقيدود. وأطلاب وأبطال، وفوارس ورجال، وخفاف وثقال. وعراب وأعاريب، وسراحين وسراحيب. وحد لا يكل، وجد لا يمل. وجمر يتقى، وجمع لا يلتقي.
ومعه رماة الاحداق كماة الأتراك، وهداة التوحيد عداة الإشراك. فقرت عينه بولده، واعتضد بعضده، ووضع يده بتأييد الله في يده. وكان قد استدعى الاساطيل
المنصورة فوافت كالفتخ الكواسر، بالفلك المواخر. وجاءت كأنها أمواج تلاطم أمواجا، وأفواج تزاحم أفواجا. تدب على البحر عقاربها، وتخب كقطع الليل سحائبها، وتجر بالذوابل ذوائبها، وتزاحم مناكب الأطواد مناكبها. (والحاجب لؤلؤ) مقدمها ومقدامها، وضرغام غابها وهمامها. فطفق يكسر ويكسب، ويسل ويسلب. ويقطع الطريق على سفن العدو ومراكبه، ويقف له في جزائر البحر على مذاهبه. وسيأتي ذكر ذلك في موضعه، ويظهر في وقائعه حسن موقعه.