ورحل السلطان ظهر يوم الثلاثاء ظاهرا على أهل التثليث، مديلا للطيب مزيلا
[ ٥٣ ]
للخبيث. وسار عسكره، وثار عثيره. وظهرت راياته وبهرت آياته. وتعرت كوساته، وصاحت بوقاته. وجالت خيوله وسالت سيوله. وطلعت في سماء العجاج نجوم خرصانه، وقلعت قلائع تلك الجبال جبال فرسانه. وحفرت حوافر الصلادم أصلاب الصلاد الصلاب، وفصحت بإعراب الحماحم صواهل الجياد العراب.
والأسنة مشرعة، والاعنة مسرعة. وبحور السوابح متموجة، وغدران السوابغ مترجرجة، وبوارق البيارق متبوجة، واوضاح الجرد وغررها كأوضاح النصر وغرره متبلجة. ونزل عشية بأرض لوبية، لداعي الفتح ملبيا، ولجيش النصر معبيا، ولمولود الملك العقيم بتلقيح الحرب العوان مربيا. وبات بها معرسا بانيا على عروس الظفر البكر، جانيا ثمار الأماني من غروس البيض والسمر. وأصبح وقد أصحب جماح الدهر، وصح نجاح الأمر، وحص جناح الكفر. وأسفر فجر الفرج، وسفر وجه البهج.
وسار سارا سره، بارا بأرباب الدين بره. زائرة أسوده، طائرة بنوده. ظاهرة
جنوده، زاهرة جدوده. سامية أضواؤه. هامية أنواؤه. رائعة مواكبه، رائقة مراكبه. مجنبة عتاقه، مذربة رقاقه. وكان أمير المدينة النبوية - صلوات الله على ساكنها - في موكبه. فكأن رسول الله - ﷺ - سير للفقير إلى نصرته من يثرى به يثربه. وهذا الأمير (عز الدين أبو فليته القاسم بن المهني الحسيني) قد وفد في تلك السنة أو أن عود الحاج، وهو ذو شيبة تقد كالسراج.
وما برح مع الملك الناصر، مأثور المآثر. ميمون الصحبة، مأمون المحبة. مبارك الطلعة، مشاركا في الوقعة. فما تم فتح في تلك السنين إلا بحضوره، ولا أشرق مطلع من النصر إلا بنوره. فرأيته ذلك اليوم للسلطان مسايرا، ورأيت السلطان له مشاورا محاورا. وأنا أسير معهما. وقد دنوت منهما ليسمعاني واسمعهما. ولاحت أعلام عكا، وكأن بيارق الفرنج المركوزة عليها ألسنة من الخوف تتشكى. وكأن عذبات النيران تصاعدت بعذاب أهلها، وقد توفرت عساكر الإسلام إليها من وعرها وسهلها.
فلما قرب منها خيم وراء تلها، وآذنت عروش معاشر الشرك بفلها، وعقود معاقدي الكفر بحلها. وأصبح يوم الخميس وركب في خميسه، ووقف كالأسد في عريسه. فخرج أهل البلد يطلبون الأمان، ويبذلون الإذعان. فأمنهم وخيرهم بين المقام والانتقال، ووهب لهم عصمة الأنفس والأموال. وكان في ظنهم إنه يستبيح دماءهم، ويسبي ذريتهم ونساءهم. وأمهلهم أياما حتى ينتقل من يختار النقلة، واغتنموا تلك المهلة.
وفتح الباب للخاصة، واستغنى بالدخول إلى البلد جماعة من ذوي الخصاصة. فإن القوم ما صدقوا من الخوف المزعج، والفرج المحرج. كيف يتركون دورهم بما فيها ويسلمون، وعندهم أنهم إذا نجوا بأنفسهم إنهم يغنمون. فترك معظمهم المدينة، وعندهم إنه ما كسب السكينة إلا من ركب السفينة.
[ ٥٤ ]
وذلك ان الجند لما دخلوها
استولوا على الدور ونزلوها. وركز كل منهم بيرقه على دار، وقال صاحبها كيف يصح المقام مع الأسد في غابة ولا مقام على زار.
وكان السلطان جعل للفقيه (عيسى الهكاري) كل ما يتعلق بالداوية من منازل وضياع، ومواضع ورباع، فأخذها بما فيها من غلال ومتاع. ووهب عكاء لولده الملك الأفضل، فأجراها من نظره على الأحسن الأجمل ودخلناها يوم الجمعة مستهل جمادى الأولى فأقمنا بها الجمعة، ووصلنا فريضتها المنقطعة. وأعدنا الكنيسة العظمى مسجدا جامعا، وعاد نور الهدى الخافي بالضلالة لامعا.
وحضر القاضي الأجل الفاضل فأمر بترتيب القبلة والمنبر، وتبسم بميامنه للإسلام بعد الإظلام سني الصبح المسفر. وخطب (جمال الدين عبد اللطيف ابن الشيخ أبي النجيب السهروردي) فإنه تولى بها القضاء والخطابة، وملأنا بعد الذئاب بالاساد السادة تلك الغابة. وخلى سكان البلد دورهم، ومخزونهم ومذخورهم. وتركوها لمن أخذها، ونبذوا ما حووه لمن حواها وما نبذها.
وافتقر من الفرنج أغنياء، واستغنى من أجنادنا فقراء. ولو دخرت تلك الحواصل، وحصلت تلك الذخائر، وجمع لبيت المال ذلك المال المجموع الوافر؛ لكان عدة ليوم الشدائد، وعمدة لنجح المقاصد فرتعت في خضرائها بل صفرائها وبيضائها سروج الأطماع، وطال لمستحليها ومستحلها الإمتاع بذلك المتاع.
وأقام السلطان بباب عكاء على التل مخيما، وعلى فتح سائر بلاد الساحل مصمما، لمملكتها متمما. وكان قد كتب إلى أخيه الملك العادل (سيف الدين أبي بكر) - وهو بمصر بما أتاحه الله من النصر، وقيضه له من افتاض الفتح البكر. فوصلت البشرى بوصوله باشرا، وللزاء الحمد ناشرا ولاستفتاح ما في طريقه من الحصون مباشرا. وأنه فتح حصن مجدل يابا ومدينة يافا عنوة، واغتنمها غزوة، وتسلمها حظوة. فقصده من عساكرنا القصاد، ووفد إليه من عندنا الوفاد. فحباهم بالحباء
من السبايا، وآتاهم المرباع والصفايا، وخصهم من الحاصل بالنقود ووعدهم مما سيحصل بالنسايا.
وشرع يستضيف حصنا فحصنا، ويستفيض حسنى وحسنا. ويستزيد يبدا، ويستزير مددا. ويستنزل من الكفر يدا، ويستميل إلى الهدى هدى. والدين بسيف سيفه منصور، والإسلام بنصر ناصره مسرور والملك العادل مالك بعدله، سالك نهج النجع بفضله. فائز العزيمة، حائز الغنيمة، ماضي الضريبة، قاضي الكتيبة. ميمون النقيبة، مأمول الرغيبة.
[ ٥٥ ]