وانتهى إلينا أن الفرنج ينتشرون في الأرض، وينبسطون في موضع القبض، ولا يحتفظون في الرفع والخفض، ويحتطبون ولا يحتاطون، ويخشون ولا يختشون. ويجنون ثمار الجبل، على من يصادفونه بأنواع الغيل. وهم في غرة من غارة،
[ ١٥٨ ]
وفي جسارة تعود عليهم بخسارة. وفي غفلة تجر عقلة، وفي ضلة ترفع عليهم من العذاب ظله. وأنهم إذا خرجوا للاحتشاش والاحتطاب، وانتشروا لضم الأعشاب من الشعاب؛ خرجت وراءهم خيل تلحظهم على بعد، وتحفظهم من متعد.
ونفذ السلطان إلى خيل تبنين، وأمرهم بأن يصبحوا أولئك الملاعين. فإذا خرجت الخيل إليهم تطاردوا قدامها ووصلت بها الكمين. وذلك يكون في صباح الاثنين ثامن الشهر المذكور، وواعدهم على هذا السر المستور. ونفذ إلى عسكر عكاء ليكمن في موضع عينه، ولا يظهر مكمنه. حتى يكون من وراء القوم، مستعدا لما ينالهم من الوقم.
وسار السلطان ليلة الاثنين على الموعد، مصدقا للمقصد. وصادف خيل تبنين قد أغارت وأثارت، وأبرت وأبارت. فعبر تبنين وكمن بين صور وبينها، وعين اليزكية وأوقذ عينها. ورتب ثمانية اطلاب من الأبطال، وكمن بتلك الأرجاء كماة
الرجال. وانتخب من كل طلب عشرين فارسا، أجوادا على الجياد، وأجلادا في الجلد على الجلاد. فأمرهم بأن يتراءوا للفرنج حتى تصل إليهم، وتحمل عليهم. وهم يفرون قدامها، ولا يقرون أمامها. ويجذبونها إلى قرب الكمين ويوقعونها عليه، ويواقعونها إذا حصلت بين يديه. ففعلوا ما به امروا، ولما حملت عليهم الفرنج ثبتوا وصبروا، وانفوا من ان يقال عنهم فروا بل جالوا فيهم وكروا.
واتصل القتال واشتد، واحتدم المصال واحتد، وطال زمان الحرب وامتد. وطارت جمرات الصفاح، وفازت غمرات الكفاح، وثارت غبرات البرى، ودارت عثرات الثرى. وانحلت عرى اللمم، وانحطت ذرا القمم، وعدم كل قرن قراره، وكل جفن غراره، ودام نهارنا يجري بأنهار الدم أنهاره.
وعرف من بالكمين أن الحرب قد اشتبكت، وأن الأسد قد اعتركت، وأن البزل قد ارتبكت وابتركت. فتواصل انجادا للانجاد، وتراسل إمدادا بعد الإمداد.
فلما رأى العدو أن المدد يكثر والعدد يكثف؛ وأن عساكرنا لا تتوقى ولا تتوقف؛ صمم العزيمة على الهزيمة، وعلم أن النجاة عين الغنيمة. فثنى أعطافه، وضم أطرافه، ورد أحلافه. وجرت بين الفريقين مقتلة، عادت ارض المعركة بها وهي مثقلة. وكان قد حمل العرب على وعد العود إلى الكمين، والرجوع إلى أسد ذلك العرين. ولم يكن لهم بالطريق خبرة، ولا عبرت من الطوارق بهم عبرة. فتطاردوا بين يدي الفرنج في واد ماله نفاذ، ولا لسالكه إلى منهج ملاذ.
ورآهم العدو فعدا وراءهم، وسار بجمعه إزاءهم. فلما انتهوا إلى الجبل أدركوا، ولم يقدروا أن يسلكوا. فقاتلوا حتى قتلوا، واقبلوا على الله فقبلوا. وهم: الأمير زامل بن تبل بن مر بن ربيعة أمير النقرة، وسرى الأسرة. والأمير حجي بن منصور بن غدفل بن ربيعة، والأمير مطرف بن رفيع بن بردويل بن مر بن ربيعة، وآخر معهم. فهؤلاء أربعة من ربيعة بنيت لهم في جنة الخلد ربوع، وقدر
لهم في رياض النعيم رتوع. وفازوا بالنعيم ونعموا بالفوز، وانتقلوا من العز الفاني إلى الباقي من العز.
[ ١٥٩ ]
وكان معهم من المماليك الخواص؛ من ذوي الجد والاخلاص؛ تركي عربي النخوة؛ غضنفري السطوة. فلما حصل في المضيق؛ وأيس من الطريق؛ نزل عن فرسه على صخرة بنجوة، ونثل بين يديه كنانته فارعا لذروة، وقد أوتر قوسه وسدد إليهم سهمه، وقبل تضاء الله وحكمه. وحن إلى منيته من حنيته، وأصاب منيته من اصماء العدو في المصاب بأمنيته.
فوقفوا عنه بعيدا حتى خافوا قربه، وما زالوا يطعنونه ويرمونه حتى ظنوا أنه قضى نحبه، فأصبح وقد نزف دمه، فترجح على وجوده عدمه.
ولما قيل أنه استشهد؛ وطلب ليلحد؛ رمقوبه رمق، وهو في دمه غرق. فحمل على أنه من الأموات، ولم يرج له فوات الوفاة. فأحياه الله بعد أن اماته، وجمع أعضاءه عليه وقد شارف منها شتاته. وأنشأه خلقا جديدا، وأوجده في أجله مزيدا، وهو (ايبك الساقي)، زاده ما جرى اجتراء على الإقدام، وإجراء إلى مضمار الحمام. فما سمع بعد ذلك هيعة الإطار إليها، ولا ابصر للكفر ضيعة إلا أغار عليها.