وشرع الإفرنج في بيع الامتعة، واستخراج ذخائرهم المودعة. وباعوها بالمجان في سوق الهوان، وتقاعد الناس بهم فابتاعوها بأرخص الأثمان. وباعوا بأقل من دينار كل ما يساوي أكثر من عشرة، وجدوا في ضم ما وجدوا من أمور لهم منتشرة. وكنسوا كنائسهم، وأخذوا منها نفائسهم. ونقلوا منها الذهبيات والفضيات من الأواني والقناديل، والحريريات والمذهبات من الستور والمناديل. ونقضوا من الكنائس الكنائن، واستخرجوا من الخزائن الدفائن. وجمع البطرك الكبير كل ما كان على القبر من صفائح التبر ومصوغات العسجد ومصنوعات اللجين، وجمع
ما كان في قمامة من الجنسين والنسجين.
فقلت للسلطان هذه أموال وافرة، وأحوال ظارة، تبلغ مائتي ألف دينار، والأمان على أموالهم لا أموال الكنائس والاديار. فلا تتركها في أيدي هؤلاء الفجار، فقال إذا
[ ٧٥ ]
تأولنا عليهم نسبونا إلى الغدر، وهم جاهلون بسر هذا الأمر. ونحن نجريهم على ظاهر الأمان، ولا نتركهم يرمون أهل الإيمان بنكث الإيمان، بل يتحدثون بما أفضناه من الإحسان.
فتركوا ما ثقل وحملوا ما عز وخف، ونفضوا من تراب تراثهم وقمامة قمامتهم الكف. وانتقل معظمهم إلى صور. وكتفوا بالديجور، وبقي منهم زهاء خمسة عشر ألفا امتنعوا من مشروع الحق، فاختصوا بمشروط الرق. فأما الرجال وكانوا في تقدير سبعة آلاف فإنهم ألفوا ذلا لم يكونوا له بألاف. فاقتسمتهم أيدي السبي أيدي سبا، وتفرق الغانمون بجمعهم في الوهاد والربا. وأحصيت النساء والصبيان ثمانية آلاف نسمة، عادت بيننا مقتسمة، وأصبحت ببكائها وجوه الدولة مبتسمة.
فكم محجوبة هتكت، ومالكة ملكت، وعزباء نكحت، وعزيزة منحت، وبخيلة تسمحت، وحيية توقحت، ومجدة مزحت، ومصونة ابتذلت، وفارغة شغلت، وعقيلة امتهنت، وجميلة امتحنت، وعذراء افترعت، وشماء قرعت، ولمياء رشفت، وظمياء فرشت، وريضة أصبحت ورضية اصخبت.
فكم تسرى منهن سرى، وتجرأ عليهن جرى. وقضى وطره عزب، ونفى نهمه سغب، وفثأ سورته شغب. وكم غانية استخلصت، وغالية استرخصت. ووالية اعتزلت، وعالية استنزلت. ووحشية صيدت، وعرشية قيدت.
ولما تقدس القدس من رجس الفرنج أهل الرجز؛ وخلع لباس الذل ولبس خلع العز؛ أبي النصارى بعد أداء القطيعة أن يخرجوا، وتضرعوا في أن يسكنوا ولا يزعجوا. وبذلوا خدما وخدموا ببذول، وقابلوا كل ما ألزموا به بالتزام وقبول.
وأعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وشحت أفواههم بما شجاهم فزاد شجاهم وهم فارغون. ودخلوا في الذمة، وخرجوا إلى العصمة، وشغلوا بالخدمة، واستعملوا في المهنة، وعدوا المجنة في تلك المحنة.