لما عرف من بصور من الفرنج أن صفد لنا صفت؛ وأنها على الفتح الذي يشفى
أشفت؛ قالوا ولم يبق لما إلا كوكب، وأن صلاح الدين عن قصدها لا يتنكب. وقد أقوت من القوة، وهي تهي أن لم نعالجها وتعالجها بالنجدة المدعوة. وقد ضعف رجاؤها لضعف رجالها، وقل ظهورها لظهور إقلالها، وهذا أوان أنجائها وأنجادها، وهي مشرفة على العدم فدبروا في إيجادها. فإذا قويناها وحميناها بقيت عدة في العواقب، وعصمة من النوائب فقال مقدم الاسبتار هي كوكبنا المنلالي ومنكبنا العالي. ومعقلنا المحكم، ومعقدنا المبرم. وحصننا الحصين، ومكاننا المكين. ولنا منه المربع المريع، والمنبع المنيع، والمحل المحلى، والمعلم المعلى. وهي قفل من البلاء على البلاد، ومؤمل من الخطوب الشداد. ولعلها تثبت إلى أن توافينا من البحر ملوكنا، وتعود إلى عادة الانتظام سلوكنا، فما تبطئ جداتنا، وما تخطئ نجداتنا.
وأجمعوا على تسيير مائتي رجل من النخب، المعدين لدفاع النوب. من كل جرخي نخى، وكمى أكمى، وجهم جهنمي. وسقر سقرى، ووعل جبلى، وبطل باطلى. وكلب كلب، وذئب سغب. وعاسل معاسر، وباسل باسر. ومغوار مغو، ومتلوم متلو، وذمر متذمر، ونمر متنمر. وسبع ضار، وشواظ من نار. وجمر من الجحم، وحام من الحميم. من شيطين يجنون الجنون، ويمونون المنون، ويشينون الشئون، ويهدون الهدون، وويحزون الحزون، ويفوتون الفتون، ويظنون بالله الظنون.
وقالوا لهم كيف تمضون وطريق السلامة مخيف، وطارق الإسلام مطيف، والشجا منيف، والشجب مضيف فقالوا نحن نسير ونصير في ضمائر الكهوف أسرارا، وعلى أجياد الأطواد أزرارا، وفي أوكار المغارات أطيارا، وفي أعماق السيول اكدارا، وعلى ظهور الريود أوزارا، نسري ليلا ونختفي
[ ١٤٥ ]
نهارا. والليل للعاشقين ستر، ولكم أدلج من له وتر، والنهج وأن بعد فهو في قرب عزمنا فتر. ومن رام النفس الخطير رمى نفسه في الخطر، وطار إلى الوطر، وغرب إلى الغرر.
ثم عزموا على ما زعموا، وعملوا بما عته عموا. وخطروا إلى الخطر، وحاولوا بما لهم من القدر مزاولة القدر. وتوقلوا في الأكم، وتوغلوا في الأجم. وتبطنوا في الأودية، وتكمنوا في الأفنية. واحترسوا بالكمون، واحترزوا من العيون، وتحركوا على السكون. وكادوا يصلون إلى الموضع ويحصلون على المطمع. ويدركون الطلاب، ويهتكون الحجاب، ويعيدون إلى الحصن روحه، ويأسون بعد اليأس جروحه. فعثر - بواحد عثر منهم - بعض المتصيدين قتصيده، وقاده وقيده. وأتى به إلى صاحبه صارم الدين قايماز؛ واستغرب الإفرنجي من هناك الجواز. فأخبره بالحال، وأن بالوادي مكمن الرجال. فركب إليهم في أصحابه، والتقطهم من سرر الوادي وشعابه، وركب الشجاع (مسعود) في طلب أولئك الأشقياء، وانتشر الناس في تلك الاكناف والأرجاء. فما نجا منهم ناج، ولا نجح راج. ولا عاش عاش، ولا حصل عاثر بانتعاش.
فما شعرنا ونحن على صفد للحصار، والسلطان مطل من بيت الخشب على من حوله من الأنصار؛ حتى وصل صاحب قايماز بالأسارى مقرنين في الاصفاد، مقودين في الاقياد. وكان فيهم مقدمان من الاسبتار، وقد أشفيا على التبار. فإن السلطان ما كان يبقى على أحد من الاسبتارية والداوية، فأحضروا عند السلطان للمنية. فأنطقهما الله بما فيه حياتهما، وناجيا بما فيه نجاتهما. وقالا عند دخولهما؛ وأمام مثولهما؛ ما تظن أننا بعد ما شاهدناك يلحقنا سو، فعرفت أن بفائهما مرجو. وانتظرت أمر السلطان فيهما وأيقنت أنه يبقيهما. فمال إلى مقالهما، وأمر باعتقالهما. فإن تلك الكلمة حركت منه الكرم، وحقنت منهما الدم.
واستبشرنا بانعكاس ما أحكمه الكفر من التدبير، وإتعاس من جردوه بالتدمير. وفتح الله علينا صفد ثامن شوال، فشكرناه على أن مداد النصر متوال، وسلمت القلعة إلى شجاع الدين طغرل الجاندار فهو بها وال.