لما هلك الملك أمارى بن فلك في آخر سنة تسع وستين وخمسمائة خلف ولدا مجذوما، وكان مع الوجود معدوما. قد أعضل داؤه، وأيس شفاؤه، وسقطت أعضاؤه، وطال بلاؤه. فوضع الفرنج التاج على رأسه، وتمسكوا مع إمراضه بأمراسه. ونفخوا في ضرمه، وتسمنوا بورمه، وصحوا بسقمه، ورقوا في سلمه، ورضوا بتقدمه. وأكبروه وأركبوه، واقدموا به وقدموه، وهم يكرثون بحذاذ ملكهم هذا، ولا يكترثون بجذامه، ويحمون حماه أن يحم حلول حمامه، وبقى بينهم زهاء عشر سنين ملكا مطاعا، معارا من إشفاقهم واتفاقهم مراعى.
فلما أحس بهلاكه، وسكون حراكه. أحضر البطرك والقسوس، والمقدمين والرءوس. وكان له ابن أخت صغير؛ عن التطاول إلى الملك قصير، وقال لهم:
الملك في هذا، ولكن القومص يكلفه مدة سني صغره، وهو يستقل بع بعد كبره. فهو الآن لا يستبد، ومن أمر القومص يستمدز فقبل القومص الوصية، وجمع إليه الأطراف الدانية والقصية، وسكن طبرية. فإن صاحبتها كانت تزوجت به، وطمعت في قوته وقربه.
وهلك الملك المجذوم، وظهر السر المكتوم. وطمع القومص في الملك استقلالا، فعدم موافقة الداوية. وقالوا يلزمك العمل بشرط الوصية. فكفل بالأمر وهو مغلوب، وتفقد اختياره فإذا هو مسلوب. ورغب في مقاربة السلطان صلاح الدنيا والدين، ليقوى بجانبه، ويحظى من مواهبه. فاشتد أزره، واستد أمره، واستقل بنفسه، واستولى على جنسه، حتى مات الملك الصغير فانتقل الملك منه إلى أمه، وبطل ما كان في عزم القومص برغمه.
وانتقل الملك إليها، واجتمع الفرنج عليها. فقال لهم زوجي أقدر. وهو أحق بالملك وأجدر وأخذت التاج من رأسها فوضعته على رأسه، وعاش رجاءه بعد يأسه. وراش غناه بعد إفرسه، وانتاش ابليسه بعد ابلاسه
[ ٤٥ ]
وقامت قيامة القومص بإجلاسه. وطالبه الملك الجديد بحساب ما تولاه، فما أجاب دعوته ولا لباه. واستنصر عليه بسطاننا الملك الناصر، وأقام بطبرية في زي المتطاول المتقاصر. وضم إليه من الإفرنجية من استرغبه، بما استماحه من سلطاننا واستوهبه.
وحث العزم السلطاني على قصدهم ليرد إليه الملك، ويجد له في نظم أمره السلك. فلما اجتمعت العساكر الإسلامية، وتألفت منها الجزرية والديار بكرية والمصرية والشامية، جاء الملك إلى القومص بنفسه، وفتح له ما وجده من وحشته وعدمه من أنسه. وقال أصحاب القومص له أن لم تنصره فنحن ما نخذل الدين، ولا نكون بأيدينا مسلمين إلى المسلمين. وتمت بينهم ليوم المصاف المصافاة، وزالت المنافرة والمنافاة.