وحضر أكابر الأمراء عند السلطان يوم الخميس التاسع والعشرين من شعبان. فقال: اعلموا أن هذا عدو الله وعدونا قد أجلب بخيله ورجله، وأناخ بكلكل كله، وقد برز بالكفر كله الإسلام كله. وجمع حشده وحشد جمعه، واستنفد وسعه. وأن لم نعالج الآن فريقه، والبحر قد منع طريقه، أعضل داؤه، وتعذر غدا لقاؤه، فإنه إذا سكن البحر، واستسهل ركوبه السفر، تضاعفت أعداد الأعداء، فظهر الإعدام من الأعداء، وخرج الداء عن قبول الدواء.
ونحن ما وراءنا نجدة ننتظرها، ولا قوة نستحضرها. وما بلى بهذا المعشر إلا معشرنا، وما بازاء عسكر الكفر إلا عسكرنا، وما في المسلمين من ينجدنا، وما في بلاد الإسلام من يسعدنا. وعساكرنا حاضرة، وعزائمنا للتواني حاظرة، وعيون اسنتنا إلى الفتك بالعدا ناظرة، وما يعوزنا إلا حضور أخينا الملك العادل سيف الدين. ولا بقاء للنقاد إذا أصحر منه ليث العرين. فالرأي كل الرأي في المناجزة، قبل وقوفهم على محاج المحاجزة.
[ ١٧٤ ]
ثم قال: ليشر كل منكم برأيه، ولا يقدم على قول ورأيه من ورائه. فتجاذبوا حبل الاضطراب، واختلفوا في الآراء بحسب اختلاف الآراب. وركب كل منهم هواه، وأعلن بما نواه. ومنهم من قال: هذا ثالث عشر تشرين الثاني لا الأول، وقد دفعنا إلى الخطب الاعضل، والتعب الاطول، والنائب الأعصى والناب الاعصل، وما نزلنا عن الخيل منذ خمسين يوما، وما طعمنا في هذه الليالي نوما، ولا سمنا لطارق طيف غمضا، ولا شمنا إلا لبارق سيف ومضا، ولكم قذفتنا المنايا وقد دخلنا لهواتها وكأن أبا الطيب عنانا بقوله؛ (وكأنما خلقوا على صهواتها). وقد كلت الضوامر، وفلت البواتر، وملت العساكر. وهذا الشتاء قد أقبل، والعدو قد
استقتل، والشر قد استحفل. وما يتأتى قلعه إلا لمن يتأنى، وبالصبر يدرك الأريب ما يتمنى. وهم بالمصابرة مصابون، ونحن على المثابرة مثابون. وهؤلاء لا يتمكن منهم إلا بالجمع الجم، والسيل لا يغلبه غير الخضم. والصواب أن نصابرهم هذه الشتوة، ونستجد لنا ولخيلنا القوة. ونتأخر عن هذه المنزلة، لتحصيل هذه المصلحة المؤملة، ونوكل بهم مناوبة من يمنعهم من الخروج. وإذا انقضى البرد نرجع إلى معالجة هؤلاء العلوج. ونعيد السريجيات إلى سلها والسلاهب إلى السروج. والصواب الأخذ بالاحتياط ونقيم الكتب والرسل إلى الأطراف والأوساط. ومكاتبة دار السلام، وأعلام الإمام - عليه أفضل السلام - بما دفع إليه الإسلام بالشام. فإن المسلمين لا شك بنجدون، ويقومون بالنصرة ولا يقعدون. ولا يترك استنفار التركمان، وترغيبهم بالبر والإحسان. واستدعاؤهم بالعطايا، والتشريفات السنايا. وينفذ إلى بلاد الشام القاصية والدانية في تحريك الهمم والعزائم الوانية. إلى أن تملئ بالجموع ساح الساحل، وتغلى بنار الحميات بها مراجل الراجل.
فحينئذ ينتهي أمد المصابرة، ونصمم على المكابرة مع المكاثرة. ونباديهم ونفاتحهم قبل انفتاح البحر، ونغاديهم ونراوحهم على اقتراح القهر. وننسفهم ولو أنهم جبال، وننزفهم ولو أنهم بحار، ونعدمهم حتى لا يطرق جفن بلد منهم خيال. ولا يلم بجفن طارق لهم غرار.
وما زلنا في مشاورة ومحاورة؛ ومجاذبة ومجاوبة، ومناظرة ومساورة؛ حتى تنخل الرأي وتمخض، وخالوا أنه تبين الصواب وتمحض. ومالوا إلى الدعة؛ والخروج من الضيق إلى السعة. ومن نزال الحرب إلى المنزل الرحب. ومن المعترك المعتكر إلى المبرك المبتكر.
فلم تعجبني هذه الحالة، ولم توافقني هذه المقالة. وقلت: لعمري أتيتم بمصلحة، ولكنها غير مترجحة. فإن الفرنج إلى الآن لم يتمكنوا من الحصار، ولم يحدقوا
بجميع الأسوار. فإذا رحلنا وتنحينا عنهم أرخينا خناقهم، وأطلنا إلى مرادهم أعناقهم. وباب عكاء من
[ ١٧٥ ]
جانب البحر مفتوح، والمقيم بها منا بكاس تفقدنا إياه مغبوق مصبوح. والطريق إليها سابلة، والذخائر إليها في كل يوم داخلة. والفرنج عن قطع الطريق عاجزة، وعزائمنا على مصابحتها ومماساتها لها دون قصدها محاجزة. وأن تأخرنا تقدموا، وأن هونا أحكموا، وأن نقضنا ابرموا. وأن قعدنا قاموا، وأن بعدنا حاموا. ومتى رمناهم تحفظوا، ومتى نمنا عنهم تيقظوا. وما دمنا نشغلهم فإنهم لحصر البلد لا يتفرغون، وإلى أمد الأمل لا يبلغون.
فقالوا: هذا أمر هين، ومما ذكرناه صواب متعين، ووجه الصلاح فيه بين. وما مقصودنا إلا أن ينتشروا ويخرجوا من مضاربهم وبصحروا. فإذا أنسوا بالرجاء، لم ييأسوا من الأرجاء. وأرخينا لهم حبل الانطار، حتى استمروا على الانتشار. وحينئذ نصحهم على غرة، ونعاجلهم كرة بعد كرة. وننقض عليهم إنقاض البزاة على البغاث، ونصدهم بالباعث الباغت لهم عن الانبعاث. وكان السلطان متكرها لما أبدوه من الرأي الملتاث، لولا ما عرض لمزاجه من الالتياث.