وقطعنا مخاضة الأحزان خائضين في بحار المسرات المتواصلة، راكضين إلى مضمار المبرات الحافلة. والسلطان سائر والجنة تحت راياته مفتوحة أبوابها، والنصرة فوق ألويته ممدودة أسبابها. في اطلاب أبطال إذا أوعاها الفجر لم يسعها إلى عشائه، وإذا طلع عليها سرحان الصباح سقط من عجاجها على عشائه. ونزلنا على صفد، والصبر قد نفذ، والنصر قد وفد، والقدر قد وقد، والعزم قد وقد.
وجاء الملك العادل وظاهر أخاه، وضافره فيما توخاه، وشد بالرأي والحزم ما الزمان أرخاه، وبعث كل ذي عزيمة على التصميم ونخاه. وشرعنا في مراومة
القلعة، ومساومة السلعة. وجثت المجانيق لاجتثاثها، وحدثنا بألسنة أحداثها. ورمتها عن قسيها بالقاسيات، وسمت إلى هضاب تلك الأبراج الراسيات، وأمطرت عليها حجارة، ولم نعطها من العذاب الواقع بها إجارة. فما رفع بها الحصن الراسي رأسا ولا الحجارة مست منه ركنا ولا النقوب باشرت أساسا. ودامت المجانيق منصوبة قد قام دست شطرنجها والنقب لم يكتشف نقب السور عن وجوه فرنجها.
ودمنا عليها ثامن شوال، ونوعنا في افتتاحها الاحتيال. وحتى أذن اله في الفتح فسهل ما تصعب، وحضر ما تغيب، وظهر ما تحجب. وتيسر ما تعسر، وأمكن ما تعذر. وتأتى، وأجاب نداء الإسلام ولبى. وعلموا أن صفد أن لم تخرج من أيديهم دخلت أرجلهم في
[ ١٤٤ ]
الأصفاد، وعادوا ثعالب يروغون وكانوا كالآساد. ونزلوا من سماء العز إلى أرض الهوان، فأذعنوا للضراعة وتضرعوا بإذعان، وأخرجوا أسارى المسلمين ليشفعوا لهم في طلب الأمان.
وصارت صفد للمسلمين صدفا، وكانت للمشركين هدفا. وعادت للإسلام سدا، بعد أن كانت للكفر رداءا ومردا. وطالما مكث فيها المشركون (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا، لقد جئتم شيئا إدا، تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا). ولقد كانت مارنا للكفر جدع، ومرفقا للشر قطع. وناظرا للعدو غض وقد شخص، وجارحا له هيض وقد قنص. ويدا للباطل شلت وقد امتدت، وعقدة للضلالة حلت وقد اشتدت. وتخلصت الداوية بأدواتها، وتمصلت بأسوائها. وصاروا في صور، وأبدوا بعد استطالتهم القصور.